سعيد الشهابي
عدد من الحوادث التي وقعت في الشهور الاخيرة يؤكد صعوبة الاعتقاد بوجود حصانة للمواطنين المسلمين في الدول الغربية امام اساليب الاستهداف المنطلقة بدوافع دينية تارة وعنصرية اخري ، مهما كانت مواقعهم ومناصبهم، ويثير التساؤلات حول مدي جدية الغربيين في الاعتراف بمبدأ الشراكة السياسية والدبلوماسية معهم.
كما تؤكد تلك الحوادث ازدواجية التعامل السياسي مع الاشخاص، ودور الانتماء العرقي والديني في تحديد متانة الحصانة التي يتمتع بها المسؤولون المسلمون في الدول الغربية، وتثير التساؤلات حول مدي عالمية الاعراف الدبلوماسية، ومدي الانسجام في تطبيقها في الواقع العملي. وما يقال عن السياسيين و الدبلوماسيين المسلمين ينطبق، بشكل اكبر علي عامة المسلمين الذين يتمتعون بمواطنة تلك الدول، ويحملون جنسياتها وجوازات سفرها. فما مدي حصانة هؤلاء امام القوانين التي أقرت في الاعوام الاخيرة تحت ذرائع شتي في طليعتها مكافحة الارهاب ؟ وأين يمكن رسم الخطوط الفاصلة بين مفاهيم المواطنة وما يترتب عليها من حقوق ثابتة، و الحفاظ علي الامن الوطني او الاجراءات الاحترازية التي تتخذ من اجل الحفاظ علي الامن ومواجهة الارهاب والتطرف؟ هذه القضايا اصبحت في صلب الحوار الذي يدور علنا وسرا، بعد ان بدت المفارقات تتضح اكثر بين ما يقال ضمن شعارات الحرية وحكم القانون من جهة، وما يطبق من اجراءات ضد بعض القطاعات المجتمعية تحت عناوين اخري، في مقدمتها حماية الامن الوطني. كما قد يتسع السجال في هذه القضايا ليصل الي الحقوق المجتمعية المترتبة علي المواطنة ، فهل يجوز مثلا، سن قوانين تمنع الحجاب؟ وأين موقع ذلك من مفاهيم حقوق الانسان التي يفترض ان تكون قد اصبحت محورية في التشريعات الغربية؟ أوليس سن تشريعات تحظر ارتداء الحجاب في المدارس او الأماكن العامة، يتناقض مع جوهر القيم الديمقراطية التي يفترض ا نها تضمن حرية الاختيار لدي الافراد، ويمنع اصدار تشريعات تنتهك الحقوق والمباديء الاساسية التي نص عليها الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وبقية المواثيق والمعاهدات التي تكرس مقولة قداسة النفس البشرية ومحوريتها في اي سجال حول سن التشريعات وفرض القوانين علي المجتمعات؟
هذا السجال بدأ يطرح بشكل اوسع في ضوء عدد من التطورات السلبية ذات الانعكاس المباشر علي اوضاع حقوق الانسان، وبشكل يخترق القيم الاساسية التي نص عليها الاعلان العالمي. تبدأ قصة معاناة المسلمين مع الواقع السياسي الجديد في الغرب، وآخر حلقات الجدل في هذا الجانب بدأ في بريطانيا بعد الاعلان عن التنصت علي ما دار في لقاء بين النائب البرلماني العمالي المسلم في مجلس العموم البريطاني، السيد صادق خان، ومواطن بريطاني معتقل لدي السلطات البريطانية، ينتظر الترحيل الي الولايات المتحدة. النائب المسلم زار الشخص المذكور مرتين لانه يعيش في الدائرة الانتخابية التي فاز فيها النائب صادق خان، وبالتالي فهو معني بوضعه، ومطالب بمساعدته. جهاز التنصت وضع تحت الطا ولة التي جلس عليها الاثنان خلال لقاءيهما. وبعد الكشف عن ذلك التنصت، طالب السيد جاك سترو، وزير العدل الحالي، بـ تحقيق في ما اعتبره ادعاءات خطيرة . فاذا كانت اجهزة الشرطة والامن والاستخبارات قادرة علي اختراق خصوصيات المسؤولين الكبار، ومنهم النواب المنتخبون، فان ذلك يثير تساؤلات خطيرة حول مفاهيم المجتمع المدني، والدولة المدنية، مقارنة بالدولة البوليسية. ويمكن النظر الي المسألة من زاوية اخري، وهي مدي قدرة نظام الحكم علي استيعاب المواطنين من غير الاصول الانكليزية ضمن اجهزته علي قدر المساواة مع المنحدرين من العرق الاصلي. وعلي وجه الخصوص هل يستطيع المجتمع الغربي التحول الي بوتقة انسانية تنصهر فيها الاعراق والاجناس وتنعدم فيها الفوارق الطبقية والاثنية والدينية؟ وهل تستطيع الطبيعة العلمانية للنظام السياسي تجاوز الانتماءات الدينية للافراد؟ فالملاحظ ان السيد صادق خان ليس الاول من النواب المسلمين الذين يتعرضون للتنصت من قبل اجهزة الاستخبارات. ففي كانون الاول (ديسمبر) 2001 قال اللورد نظير أحمد، عضو مجلس اللوردات البريطاني، ان هاتفه قد وضع تحت المراقبة لانه معارض لسياسة الحكومة في افغان ستان ، تلك السياسة التي دعمت العمل العسكري ضد حكومة طالبان بعد حوادث 11 ايلول (سبتمبر) من ذلك العام. وقال ان وزير الدولة للشؤون الخارجية، دينيس ماكشين، قال له خلال نقاش حاد: اننا نعرف ما تقول، ومع من تتحدث، فكل ما تقوله يصل الي آذان الوزراء . واللورد احمد هو الذي تدخل مع البارونة وارثي، لحل ازمة السيدة جيليان جيبونز، التي اعتقلت العام الماضي في السودان بعد ان اطلقت اسم محمد علي لعبة اطفال.
وفي اكتوبر الماضي، حدثت قضية أخطر، وذلك باحتجاز السيد شاهد مالك، الوزير بوزارة التنمية الدولية البريطانية، في مطار دالاس بواشنطن. كان الوزير المسلم في طريقه الي لندن بعد مشاركته في عدد من الاجتماعات حول معالجة ظاهرة الارهاب. وخلال الاحتجاز تعرضت حقائبه للتفتيش بحثا عن متفجرات . وقال لاحقا انه يشعر بخيبة الامل ، مؤكدا انه كان قد تعرض في العام السابق لموقف مشابه، وذلك عندما تم ايقافه بمطار جي اف كي بنيويورك والتحقيق معه. يومها كان قد شارك في عدد من اللقاءات بدعوة من جهاز الامن الوطني ، الي جانب مسؤولين من جهاز التحقيقات الفيدرالي، اف بي آي، ومنظمات اسلامية اخري. وقال الوزير ان المسؤولين اعتذروا له مرارا حول تلك الحادثة، ولكن سرعان ما تكررت بشكل أسوأ، اذ تم هذه المرة احتجازه والتحقيق معه. فهل ان ما حدث له كان سوء تصرف من موظفي الامن بمطاري نيويورك وواشنطن؟ ام انه بتواطؤ مع بعض الجهات البريطانية؟ ام ان القضية تتجاوز ذلك الي موضوع أوسع، مفاده ان الخلفية الدينية للاشخاص تبقي علامة فارقة في حياتهم ، بغض النظر عن مواقعهم ومناصبهم. فمن الصعب تقديم تفسيرات لما حدث لهؤلاء المسؤولين المسلمين الكبار في الحكومة البريطانية، فهم يمثلون اعلي ما بلغه المسلمون من مناصب في دوائر الحكم البريطانية. فمنهم برلماني منتخب ضمن حزب العمال (صادق خان) وعضو بمجلس اللوردات عن حزب العمال (اللورد أحمد)، ومنهم وزير بحكومة حزب العمال الحاكم (شاهد مالك). فمن جهة يمكن النظر الي النظام السياسي البريطاني بانه يتوفر علي مقومات ايجابية عديدة، من بينها قدرته علي استيعاب الاشخاص من كافة الخلفيات الايديولوجية والدينية والسياسية، وتوفير فرص المشاركة امامهم للوصول الي اعلي المستويات والمناصب. فالوزير المذكور، شاهد مالك، كان من الشباب الناشطين في حزب العمال، وتعرض للضرب علي ايدي الشرطة في 2001 عنما شارك في تظاهرة احتجاجية نظمها الشباب المسلمون بمدينة بيرنلي محتجين علي سوء اوضاعهم وتضاؤل فرص العمل امامهم. هذا الناشط اصبح وزيرا، ولكن هل حماه منصبه من ا لاضطهاد؟ ام ان خلفيته الايديولوجية، ولون بشرته، وعرقه الباكستاني، وانتماءه الديني، ستظل تلاحقه مدي العمر، حتي لو تقلد اعلي الرتب؟ وتجدر الاشارة الي ان النظام الديمقراطي الغربي، من الناحية النظرية، قادر علي استيعاب الآخرين اذا رغبوا في تقديم خدماتهم للبلدان التي يعيشون فيها. فالعديد من اليهود الذين هاجروا من بلدان آسيا الوسطي بعد الحرب العالمية الثانية، استطاع الوصول الي مناصب عليا، ومن بينهم وزير الداخلية البريطاني السابق، مايكل هاوارد. وفي الولايات المتحدة، يخوض باراك اوباما معركة الترشح للرئاسة عن الحزب الديمقراطي، وهي المرة الاولي التي يصل فيها شخص أسود الي هذا الموقع المتقدم، مع ان فرص نجاحه ما تزال غامضة. وقد سعت اوساط عديدة لابراز خلفيته العائلية المسلمة، اذ ان والده، حسين اوباما، شخص مسلم، وعملت علي اظهار التميز الديني المرتبط بعائلته لخلق جدار نفسي بينه وبين الناخبين. ان اللعب علي اوتار الدين في النظام العلماني يصنع حواجز امام الممارسة الديمقراطية الحرة، ويفرغ الديمقراطية الليبرالية من محتواها.
معاناة المسؤولين المسلمين في البلدان الغربية، التي تمت الاشارة الي بعض منها، تؤكد المشاكل والصعوبات العملية التي تواجه الساعين للاندماج والانصهار في المجتمعات الغربية، وتكشف غياب الاستعداد النفسي لدي تلك المجتمعات لقبول ذلك الاندماج، ما لم يكن مشفوعا بالتخلي الكامل عن الهويات الاصلية لهؤلاء المندمجين. فما لم يتحول كل منهم الي سلمان رشدي آخر، او الي تسليما نسرين او عيان هيرسي علي فسيظلون محط الانظار، وموضع اهتمام من قبل اجهزة الامن والاستخبارات، حتي لو كانوا من المشاركين في مواجهة التطرف والارهاب. ولا بد هنا من الاشارة الي ان المجتمع الغربي اليوم حقق نبوءة جورج اورويل التي طرح تفصيلاتها في كتابه 1984 ، فأصبح الاخ الاكبر يراقب الجميع في كل حارة او شارع. كان اورويل يتحدث عن المجتمع التوتاليتاري الذي تحول الي دولة بوليسية وسلب مواطنيه حرياتهم. لقد كانت نبوءته دقيق ة ولكن مكانها مختلف، فمكان تحققها ليست البلدان المحكومة بالانظمة الشيوعية، كما كان يتوقع، بل الانظمة الديمقراطية. وتكشف مقالة نشرتها صحيفة التايمز البريطانية في 6 فبراير،مدي المراقبة التي يخضع لها المواطنون في هذا الزمن الذي تطورت فيه الاجهزة الالكترونية بشكل مروع. امش في اي شارع بريطاني اليوم وستكون تحت المراقبة فورا. فكل ما حولك يحمل كاميرا تسجل حركاتك: اعمدة الانارة وواجهات المحلات... انها جميعا تراقبك... وعندما تمر امام مكتب البريد، قد لا يمر بخلدك بان لدي موظفيه القدرة علي مراقبتك او التدخل الماشر فيما لو شكوا في عزمك علي السرقة... ذلك الرجل الجاثي علي ركبتيه يقلب القمامة قرب الرصيف ليس، كما قد تظن، رجلا معوزا، بل محققا من دائرة البلدية... وتلك الفتاة التي تجمع التبرعات علي الطرف الآخر من الرصيف، قد تكون تحت الرقابة من قبل قسم التحقيقات بهيئة الاوقاف، بسبب الشك في شرعية نشاطاتها الخيرية... وسواء كنت نائبا برلمانيا ام محاميا ام مواطنا عاديا، فبالامكان متابعتك، والتنصت عليك، ومراقبتك، وتسجيل مكالمات الهاتفية وايميلاتك من قبل طيف واسع من الاجهزة .
وحتي المحامين اصبحوا يمارسون عملهم مفترضين ان محادثاتهم مع موكليهم تخضع للتنصت والرقابة، خصوصا اذا كان موكلوهم متهمين بقضايا ارهابية، برغم ان بعض القضاة اعتبر هذه الاساليب انتهاكا جوهريا لحقوق الانسان . وهناك الآن ضجة واسعة في اوساط المحامين بسبب الرقابة الشاملة علي اتصالاتهم مع موكليهم. كما ان محادثات العائلات مع ابنائهم في السجن تخضع للتنصت ايضا. لقد اصبحت اساليب التجسس معقدة وواسعة، ويبدو من الصعب السيطرة عليها بسهولة، خصوصا مع وجود تعقيدات سياسية وامنية واخلاقية. لقد تحول المجتمع الي ساحة تجارب لشركات الصناعات الالكترونية، ولم تعد هناك خصوصية للافراد والعائلات. هذا علي صعيد المواطن العادي، فما بالك بالمواطنين المسلمين؟ ان ما تم الكشف عنه من تنصت ومتابعة ومراقبة ليس الا جانبا محدودا مما يجري. فهناك شعور مستحكم خصوصا لدي الطبقات الحاكمة والنخب المثقفة بحساسية مفرطة تجاه الوجود الاسلامي في بريطانيا. فعندما أطلق أسقف كانتربري، الدكتور روان ويليامز، الاسبوع الماضي تصريحه باهمية اقرار بعض بنود الشريعة الاسلامية في قضايا الاسرة والعلاقات الاجتماعية، انبرت النخب السياسية والفكرية لمهاجمته بلا هوادة. الأسقف لم يذكر الا ما هو قائم فعلا، حيث ان هناك قدرا من التطبيقات العملية التي تنظم قضايا الاسرة، والعلاقات العائلية، ولم يقترح ما هو ابعد من ذلك، ولكن طرحه لم يلق استحسانا من احد. بل ان هناك من شكك في دوافع هذا التصريح واعتبره جرس انذار يهدف لايقاظ النخب السياسية والفكرية علي واقع يمثل المسلمون فيه قوة متصاعدة. ليفكروا ياحتواء الامر باساليب اخري. هذه القضايا مجتمعة تظهر حساسية الوجود الاسلامي في بريطانيا، وان فكرة الاندماج او التكامل مع هذه المجتمعات، مرفوضة ليس من قبل المسلمين، بل من جانب المجتمع نفسه. ان الغرب اليوم يعيش أزمة داخلية بين الوفاء لمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، والامعان في انتهاك حقوق البعض بدعاوي الحفاظ علي الامن ومكافحة التطرف والارهاب. انها أزمة أخلاقية خطيرة بدأت آثارها تظهر في الرقابة الشاملة عل ي كافة المواطنين، ومراقبة حركاتهم وسكناتهم، وانتهاك خصوصياتهم. وهكذا تتحول الدولة الغربية تدريجيا الي دولة شمولية، تهدد حقوق الفرد، وخصوصياته، برغم المظاهر الديمقراطية والحقوقية. وثمة خشية من ان تكون هذه الدولة قد بدأت مشوار السير علي خطي الدولة الشيوعية التي انتهكت حقوق الفرد، فكان ذلك بداية لسقوطها.














التعليقات