محمد عبدالجبار الشبوط
الديمقراطيات الهشة قد تعجز عن معالجة عيوبها بما في ذلك الخلافات الحادة بين الاطراف السياسية وفق الآليات الديمقراطية السلمية المدنية.
مرة أخرى تبرهن الديمقراطيات الهشة أو الوليدة عن قدرتها على التراجع أو العطب أو الشلل أو التصدع أمام الخلافات بين أطراف العملية السياسية أو الفساد. وتبرهن أيضاً عن إمكانية عالية في عدم قدرتها على معالجة مشاكلها بطريقة ديمقراطية ومن خلال مؤسساتها المنتخبة.
من موريتانيا جاء الشاهد الأكيد على ما نقول. ففي هذا البلد العربي - الإفريقي الذي شهد قبل حوالي 16 شهرا ولادة الديمقراطية، إنهارت التجربة أمام أول اختبار حاسم، وتبين أن أسسها هشة بما لا يسمح لها بمقاومة مضاعفات الخلافات السياسية ولا مضاعفات الفساد المتوقع حصوله في الحالات المماثلة.
البداية الحاسمة في هذا الانهيار تمثلت في الخلاف بين رئاسة الجمهورية وبعض القيادات العسكرية التي تعتبر نفسها مسؤولة عن النظام السياسي الديمقراطي، وهو الخلاف الذي لم تتمكن الديمقراطية الموريتانية من حله وفق القواعد الديمقراطية. ومع أن الاصل في الأنظمة الديمقراطية يقضي بخضوع القوات العسكرية للقيادات المدنية للبلاد، إلا أن بعض قادة الجيش الموريتاني آثروا التمرد على القيادة السياسية المدنية المنتخبة، وأخذوا على عاتقهم قيادة العملية السياسة متسلحين بما توفره المؤسسة العسكرية لهم من قوة لا تقاوم، وفي هذا خرق كبير لقواعد الديمقراطية.
ويعود بعض جذور الخلاف الرئاسي - العسكري الى خلافات سياسية - سياسية شهدها البرلمان الموريتاني في الآونة الأخيرة. والبعض الآخر يعود الى فشل الطبقة السياسية في حل خلافاتها داخل البرلمان. ربما لم يمنح البرلمان فترة كافية لحل هذه الخلافات، فنشأ تحالف بين قوى سياسية معارضة وقيادات عسكرية وفّر غطاء سياسياً لتحرك القادة العسكريين ضد مؤسسة الرئاسة المدنية المنتخبة، وإنهاء صلاحياتها بقرار عسكري بعيداً عن المؤسسة البرلمانية المنتخبة وفق الشروط البرلمانية.
وهذا ما يفسر، ربما جزئياً، لماذا وقف بعض البرلمانيين المدنيين المنتخبين الى جانب القيادات العسكرية وأيدوا ما وصفوه بحركتهم التصحيحية. وهذا يكشف بوضوح عدم رسوخ القواعد الديمقراطية التي تقضي بإجراء الحركات التصحيحية تحت قبة البرلمان وليس عن طريق القوة العسكرية التي يفترض أن تبقى في الثكنات لحراسة الدولة والوطن، وليس لإجراء الحركات التصحيحية وتغيير الرؤساء والحكومات. وليس أبلغ من هشاشة الديمقراطية لجوء سياسيين مدنيين منتخبين الى المؤسسة العسكرية لحسم خلافات لم يتمكن البرلمان من حلها سياسيا وسلمياً.
لم يظهر الانقلاب الموريتاني وكأنه انقلاب شامل، حيث لم يتم تعليق الدستور ولا حل البرلمان، بل جرى تكليف الحكومة السابقة تصريف الأعمال الى حين تشكيل حكومة جديدة، ما يكشف عن محدودية الدوافع وراءه، وما يجعله مجرد حركة جزئية تستهدف إلغاء قرارات اتخذها الرئيس في حق بعض القيادات العسكرية، التي شاءت أن تعبّر عن رفضها هذه القرارات بإنهاء سلطة الرئيس، بقوتها العسكرية. صحيح أن دستور موريتانيا لا يعالج بوضوح طريقة إعفاء أو إقالة رئيس الجمهورية، لكنه لم يمنح القادة العسكريين مثل هذه الصلاحية. ومن المؤكد أنه كان في الامكان معالجة مشكلة القرارات وفق العديد من الآليات الاجرائية التي يتيحها الدستور الموريتاني. لكن هذا لم يتم، لأن البناء الديمقراطي ليس راسخاً بالدرجة التي تجعل مجرد التفكير في الانقلاب العسكري خارجا عن المعقول والمقبول.
- رئيس تحرير مجلة الاسبوعية العراقية














التعليقات