الصحافة الفرنسية:quot;فشل مطبقquot; في الشرق الأوسط... ومفارقات ما بعد سقوط quot;الجدارquot;
باريس - حسن ولد المختار
انسداد آفاق تسوية الشرق الأوسط، وعالم ما بعد سقوط جدار برلين، وملامح مشروع مدفيديف لتحديث روسيا، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام كُتاب افتتاحيات وصفحات رأي الصحافة الفرنسية.
فشل مطبَق... لعملية السلام: دعت افتتاحية لصحيفة لوموند إلى استخدام العبارات المناسبة لتسمية حالة الانسداد الراهن في آفاق عملية سلام الشرق الأوسط بأسمائها الحقيقية. ويمكن القول إنه لم يعد ثمة مسار تفاوضي مرتقب ولا حتى تصورات لعملية سلام يمكن الحديث عن وجودها من الأساس. وأسوأ من هذا كله أن الحالة لا يمكن وصفها بالتوقف أو الجمود أيضاً، ذلك أنها حالة سائلة متحركة باستمرار، ولكن إلى الخلف. وأول من ينبغي مساءلته عما آلت إليه الأمور الآن هو طبعاً الولايات المتحدة. هذا على رغم أن الرئيس أوباما كان قد وضع قبل أشهر تسوية نزاع الشرق الأوسط على رأس أولويات إدارته في سياستها الخارجية، ووضع وقف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية شرطاً لإعادة إحياء مسار المفاوضات على طريق التسوية. ولكن الإسرائيليين أشهروا quot;لاquot; عنيدة في وجهه، وكل ما استطاع انتزاعه منهم هو الزعم بأن أعمال الاستيطان قد تباطأت. وإزاء هذا العناد تجرعت الولايات المتحدة عناء تقبل مزاعم نتنياهو، كما عبرت عن ذلك تصريحات لوزيرة الخارجية كلينتون. وقد نجم عن هذا التحول في الموقف الأميركي تآكل واسع للثقة في إدارة أوباما، في العالم العربي، الذي بلغت شعبية أوباما قبل ذلك حدوداً قياسية فيه، خاصة بعد أجواء التفاؤل والارتياح والآثار الإيجابية الواسعة التي تولدت عن خطابه البليغ في القاهرة. وهذه الحصيلة المخيبة تسمى عادة في لغة البلاغة الدبلوماسية بـquot;الفشل المطبقquot;. وهي تحديداً ما جعل محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، وزعيم حركة quot;فتحquot;، يشعر بمرارة بأن واشنطن قد خذلته. وعباس البالغ من العمر 74 سنة، رجل معتدل بشكل مثالي. وهو أحد قادة قلائل في المنطقة انتقدوا علناً أعمال quot;المقاومة المسلحةquot;، التي يناصرها بعض الفلسطينيين. واليوم إذ يجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، بعد المآل المخيب لجهود التسوية السلمية، لم يبق أمامه سوى إشهار ورقة الاستقالة والتنحِّي. والنتيجة؟ يعرفها الجميع. فسيفتح ذلك الفرصة أمام الجناح الفلسطيني الآخر المتشدد، الذي تمثله حركة quot;حماسquot;. وذات النتيجة غير المرغوبة هي ما ينتظر أيضاً على الجانب الإسرائيلي، حيث تمكن نتنياهو من رص صفوف اليمين المتطرف. والأدهى أن قطاعات واسعة من اليمين الإسرائيلي ترى هي أيضاً أن الدولة العبرية قد خذلت هي الأخرى، حيث إنها لم تنل quot;مكافأةquot; لقاء انسحابها من جنوب لبنان ومن قطاع غزة، وكل ما نالته هو أمطار الصواريخ والمقذوفات على المستوطنات. وتخلص الصحيفة إلى أن هذا الإخفاق الذريع، وعلى كافة الجبهات، هو النتيجة الوحيدة المتوقعة للخطأ في الحسابات، وعدم قدرة واشنطن والمجتمع الدولي، على فرض تسوية لهذا الصراع المزمن، الذي يتوقف عليه حل جميع أزمات وصراعات المنطقة. وختاماً تتساءل لوموند: هل سيثبت أوباما، الحائز على نوبل السلام لعام 2009 أنه بالفعل في مستوى التحدي؟ ويبقى السؤال معلقاً دون جواب.
سقوط جدار برلين... تحديات وذكرىات: في افتتاحية بعنوان quot;قرن جديدquot; في صحيفة ليبراسيون اعتبر quot;فابريس روسيلوquot; أن حدث سقوط جدار برلين، في 9 نوفمبر 1989، كان من ذلك النوع من الأحداث التاريخية المفصلية التي ترسم ملامح قرن كامل لاحق. فقد سمح انهيار المعسكر الشيوعي بتجاوز استقطابات العالم ثنائي القطبية، لتدرك عداءات الحرب الباردة نهايتها. كما فتح آفاقاً من الحرية أمام ملايين الأوروبيين في الجزء الشرقي من القارة، الذين طالما سحقتهم الأنظمة الشيوعية. وفي تلك الليلة الفارقة تغيرت توازنات ومعادلات العالم الجيوبوليتيكية، رأساً على عقب، وشهدت مجالات الاقتصاد والثقافة والاتصال وغيرها حالة تثوير شاملة. غير أن ما تحقق من نجاح للمعسكر الرأسمالي بعد سقوط جدار برلين تكشف أيضاً أخيراً عن واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية. هذا زيادة على أن الجدران الفاصلة، لم تختف نهائياً بعد سقوط جدار برلين، ففي الشرق الأوسط يجثم جدار الفصل الإسرائيلي، وعلى حدود المكسيك يجثم جدار فاصل آخر، وربما تظهر جدران في أماكن أخرى. وهي ما يتعين التزود بالمعاول لهدمها جميعاً ذات يوم. ومثل هذه النبرة الأخيرة نجدها أيضاً في افتتاحية ثانية كتبها quot;ميشل غوييوquot; في صحيفة quot;لومانيتيهquot; الشيوعية تساءل في بدايتها، بعد عشرين سنة من سقوط quot;الجدارquot; ما الجديد تحت الشمس؟ لا شيء سوى quot;الفيس بوكquot; واتفاقية لشبونة! أو بعبارة أخرى يقول لسان الحال: دوروا حيثما شئتم، فلم يعد ثمة سوى عالم السوق والاستهلاك. وإذا عدنا مع الذاكرة سنجد أن ما تكشف عنه هدم الجدار، كان ابتداء حديث البعض عن quot;نهاية التاريخquot;. كما جرّ الحديث عن نصر الليبرالية الإيديولوجي وراءه مقولة quot;صراع الحضاراتquot;. والمفارقة الأخرى أن الرأسمالية المنتصرة، التي تحولت إلى ما يشبه الفكر الشمولي الوحيد، جرَّت هي أيضاً على العالم ثلاث أزمات عالمية، تعتبر الحالية منها هي الأعمق منذ عقود مديدة. وبدلاً من الماضي حيث كان هنالك 300 مليون جائع عبر العالم أصبح الرقم الآن أكثر من مليار. وأخيراً في السياق ذاته كتبت صحيفة لوفيغارو افتتاحية وسمتها: quot;برلين: أوباما الغائب الأكبرquot;، والعنوان يسجل غياب سيد البيت الأبيض عن الاحتفال بحدث طالما قدمت بلاد quot;العم سامquot; نفسها باعتبارها صانعته الأولى والأخيرة، وهو ما لزم التسجيل.
روسيا مدفيديف: تحت هذا العنوان حلّل بيير روسلين في افتتاحية لصحيفة لوفيغارو أبعاد وتوجهات الرئيس الروسي، ومساعيه لتحديث اقتصاد بلاده، في ظرف تضع له تداعيات الأزمة المالية العالمية سقوفاً منخفضة سلفاً. فقد سلطت هذه الأزمة أضواء قوية على نقاط الضعف البنيوية للاقتصاد الروسي، وانكشافه بسبب اعتماده الكبير على عائدات البترول والمواد الأولية. وعندما كان مدفيديف يوجه خطابه إلى الأمة، قبل أيام، كانت الأرقام والإحصاءات تلاحقه مؤكدة التراجع الاقتصادي في الربع الثالث من هذا العام، في حين بدأ الاقتصاد الأميركي، والاقتصادات الأوروبية، طريق الانتعاش والخروج من عنق زجاجة الأزمة. ومعروف عن الرئيس الروسي تركيزه على ملفات الإصلاح الداخلي أساساً أكثر من انشغاله بتعقيدات السياسة الخارجية. وبطبيعة الحال لن يكون سهلا عليه، من هنا وحتى رئاسيات 2012 تحقيق حزمة الإصلاحات التي وضعها كأهداف وأولويات على أجندة الكريملن. كما لن يكون في مقدوره اجتراح quot;قطيعةquot; مع نقاط الضعف في سياسات سلفه وشريكه في الحكم بوتين. وليس ثمة ما يدعو طبعاً لافتراض وجود اختلافات أو خلافات بين الرجلين، وخاصة أنهما ما زالا يعملان سوياً، ويداً في يد. وأخيراً يقول الكاتب إن أمل مدفيديف الوحيد لإنجاح خطط الإصلاح الاقتصادي يتوقف على قدرته على استدراج الاستثمارات والشراكات الغربية، وهو ما يتعين على واشنطن والعواصم الأوروبية مساعدته عليه، على الأقل لضمان تعاونه في ملفات ذات أولوية غربية خاصة، وفي مقدمتها طرق احتواء تحدي النووي الإيراني، على سبيل المثال.













التعليقات