جذور واحدة لنوايا مختلفة.. بيغ بيل وبن لادن يقتلان الناس لتموت الدولة

لندن - شاهر عبيد


يعتقد الجميع اليوم ان ظاهرة الارهاب التي أُبتلي بها عالمنا المعاصر هي حقاً ظاهرة جديدة، لكن لا، هذا ما يكشف عنه فيلم تلفزيوني مهم عرض أخيراً. الفيلم يقول ان الحركة الفوضوية التي شهدها القرن التاسع عشر تميزت بكونها نهيلية laquo;عدميةraquo; أيضاً ومهلكة بهذا القدر هنا نجد ان شبكة من المتطرفين العنيفين تقوم بانتقاء قادة عالميين واحداً فواحداً ليكونوا ضحايا الارهاب.وبهذه الطريقة قضى الرئيس الأميركي يومئذ ورئيس الجمهورية الروسية والرئيس الفرنسي والنمساوي ورئيس وزراء اسبانيا.

في اطار الموجات الارهابية لا تعرف القنابل سوى الحقد فلا توفر أمن أحد في المدن الآمنة والأشد غنى عبر العالم، فاستهدفت أماكن مثل laquo;وول ستريتraquo; ومترو لندن ومسرح برشلونة ومقهى باريسي واستعراض عسكري في موسكو. ويحذر مسؤولو الأمن في ملفاتهم قائلين عن الارهابي الذي يفجر القنبلة laquo;انه يسير لملاقاة حتفه بكل صلف ودونما ندمraquo;.

هناك ذعر في العالم والحكومات تعلن عن برامج للتعذيب وتهجير (ابعاد) الناس من المهاجرين ومع هذا فلايزال الارهابيون المتطرفون يجوبون هذا العالم بتحد وغطرسة وهم يرتكبون الفظائع حيثما حلوا ولسان حالهم يقول laquo;ان هناك هدفاً واحداً، علما واحداً، هو علم التدميرraquo;.

ولو عدنا بتفكيرنا الى ما قبل ثلاثين سنة من اليوم لوجدنا ان ذلك ينطبق على تفكير laquo;القاعدةraquo; ولكن عمليا كل شيء بدأ منذ أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين وقد قام نشطاء الفكر الفوضوي بكل هذه الأعمال الفتاكة. وهؤلاء كانوا أفراداً مستعدين للموت في سبيل معتقداتهم وقد عاشوا سابقاً في هذه الأماكن التي يعيش فيها المتطرفون، ومن بينها وايتشابل في شرقي لندن وهاجموا الأهداف ذاتها التي يهاجمها متطرفو اليوم ومن ذلك منهاتن التحتية في صباح أحد أيام سبتمبر.

يقول جو بولمان في فيلم وثائقي جديد بعنوان laquo;العدو الداخليraquo; ان المتطرفين الاسلاميين قرأوا العبارات التي سطرها الفوضويون اليهود في أسفارهم ووثائق محاكماتهم وعلى الرغم من ان هؤلاء لا يراودهم الحلم ذاته فيما يخص العالم الذين يريدون بناءه بعد قيامهم بالأعمال التدميرية لكن غضبهم وانتماءهم وأسلوبهم متشابه. تتشابه الأساليب ولكن الرؤى مختلفة.

وذات مرة قال مارك توين ان laquo;التاريخ لا يعيد نفسه ولكنه يعمل بايقاع مشابهraquo;. فهل ثمة دروس يمكن استمدادها من هذه الموجة التي امتدت طوال قرن ونيّف؟ وعلى مدى عقود من الزمن لايزال المتطرفون الراديكاليون أشبه بقوة لا يمكن اقتلاعها وتعمل لاستنزاف المجتمعات الغربية الى الأبد.ولكن موجة التطرف الفوضوي تلاشت أخيراً. واليوم يعود هذا النمط للتجدد. فهل يمكنهم ان يقولوا لنا ما الذي يجعل الشباب يهاجمون أبناء مجتمعهم وما الذي يمكن ان يوقف نشاطهم؟ وهل لهم ان يخبرونا ماهي الطرق الكفيلة بانتشال حركتهم من الانفاق تحت الأرضية؟ وما الذي يجعلهم أقوياء هكذا؟ ان الذي يبدو لنا هو ان هناك رابطاً بين متفجرات laquo;النتروغليسرينraquo; خلال القرن التاسع عشر وبين الجهاديين في هذا العصر.

مقهى تيرمينوس

مع غروب شمس يوم 12 فبراير 1894 كان مقهى تيرمينوس في laquo;غيرسان ndash; لازارraquo; يغص بالشباب الفرنسيين في باريس وهم يستمعون لموسيقى أوركسترالية. وفجأة انقطعت الموسيقى. وعلت في جو المكان كتلة من اللهب التي حصدت كل ما هناك وحولته الى ركام أسود. بعد لحظات خرج بعض الناجين من براثن الموت وشاهدوا الجثث والأشلاء المتناثرة من حولهم في حين كان بعضهم يحترق ويهرول بهلع طالباً النجاة لنفسه. وتبين ان الفاعل كان شاباً يعمل محاسباً في العشرين من عمره ويدعى اميل هنري. فقد عمد هذا الرجل الى وضع قنبلة في علبة معدنية كان أحد العاملين في المقهى يستخدمها لحفظ طعامه ثم قذف بها الى عازفي الأوركسترا ولكن تلك لم تكن المرة الاولى التي يرتكب فيها هنري هذا العمل العدواني فقبل بضعة أشهرمن ذلك الهجوم قام بتفجير مخفر للشرطة فقتل خمسة أشخاص وعاد أدراجه بكل هدوء الى مكتبه ليستكمل العمل الذي كان يقوم به وكان شيئا لم يكن.

كان ذلك العدوان هو الاول الذي ينفذه رجل بمفرده مستهدفاً المدنيين أو حسبما وصفه المؤرخ والأستاذ في جامعة يال جون ميريمان laquo;كان ذلك هو اليوم الذي أصبح فيه الناس العاديون هدفاً للارهابraquo; ومهما يكن من أمر فان المتطرف اميل هنري لم يكن أحد فوضويي laquo;سنترال كاستغraquo; بل كان مثقفاً وابنا لعائلة فرنسية بورجوازية يعيش على ما تعطيه اياه عمته الثرية. كما كان هو في كل الأحوال رجلاً حساساً، وقضى حياته في خوف مقيم من المشاهد الوحشية التي كانت تحيط بالحياة الباريسية. وأعلن ان تصرفه العدواني ذاك كان يقصد به حماية أرواح الناس في نهاية الأمر: وهو ما يعني انه كان يقوم بالاغتيال لأسباب تتعلق بالشفقة.

وكان هنري يعيش في بيئة باريسية ذات تفاوت طبقي واضح وبامكانك ان تنتقل فيها من دار الأوبرا الباذخة الى أحياء الصفيح في غضون دقائق لاغير حيث يموت الأطفال فيها بالعشرات بسبب مرض السل.لهذا فقد تشرب هنري هذا التفاوت الاجتماعي منذ بواكير أيامه، وكانت له ثقافة الأثرياء ولكنه اعتاد النزول الى الأحياء الأشد فقراً في المدينة.

والده فورتشن هنري كان قد هرب مبتعداً عن بيئته البرجوازية قبله، عام 1848 وهو في سن السادسة عشرة والتحق برجال الثورة في باريس. وحين أمسك أهالي المدينة بزمام الأمورهناك عام 1871 وأداروا شؤونها على شكل كومونة ديموقراطية Commune قام فورتشن بجلب المقاتلين لاحتلال المتاريس وحشد الجماهير.ولكنه حين استعادت الدولة الفرنسية السيطرة على باريس بعد ذبح نحو 25 ألف شخص من الأهالي واجه صاحبنا تهمة الخيانة والحكم بالموت لكنه تمكن من الهرب الى اسبانيا.وهناك ولد له الطفل اميل الذي شب على حكايات الاضطهاد الذي مارسته الدولة الفرنسية بحق الأهالي وقمع حرياتهم. فترسخت في أعماقه مشاعر اعتبار الدولة شريرة ولاسيما بعد ان صادرت الحكومة الاسبانية ممتلكات أسرته جزاء لانحياز أفرادها للأفكار الفوضوية.وأجبر والده على العمل في مصانع بائسة تتعامل بالسموم الزئبقية ومات الوالد في حين كان هنري في العاشرة من عمره.

عمدت والدته الى طلب المال من أقاربها الأثرياء فأرسلوا الطفل هنري الى أفضل المدارس في باريس. وأثبت انه طالب نجيب جداً، وأصبح مهندساً بطوله الفارع ولحيته الشقراء، لكنه كمهندس متمرن لم يكن مرتبه كافيا وعانى أوضاعاً فقيرة وأذهله ما رآه في باريس من بؤس أحوال الناس حوله كان أكثر الناس هناك صامتين وليس لديهم صوت في المجال السياسي، ويكابدون شظف العيش، ما جعل ربع الأطفال الفقراء معرضين للموت قبل بلوغهم سن الرشد.

وقد كتب هنري يقول: أود ان أختفي من الوجود، ان laquo;أقتل نفسدي لاتخلص من هذا العذاب الأبدي الذي يقطع نياط القلب ويذل الروحraquo; وتوصل الى نتيجة أخيرة مفادها ان الاغنياء في باريس يطغى عليهم laquo;الخداعraquo; ولا أحد سوى laquo;المتهكمين والأذلاء يمكنهم ان يحضروا الولائم.. وان الأثرياء قد صادروا كل شيء وسرقوا أبناء الطبقات الاجتماعية الأخرى، ليس جسدياً ومادياً فحسب بل وروحياً أيضاًraquo;..

كانت الدولة القومية في تلك الأوقات في أوروبا تؤكد شخصيتها على حساب المواطنين العاديين بطريقة معمقة وقاسية أكثر فأكثر حيث هيمنت حكومات الدول على الضرائب وعلى نفوس الناشئة كما لم يحدث من قبل. وكرد على ذلك نمت هناك حركة فوضوية رأت بكل بساطة ان الدولة لا شرعية لها ويجب ان ترحل.

ومصطلح laquo;فوضويraquo; كان أصلا يعتبر ضربا من الاهانة ولكن في عام 1840 كان هناك مساعد طبّاع في احدى المقاطعات الفرنسية يدعى بيير-جوزيف برودون الذي التقط هذا المصطلح وحمله برأس مرفوع وقال برودون انه اذا تم حل الحكومات فان الناس سينظمون انفسهم ضمن مجتمعات ديموقراطية سماها laquo;كومونةraquo; ويديرون شؤونهم الخاصة بانفسهم من دون قوى الأمن أوالقوانين أو الضرائب. ورأى ان الدولة ذاتها بما فيها من اكراه وعنف هي السبب في تحول الأفراد الى بشر غير أسوياء. واذا أبعدت السلطة فانك ستجد أمامك مجتمعاً طبيعياً في نهاية الأمر يقوم على أساس الحرية الفردية. وقال برودون ان القانون ضرب من الطغيان والملكية سرقة.

وفي مجتمع يعاني فيه الفقراء المعدمون من الاستعباد والعمل المضني دونما طائل وحتى الموت كان كلام برودون رسالة ذات مغزى. واتفق ان أحد العمال في مصنع للبورسلين فضلاً عن طفولة معذبة بالعمل في مصانع سامة منذ طفولته، واسمه المختصرM.L كتب يقول: laquo;يا لهذا من مجتمع ملعون مجتمع اعتبره مسؤولاً عن المرض الذي أعاني منه أيتها الطبقة البرجوازية عديمة التفكير والمليئة بالشكوك ألا تشعرين انه بوسعي ان أجعل من نفسي رجلاً قادراً على تقويم الخطأ، والانتقام لأعداد لا تحصى من الضحايا الذين ذبحتهم فانتقم للذين ثاروا وعاشوا منبوذين بلا حقوق والذين عانوا من التعذيب والالغاء؟ أيتها الطبقة البرجوازية.. أود ان أتحدث مع شخص على الأقل من الذين اعتبرهم مسؤولين عن موتيraquo;..

ويبدو ان هذا الكلام كان مقنعاً لاميل هنري لذلك أخذ أموالاً من عمته الثرية وكتب رسائل شكر ودية من دون ان ينسى صب اللعنات على الطبقة المتوسطة التي وصفها بـ laquo;الشريرةraquo;. وحين طلب منه حضور حفل اليانصيب العسكري حيث يمكن له الالتحاق بالجيش لبى الدعوة. وكان المحاضرون الفوضويون في انحاء باريس يطلقون أقوالاً وصلت الى أذنه بان الطريقة الوحيدة لتطبيق الشعارات الفلسفية التي ينادون بها تتمثل في laquo;بروباغندا الفعلraquo;. وهكذا فان الانشطة العنيفة ضد الدولة أو المجتمع هي التي تظهر الدولة كنمر من ورق وتحرك الثورة العامة. ومثلما يرفض أكثرية المسلمين اليوم سلوك الارهابيين كذلك رفض الفوضويون العنف ضد المدنيين، واعتبروا ذلك من قبيل laquo;الجريمة العامةraquo;. لكن التطورات التي حصلت في فرنسا عززت من تصميم هنري على مساندة الفكر الفوضوي، حيث كان العمال المتظاهرون يسحقون تحت أقدام الجنود في حين يزداد الأغنياء ثراء.وقد كتب هو ان الطبقة الوسطى تعيش على استغلال المدقعين ولذلك يجب ان تدفع ثمن جرائمها. وعندما نفذ جريمته جرى اعتقاله وقال يومها انه نادم على أمر واحد فقط وهو انه لم يقتل الكثير من أبناء الطبقة البرجوازية. وتابع يقول لو انه كان يملك قنبلة أقوى لكان فجرها في باريس كلها لان ذلك هو السبيل الوحيد لظهور مجتمع جديد عادل. وفي رسالة وجهها لأمه قال هنري: laquo;يجب ألا تصدقي الذين سيقولون لك ان ابنك مجرم، ان المجرمين الحقيقيين هم الذين يحولون الحياة الى واقع مستحيل للجميع ممن يمتلكون المشاعر، أولئك الذين يدعمون المجتمع الحالي الذي يعاني فيه الجميعraquo;.

بعد اعدام هنري وهو في سن الـ21 عاماً رتبت الحركة الفوضوية سلسلة من التفجيرات الانتقامية في مختلف انحاء فرنسا. وأعلن أحد منفذي تلك التفجيرات واسمه أوغست فيلان قائلاً: نحن لن نوفر حياة أحد سواء من النساء أوالأطفال لان النساء والأطفال من أحبابنا لم يرحمهم أحد وقد ماتوا موتاً بطيئاً بسبب فقر الدم نظراً لندرة الخبز في بيوتهم والنسوة خاصة كن يعانين في المشاغل من الاجهاد والتعب مقابل مالا يزيد على أربعين سنتاً في اليوم كذلك فان الشيوخ قد حولتموهم الى آلات وألقيتم بهم الى الشوارع بعد ان أصابهم العجز. والآن فانتم تضيفون أسماء جديدة الى قائمة الضحايا الذين قتلتموهم من أتباعنا.. لكن الشيء الذي لا قدرة لكم على فعله هو تدمير الحركة الفوضوية فجذور هذه الحركة ضاربة في الأعماق وقد نمت في مجتمع معاد لها ويشهد انقسامات حادة في كل مكان، وهذا ما يجعل الفوضى جديرة بالمراوغة والتملص، ولن تنتهي الا بعد القضاء عليكمraquo;.

الفوضى في أميركا

كان اميل هنري مجرد عنصر واحد من جيش عرمرم كان أفراده يعتقدون ان بوسعهم التخلص من فكرة الدولة ذاتها والاسهام في عصر تطغى فيه الحرية الكاملة. وقد تمكنوا من شن هجماتهم مصادفة نتيجة لسببين تاريخيين هما: تطور الفلسفة الفوضوية واختراع الديناميت في سنة 1866 تمكن العالم الصناعي ألفريد نوبل (السويد) من صناعة هذه المادة التي يسهل نقلها وتحويلها الى متفجرة، فشاع استعمالها في كل أصقاع العالم لكن الأمر كان في حاجة الى رجل آخر ليظهر كيف يمكن تغيير السياسة في العالم.

كان هذا الرجل هو الفوضوي جوهان موست والذي يبلغ طوله نحو خمس أقدام، ويعمل في مهنة تجليد الكتب كما انه كان ممتلئاً بالحقد. وقد عانى من صغره من آثار عملية فاشلة أجريت بشكل خاطئ في فكه الأمر الذي أدى الى نتوء الفك للأمام بشكل بشع. وحاول ان يخفي ذلك الفك بلحية شقراء طويلة لكن تلك اللحية زادت الأمور بشاعة فامتلأت نفسه حقداً حاول صبّه على الغير. وبعد ذلك سافر

إلى باريس وهناك اعتقل وأودع السجن بسبب اعتدائه على laquo;الكومونةraquo; متطلباً تصويت الجميع عبثا. وكان يثير مواضيع نقاشية حول الاشتراكية وكيفية تحقيقها عبر الديموقراطية البرلمانية. وعقب إطلاق سراحه من السجن تمّ انتخابه لعضوية الرايخستاغ في المانيا لكن صعود نجم أوتو فون بسمارك مكّنه من شن هجوم لتطهير البلاد من كل اليساريين فاضطر موست للهرب من جديد. أدت حملة التطهير التي شنتها السلطة الى تحطيم آمال موست في الإصلاح التدريجي، فاقتنع بضرورة تغيير النظام عن طريق نسفه وتذكر أن الأداة اللازمة لذلك متوافرة في كل أوروبا وأميركا وتحت سيطرة العمال. ولم يكن الديناميت بحاجة إلى خبرة للتعامل معه واستخدامه. فهي مادة يمكن نقلها في الجيب، وقادرة على القتل. لذلك أعلن موست ما يلي: laquo;إنه باستطاعة الديناميت تدمير النظام الرأسمالي كما فعلت مادة البارود القوية والبندقية حين قضت على الإقطاع ومحته عن وجه الأرض. إن حزاماً من الديناميت يمكنه أن يأسر العالم كلهraquo;.

وهكذا أخذ موست بالتنقل من بلد لآخر وحث العمال أينما حل على التسلح بالديناميت الذي لديهم واستخدامه ضد رؤسائهم الذين كانوا يجبرونهم على العمل لمدة 12 ساعة يومياً طوال أيام الأسبوع، مقابل أجور زهيدة. وسرعان ما تحول موست في نظر العمال إلى نموذج لشخصية laquo;أسيبونraquo; ذلك الفوضوي اللاجئ في رواية جوزيف كونراد بعنوان laquo;العميل السريraquo;وكان يسير في الشوارع حاملاً قنبلة دائماً ومستعداً لتفجير نفسه في أي لحظة يتعرض لمباغتة الأمن له. وكما لو كان يتوقع ظهور الارهاب الاسلاموي كان أوسيبون يتباهى بالقول ان اعداءه laquo;ينشدون الحياة.. أما أنا فأنشد الموت الذي لا يعرف الحواجز ولا يمكن مهاجمته، ولذلك فأنا الأقوىraquo;..

ومن غريب المصادفات أن موست وجد لدى العمال الأميركيين أفضل الأنصار لدعوته وأكثرهم عدداً وهكذا أخذ يتجول عبرالقارة الأميركية التي كانت تشهد سنوياً موت 35 ألف عامل جراء الاصابات في حوادث الصناعة. وكلما كانوا يخرجون للتظاهر مطالبين بتحسين ظروف حياتهم كانوا يواجهون بالضرب المبرح من قبل رجال الأمن. وكانت هناك نسبة اثنين في المئة تملك 60 في المئة من ثروات البلاد في حال كان الساسة ورجال الأمن ينفذون أوامرها.

وجد موست في مقاطعة يوتا الأميركية رجلاً أصبح من أشد أنصاره وهو سكير من جماعات الكاوبوي.. وكان دائماً يخرج وهو يحمل سلاحاً ويرتدي قبعة، ويسمونه laquo;بيغ بيلraquo; هيوود وقد أمضى بيغ بيل طفولته متنقلا من منجم إلى آخر في مختلف المدن، فأصيبت عينه في حادث داخل مصنع وهو في التاسعة من عمره وحين بلغ الخامسة عشرة كان يقضي جل وقته في تقطيع الصخور تحت الأرض، حيث كان يشاهد العمال وهم يسحقون أو يفجرون بشكل روتيني. وقد كتب بيغ بيل عن مدينة نموذجية قائلاً: laquo;الناس في هذا المعسكر داخل المنجم يتنفسون النحاس ويأكلون النحاس ويلبسون النحاس وهم مشبعون بالكامل بالنحاس.. وهناك العديد من عمال المناجم الذين كانوا يعانون من جروح متقيحة وبثور ناجمة عن تسمم المياه. إن حياة الإنسان هي الأرخص في هذا المعسكرraquo;.. وبعد مشاهدته كيف تمارس الدولة ألوان العنف ضد الناس العاديين انتمى للمجموعات الفوضوية. وحين نظم اضراباً قامت قوات الأمن الاميركية بمحاصرة ألف عامل واعتقلتهم بشكل عشوائي حيث وضعوا في مكان مسور بالشريط الشائك، لمدة سبعة أشهر. وأعلن القائد الأمني قائلاً: laquo;ليذهب الدستور الى الجحيمraquo; وقد سموا ذلك المعتقل laquo;الباستيل الأميركيraquo;.

وبالنسبة إلى بيغ بيل كان الصراع الطبقي داخل المجتمع حقيقة واقعة وليس وهماً في الحياة الإنسانية. ولم يكن زميله الصناعي المدعوغي غولد أقل منه حماسة، حيث قال متباهياً أمام الجميع: laquo;إنني مستعد لاستئجار نصف الطبقة العاملة من أجل قتل النصف الثانيraquo;. ولهذا فإن هيوود كما يرى بعض المؤرخين قام بتفجير حاكم إيداهو فرانك شتوننبرغ عام 1907 وأصبحت قصة محاكمته أهم الروايات المتناقلة خلال تلك السنة. وقد حث محاميه الذائع الصيت يومئذ كليرانس دارو هيئة المحكمة على عدم الوقوف الى جانب laquo;عناكب وول ستريتraquo; بل للوقوف مع laquo;الكادحين بأيديهم.. في المصانع والمطاحن والمناجم تحت الأرض، وأود ان اقول ان منظمات العمل هذه تمثل الضعفاء، وتمثل القوانين الانسانية كلها. ولست مباليا بعدد الأخطاء والآثام التي ارتكبتها - عدد الجرائم التي قامت بها، وكل ما أعرفه ان قضيتهم عادلةraquo;.

ان هذه هي اشارة تدل على مدى انتشار التعاطف مع الفكر الفوضوي الذي اعتنقه هيوود وأصبح من خلاله بطلا قوميا في أميركا لكن الرجل اضطر للهرب خارج أميركا ابان الحرب العالمية الأولى وأخذ يحرض الناس على المقاومة ثم حكم عليه بالسجن عشرين سنة وهنا ايضا هرب الى الاتحاد السوفييتي فوجد انها أشبه بالجحيم فأدمن الكحول حتى مات.

وقصة هذا الرجل شريحة صغيرة من سيرة أوسع انتشرت عبر البلدان المتقدمة، فالهجمات التي شنها الفوضويون ضد رجال السياسة كانت ناجحة الى حد بعيد، وتبدأ بقيام ثلاثة رجال برمي القنابل على عربة كانت تقل القيصر الكسندر الثاني سنة 1881، فقتل القيصر مع عدد من الاشخاص، وفي مطلع القرن العشرين كان احد رجال الميليشيا الشباب يدعى فرانك تشيلغوش ينتظر دوره لكي يصافح الرئيس الأميركي ماكنيلي في بوفالو وهناك طعنه (سنة 1901) في بطنه وأدى هذا الى انتخاب الرئيس ثيودور روزفلت الذي يعتبر أحد أشد الرؤساء ايغالا في النزعة الامبريالية وأكثرهم تمسكا بالعنصرية في التاريخ الأميركي لكن الفكر الفوضوي أخذ شيئا فشيئا يتجه ضد المدنيين العاديين وهذا ما جعل أصداءه تعيش حتى أيامنا هذه.

الإرهاب القديم الجديد

في هذا السياق من المناسب ان نتساءل هل الفوضى مرتبطة بالفكر الجهادي الحديث الذي يدعو الى القيام بأعمال التفجير اليومية في هذا العصر؟ حين أحضر صانع الفيلم جو بوطان، بعض الشبان من المسلمين البريطانيين والذين يتعاطفون فيما يبدو مع الذين قاموا بالتفجيرات في 7/7 لكي يقرؤا ماكتبه الفوضويون الذين حوكموا داخل محكمة لندن Old Baily قبل نحو قرن من الزمن فقد اعترفوا بذلك بكل أريحية ويقول آدم مونيفار خان: laquo;تلك الكلمات كتبت قبل مئة عام، ولكنها تتكرر اليوم بالنسبة للاسلاميينraquo; ويقول محمد رحمان: laquo;ان الفوضوية تمثلت باعتبارها عقيدة اللاعقلانية والجريمة مبادؤها ومثلها لم تذكر وجرى الكذب بشأنها، وقد نفد ذلك عبر مخيلتي وتصورت ان الاسلام هو كذلكraquo;. .

وقد قرأ المتأسلمون العبارات الفوضوية امام الكاميرا بانفعال واضح أحدهم قال ما يلي: laquo;نحن واجهنا صرخات من الذين قاموا بالتفجيرات الذين استخدموا الديناميت، من المدعين ولكن من الواجب التعرف على مطلقي تلك الصرخات انهم الاشخاص أنفسهم الذين يرتكبون المجازر اليومية بأكثر مما فعله الفوضويون في كل البلدان وما قتلوهraquo;. ومن المحتمل ان يكون محمد صديق خان الذي ارتكب مجزرة 7/7، قد قال ان laquo;حكوماتكم المنتخبة انتخابا ديموقراطيا تقوم بتخليد الفظائع ضد شعبنا باستمرار في جميع بقاع العالم ودعمكم لهم يجعلكم مسؤولين مباشرة مثلما انا مسؤول مباشرة عن حماية اخواني المسلمين والانتقام لهم. ولسنجعلكم أهدافا لنا ما دمنا مفتقدين للأمن ولن نوقف عملياتنا القتالية حتى تتوقفوا أنتم عن ممارسة أعمال القصف والقتل والسجن والتعذيب بحق شعبيraquo;.

ان من السهل أكثر ملاحظة للفوارق بين هاتين الايديولوجيتين من الوهلة الأولى، فالفوضوية كانت تنفر من الدين وتعتبره شكلا من أشكال الطغيان الواجب محاربته، ويريد المتأسلمون ان تحظى رؤيتهم المتشددة للدين بطاعة الجميع أصحاب التفكير الفوضوي كانوا من بين أوائل الذين قاتلوا دفاعا عن المرأة وعن الحرية الجنسية، في حين يرى المتأسلمون سجن المرأة خلف البرقع الذي ترتديه في المنازل والقضاء على المثليين الفوضويون كانوا يطالبون بحرية مطلقة للرأي في حين المتأسلمون يصرخون laquo;الموت لحرية الرأيraquo; الفوضويون رفضوا العنصرية، والمتأسلمون كثيرا ما يقفون مواقف رافضة لليهود والفوضويون أرادوا اقامة مجتمع يتمتع بحرية كاملة والاسلامويون يريدون مجتمعا مبنيا على الطاعة المطلقة.

ولكن أيا من الطرفين لايبدو انه يمتلك صورة واضحة عما سيكون عليه العالم بعد تنفيذهم الأعمال التفجيرية، ان رؤية الطرفين للمستقبل كانت غامضة: فكلاهما يرفضان الدولة في حين يبقى شبح الخلافة ضربا من الأحلام المرغوبة وفي الخلفية للطرفين هناك تشابهات بنيوية. فكلاهما يعتقد بان ما يقوم به من عنف مبرر بسبب ممارسة الدولة غيرالشرعية للعنف الذي شهدوه في صغرهم، وبالنسبة للفوضويين تجلى ذلك في تدمير laquo;كومونة باريسraquo; واعدام أتباعهم الأبرياء بعد تفجيرات هالي ماركت سنة 1886 في شيكاغو وأما بالنسبة للمتأسلمين فانه يتجلى في الهجوم على الفلسطينيين والأفغانيين والعراقيين ومهما تحايلواعلى الواقع فانهم يؤمنون بانهم يقتلون الغير بدوافع الشفقة على ضحايا تلك الجرائم ولقد كتبت الفوضوية ايماغولدمان تقول: laquo;بالنسبة للذين يرددون قولهم ان الكراهية لاتولّد الحب أقول ان الحب أعني الحب الانساني هو الذي يولّد الكراهيةraquo;.

وقد بررهؤلاء هجماتهم الارهابية في نظرهم عن طريق الزعم انهم كانوا يحاولون ان يقدموا للأغنياء، او للغرب، نكهة تعكس كيف كان laquo;شعبهمraquo; يشعر ومع هذا فان مفكري الطبقة الوسطى في كلا الطرفين هم الذين تحولوا غالبا الى ارهابيين ولنلاحظ ان إميل هنري ومحمد عطا- الذي قاد عملية اختطاف الطائرات يوم 11 سبتمبر - كانا مهندسين. وبذلك وجدا في تخصصهما في الرياضيات احساسا بالنقاء والنظام والعقلانية التي أرضتهما وبدت بمثابة ملاذ لكليهما في هذا العالم الغارق بالفوضى كان ميخائيل باكونين وبيتركروبتكين اثنين من زعماء الحركة الفوضوية الكبار في أوروبا وكلاهما كانا روسيين من طبقة النبلاء،مثلما هو اسامة بن لادن اليوم (علما ان باكونين وكروبتكين رفضا استهداف المدنيين) هؤلاء كانوا أناسا اختاروا التخلي عن ثرواتهم مفضلين عليها الاصطفاف الى جانب القبيلة المقهورة التي عاشت في laquo;خلفيةraquo; تفكيرهم وزعموا انهم يقاتلون عن بقائها ومستقبلها.

ان كلتا الحركتين العنيفتين جاءتا ردا على تغيرات بنيوية تتعلق بتركيبة السلطة في العالم وعملها الحركة الفوضوية قامت بهجمات عنيفة رداعلى صعود الدولة القومية وحركة الجماعات الارهابية نفذت هجمات في دول غربية كرد فعل على التمدد الاستعماري الغربي في دول العالم والشيء الذي ساعد على ظهور النشاط لدى الحركتين (الفوضوية والجهادية) كان تحديدا وجود شبكات الاتصال الجديدة وقد أفادت الحركة الفوضوية من حركة الملاحة البحرية المتقدمة واستخدام نظام التلغراف، اذ أصبحت أكثر سرعة على نحو مفاجئ وأكثر حرية من السابق، فهذه كانت شبكة عالمية حقيقية تتحرك بسرعة عبر دول العالم للمرة الاولى، اما الحركة الاسلاموية فقد كانت شبكة الانترنت هي الاداة الأكثر نجاحا لعملها وانتشار أفكارها ومخططاتها لحظة بلحظة وهذا كان فعالا جدا حتى في مناطق معزولة مثل جبال تورا بورا الافغانية.

من هنا تمكنت كلتا الحركتين من احداث أفعال عنيفة ضد المهاجرين تجاوزت في مفاعيلها حركة الذين نفذوا هذه الافعال في الواقع ونحن نلاحظ ان بولمان في فيلمه المذكور يقدم مجموعات من البراهميين في ملجأ مثل غاري بوشيل ونيك فيراري لقراءة مظاهر الغضب الموجه ضد اليهود في بريطانيا وذلك بعد ان تحول نفر قليل من الجالية اليهودية الى الحركة الفوضوية وارتكبوا أعمال العنف، كان فيراري يقرأ عمودا في صحيفة الديلي ميل من سنة 1911 فيقول: laquo;هناك مئات من الفوضويين في وايتشابل... لكن لاسبيل لمعرفة اي شيء عنهم. وفي هذه المدينة الغريبة والكبرى الواقعة الى الشرق من اولدغيت يصبح رجل الأمن الانكليزي غريبا ولا يفقه شيئا.. ونحن ليس بوسعنا ان نستمر الى ان يتمكن حثالة اوروبا من الوصول الى هناraquo;.

ومن المحتمل ان هذا الفقرة تشير الى اهم صرخة في هذا الجانب حين كانت الحكومات تقوم برد فعل على تلك الهجمات فانها كانت في البداية تدعو لاسقاط النهج الذي أدى الى جعل الفوضوية أسوأ من ذي قبل وضمنت مزيدا من القتلى بين مواطنيها.

لماذا توقفت الهجمات؟

كانت الحواشي المدونة عن الهجمات التي شنها الفوضويون في كل دولة بمثابة شعلة للحريات المدينة وبعد تفجير laquo;وول ستريتraquo; بقنبلة ضخمة في 16 سبتمبر 1920 ومقتل 38 شخصا فيه ومن بينهم صبي مراهق يعمل في التوصيل أطلقت الحكومة الاميركية برنامجا عشوائيا لتهجير laquo;الراديكاليينraquo; وهم على الأغلب من اليساريين المسالمين، وكان ذلك من تدبير شاب يدعى جي ادغار هوفر الذي أتقن يومئذ اسلوب التلطيخ الذي اتبع ابان الحرب البادرة. وللمرة الأولى في تاريخ أميركا اعلن الكونغرس فكرة كيف تكون laquo;غير أميركيraquo; وقال ان كل من يعتنق الافكار الفوضوية مهما كان مسالما فسيعتبر مسؤولا عن laquo;مساعدةraquo; الانتحاريين، وقد كان هناك عدد من الاشخاص الذين لم يقوموا بأي شيء سوى مناقشة الفوضوية والاشارة الى ما فيها من عدالة في التحليل.

وصحيح انه كانت في أميركا بضعة أصوات معارضة لكن في خضم الهستيريا كانت هناك أصوات ضائعة وقال القاضي الفيدرالي جورج و. أندرسون ان وزارة العدل كانت مضطلعة في laquo;أعمال لاشرعية تماما ارتكبها الذين كانوا ممتلئين بأرفع حس لتطبيق القانونraquo;. واستقال المدعي العام الأميركي فرانسيس فيشركين محذرا ان laquo;سياسة شن الغارات ضد أعداد كبيرة من الناس هي عموما سياسة حمقاء ويمكن ان تنتهي الى تعميم الظلمraquo;. وقد حذرت لجنة رئاسية من ان هذا الانهيار لم يؤد سوى الى جعل التحذيرات التي أطلقها الفوضويون بشأن الدولة البوليسية تبدو عالمة بالغيب. وقد أدى التعذيب والوحشية والعنف اللذين ارتكبهما البوليس الى جعل الفوضوية في نظر الشباب المتأرجحين في مواقفهم مصيبة وعلى حق والمقاومة عبر العنف امرا ضروريا وعلى أي حال اللجنة الرئاسية قالت ان الاسباب البنيوية وراء العنف يجب بحثها ومعالجتها موضح ان laquo;السؤال الأهم هو: هل تسلم العمال حصتهم من الثروة الهائلة جدا التي استجدت في هذا البلد؟ ان الجواب عن هذا السؤال هو حتما لا... وعبر التاريخ حين كان الفرد او المجموعة من الأفراد يواجهون جحودا لحقوقهم بصورة عشوائية فانه لابد ان تحدث ردود فعل من قبلهم، والعنف هو الرد الطبيعي عادة كاحتجاج على هذا الاجحافraquo;..

لكن لا أحد فيما يبدو يريد ان يسمع مثل هذه الأقوال، نعم، ان الجمهور والسياسيين يريدون الثأر وبعض الحكومات، كما حدث للحكومة الفرنسية يومئذ استغلت قضية الهجمات من اجل اغلاق الباب دون الاحتجاجات اليسارية، وبالنسبة الى هوفر فقد استخدمت مجموعة من العملاء للعثور على laquo;علاقة للروسraquo; مزيفة لاتهامهم بتفجير وول ستريت، بهدف شن عدوان على الاتحاد السوفييتي.

وفي نهاية المطاف ثاب الاميركيون الى صوابهم واختاروا رئيسا يرى التهديد الماثل في هذه الاعمال بعيون واعية ومتروية وهكذا قال الرئيس وارين هارونغ: laquo;من الصحيح تماما ان هناك أعداء للدولة داخل اراضينا، ولكنني أعتقد ان عدد هؤلاء قد تم تضخيمه الى حدود كبيرةraquo;.

لكن الدول التي تلقت أعنف الضربات فقد انتهت الى تحيزها الى جانب أكبر الحركات الفوضوية في حين الدول التي اتسم ردها بالهدوء وحافظت على حرياتها مفتوحة فقد رأت تلك الحركات تتفجر بشكل أسرع البروفسور جون ميريمان، الذي ألف كتابا بعنوان laquo;نادي الديناميتraquo; هو أحد افضل الذين شرحوا بالتفصيل الهجمات الفوضوية، قائلا: laquo;بعد ان اغتيل الملك الايطالي امبرتو الأول على يد الفوضوي غايتانو بريشي جاء رد الفعل الحكومي الايطالي مترويا وخفيفا وهذا ما أحبط الحركة وفي المقابل كان رد فعل الحكومة الاسبانية في الوقت عينه مترافقا مع برنامج من الكبت الوحشي والتعذيب وهكذا انتهت الى كونها اكبر حركة فوضوية في كل أوروبا وبعد ذلك، حين أوقفوا تعذيب المواطنين توقفت الهجمات الارهابية للفوضويين، من جهتي شخصيا لست خبيرا في قضايا الارهاب المعاصر ولكن الدرس الذي ينبغي علينا ان نتعلمه واضح للغايةraquo;..

ومنذ سنوات العشرينيات الماضية وبعدها بدأت العمليات الارهابية الفوضوية تتضاءل حتى اذا ما وصلنا الى أواخر عقد الثلاثينيات وجدناها قد انتهت تماما، والسؤال هنا هو: لماذا؟ ما الذي حدث؟ لا أحد يعلم حق العلم ولكن أكثرية المؤرخين يشيرون الى عدد من العوامل التي أدت الى تلاشي تلك الظاهرة فبعد الموجة الأولية من الاضطهاد الذي قامت به الدولة أتيح للحريات المدنية ان تزدهرتدريجيا وهذا ما أدى الى تقويض مزاعم الحركة الفوضوية وهكذا فان الهجمات التي كانت تشنها الحركة دونما تمييز ضد المدنيين العاديين هي التي نسفت شرعية الفوضى في نظر الكثير من الناس وأبطلتها.

وبعد ان قام أحد الشباب بتفجير نفسه في حديقة غرينتش بارك عام 1892، قام الكثيرون برجم جثمانه بالحجارة ومهاجمته من قبل العمال في منطقة ايست إند، وبذلك أدت وحشية الفوضويين وتطرفهم الكبير الى حرمانهم شيئا فشيئا من المتطوعين الجدد لرفد حركتهم. ومن المهم بهذا القدر ايضا ان العديد من مساوئ الفوضويين أسندت إلى مصلحين مرموقين لمعالجتها، وبهذا الشكل جرت أخيرا قوننة النقابات وتمت الاستجابة للكثير من مطالبها واحدا بعد الآخر ومن ذلك مثلا تحقيق يوم عمل من ثماني ساعات وتطبيق اجراءات حماية أفضل للعمال ودفع تعويضات للذين يصابون في العمل، هكذا أصبح العمل أقل وحشية وتلاشت مظاهر رفضه من الحياة، ولم تكن هذه التغيرات في أي مكان آخر أكثر تطرفا مما كان يتمناه الفوضويون، ولكنها أدت الى ابعاد أتباعهم عن الحركة تدريجيا.

والسؤال الآن هو هل يمكن تطبيق هذه الاجراءات مع الجماعات المتطرفة من المتأسلمين؟ ان الدرس الذي يمكن استمداده من الحركة الفوضوية هو ان الحل يكمن تحت غطاء العنف الحكومي الاضطهاد المطبق ضد هذه الجماعات او فيما يتعلق بالنقيض من ذلك أي الاستجابة لمطالبهم والجواب عن ذلك هو القيام باصلاحات تدريجية من شأنها اسكات بعض وليس كل المنابع التي ينهل منها الارهاب وتشكل اسباب غضبه، ومن الواضح ان العديد من laquo;الأخطاءraquo; التي ترتكبها مثل هذه الجماعات يجب ان تبقى دون معالجة وتواجه بالتجاهل ومن ذلك على سبيل المثال عدم تحجيم حقوق المرأة اوعدم اغلاق النوافذ في وجه حرية النقاش الديني بل ابقائه مفتوحا للجميع كما يتمنون ولاشك ان هناك اشياء كثيرة يمكن القيام بها في هذا الاتجاه.

ومتى تم التوقف عن العنف الموجه ضد العمال والمهمشين الفقراء فإنه من الطبيعي ان تتوقف الجماعات الفوضوية عن ممارسة العنف وأعمال التفجير يجب ان ندرك جميعا ان العنف والاضطهاد الذي يقابل به العديد من المسلمين يمكن ان يؤدي الى نتائج مشابهة وهذا يحتاج ربما الى القيام بتغييرات مهمة وضرورية في بلداننا علينا مثلا ان نرفض ادماننا المقيم على النفط وبالتالي تنخفض حاجتنا للسفر الدائم الى الدول النفطية الاسلامية اونستغني عن الأخذ بيد الطغاة القتلة من بعض الأنظمة وبالمثل يجب ان نتخلى تماما عن التعذيب حتى.

وان مارسه بعض laquo;الحلفاءraquo;لدولنا كما علينا ان نسعى بكل قوة لتحقيق السلام للفلسطينيين بدلا من تمويل عمليات الهجوم عليهم وقتلهم ونحن ندرك ان هذه الاجراءات ليست كل ما يطلبه الارهابيون للتوقف عن شن عملياتهم وتفجيراتهم ولكن لابد من القول اننا اذا فعلنا هذا كله فان تلك الجماعات ستجد مع الوقت نفسها غير قادرة على تجنيد المزيد من الشباب للقتال في صفوفها ضدنا، وبالتالي فان هذا كفيل بسحب البساط من تحت أرجل تلك الحركات الارهابية.

واليوم نرى ان أشباح إميل هنري وجوهان موست وبيغ بيل هيوود ماثلة أمام أعيننا ونثيث فتيل مفجراتهم يكاد يصل الى أسماعنا مع انه يأتي بطيئا وخفيفا فهل سنكرر الخطأ ذاته الذي ارتكبته حكوماتنا حين تعاملت مع هؤلاء الارهابيين؟ أم ترى اننا بعد نحو قرن من ذلك التاريخ قد استوعبنا الدرس جيدا، وتعلمنا كيف يمكن لنا ان نخمد النار هذه المرة؟

عن الإندبندنت