في اللحظة التي يطأ فيها المريض عتبة العيادة الطبية، وهو يحمل أوجاعه وقلقه، يفترض أن يجد في استقباله روحاً تطمئنه ويداً تمتد لتلمس موضع الألم؛ لكن المشهد السائد في كثير من منشآتنا الصحية "الخاصة" بات يثير التساؤل؛ حيث يبرز سؤال "عندك تأمين طبي؟" كحاجز إداري ومادي يسبق مرات حتى التحية!
هذا التساؤل الذي انتقده مؤخرا مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة الدكتور صالح الأنصاري، عبر "قناة السعودية"، لم يعد مجرد إجراء تنظيمي، بل تحول إلى فرز يخدش كرامة المهنة، ويضع الرسالة الطبية في مواجهة مباشرة مع الحسابات الاستثمارية الجافة، ما يهدد جوهر العلاقة بين الطبيب ومريضه.
ولم يكن نقد الدكتور الأنصاري مقتصرًا على الجانب الأخلاقي فحسب، بل فجر مفاجأة أخرى تتعلق بالصحة العامة للمجتمع؛ إذ أشار إلى أن نحو 90 % من المواطنين يعانون من مشكلة "مقاومة الإنسولين".
نحن نتحدث عن أغلبية ساحقة تعيش في مرحلة "ما قبل المرض" دون أن تدري، وهي الحالة التي يفقد فيها الجسم قدرته على استخدام الهرمون بفعالية، ما يجبر البنكرياس على ضخ كميات مضاعفة تؤدي في النهاية إلى إنهاكه تماماً، وبحسب الأنصاري، فإن المأساة تكمن في أن هذه الحالة تسبق الإصابة الصريحة بمرض السكري بفترة تتراوح بين 10 إلى 15 عاماً، ومع ذلك، يظل التشخيص غائباً في معظم العيادات التي تكتفي بفحص مستويات السكر التقليدية، ليغادر المريض العيادة وهو يعتقد أنه "سليم" بناءً على ورقة المختبر، بينما جسده يغلي بصمت في مرحلة التمهيد للمرض.
ويبرز هنا تساؤل جوهري حول سبب تجاهل النظام الطبي العالمي لفحص بهذه الأهمية، والإجابة التي طرحها خبير تعزيز الصحة تحمل شقاً مؤلماً؛ فالتوصيات الطبية الدولية لا تضع فحص مقاومة الإنسولين ضمن الأولويات الروتينية لسبب قد يبدو صادماً وهو عدم وجود علاج كيميائي له!
في عالم الطب الحديث غالباً ما ترتبط الفحوصات بوجود أدوية يمكن وصفها وعقد صفقات تأمينية حولها، وبما أن علاج مقاومة الإنسولين لا يكمن في حبة دواء بل يرتكز حصرياً على تغيير نمط الحياة والمشي وضبط التغذية، فقد سقط هذا الفحص من قائمة الاهتمامات التجارية.
ويرى الأنصاري أن "نصيحة المشي" لا تدخل ضمن فواتير شركات التأمين المعقدة، ولا تدر أرباحاً للمنشآت الصحية كما تفعل العقاقير المزمنة، وهذا يضع الجميع أمام تساؤل أخلاقي حول دور الطبيب في الوقاية وتنبيه المريض قبل وقوع الكارثة.
في تقديري.. إن الربط الذي أحدثه الدكتور الأنصاري بين سؤال التأمين وتجاهل الجذور العميقة للمرض يكشف عن أزمة ثقة متنامية، فعندما يرتهن القرار الطبي بالملاءة المالية ونوع بطاقة التأمين، يفقد الطبيب استقلاليته ويتحول المريض إلى "عميل" في شركة خدمات.
إن الطب في جوهره هو "إغاثة الملهوف"، والقيمة الأسمى التي يجب أن ترفرف فوق أي منشأة هي "صحة الإنسان أولاً".

















التعليقات