قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حلفاء واشنطن والخروج على بيت الطاعة الأمريكي

ادموند غريب

شهدت العاصمة الأمريكية في نهاية الأسبوع الماضي عاصفة ثلجية عاتية شلت الحركة الاعتيادية في منطقة واشنطن لمدة يومين وأدت لإغلاق معظم الدوائر الحكومية والمؤسسات التجارية.

لكن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون خرجت على المألوف في مثل هذه الأجواء التي يلجأ فيها الكل إلى مخابئهم, إلا المضطرون, فاستدعت السفير الياباني لاجتماع غير عادي لتعبر له -وبلغة وصفتها صحيفة واشنطن بوست بأنها quot;بالغة الصراحة ولكنها دبلوماسيةquot; -عن عزم الحكومة الأمريكية على تنفيذ الاتفاق الذي أبرم مع الحكومة اليابانية السابقة والقاضي بنقل القاعدة العسكرية الأمريكية في جزيرة أوكيناوا في اليابان إلى منطقة أكثر عزلة وأقل كثافة سكانية.

وقد سلط هذا الاستدعاء غير المعتاد بصورته تلك لسفير دولة حليفة ترتبط بعلاقات وثيقة ونموذجية مع الولايات المتحدة منذ أكثر من خمسة عقود الأضواء على وجود توتر يشوب العلاقات بين الحكومتين منذ انتخاب يوكيو هاتوياما وحزبه الديمقراطي المعارض ووصوله إلى رأس السلطة في اليابان.

ويبدو أن ما أقلق واشنطن هو بروز مؤشرات على تغيرات جدية في سياسة الحكومة اليابانية الجديدة نحو واشنطن والعالم.

وكان هاتوياما قد ركز في حملته الانتخابية على أنه سوف يتبنى سياسة أكثر استقلالية وحزماً تجاه واشنطن من سياسات الحزب الديمقراطي الليبرالي الذي سيطر على اليابان لحوالي خمسة عقود.

فقد عارض هاتوياما وشركاؤه السياسيون الصفقة التي تم التوصل إليها بين الحكومة الأمريكية ونظيرتها اليابانية السابقة والتي يتم بموجبها نقل القاعدة العسكرية مع ثمانية آلاف من جنود المارينز إلى جزيرة غوام. وكانت تكلفة هذه الصفقة حوالي 26 مليار دولار.

وتنظر الحكومة الأمريكية لهذه الصفقة على أنها تساهم في ضمان أمن اليابان وتعمل على مواجهة الدور الصيني المتصاعد. ولكن هاتوياما نظر إلى الاتفاقية على أنها مفروضة على اليابان وأراد إغلاق القاعدة. ويقول المسؤولون الأمريكيون إن رئيس الوزراء الياباني كان قد وعد الرئيس أوباما ومسؤولين أمريكيين آخرين بأنه سوف يحل هذا الموضوع قبل نهاية العام الماضي, ولكنه أعلن في الأسبوع الماضي أنه لن يتوصل لقرار حول مستقبل القاعدة قبل حلول السنة الحالية, وأدى ذلك إلى وصف الزعيم الياباني بأنه quot;زئبقيquot;.

وقد أقلقت تصرفات هاتوياما مسؤولين ومحللين أمريكيين عزوا تلك التصرفات لخبرته المحدودة في الحكم من ناحية وإلى حاجته لأخذ آراء شركائه في الائتلاف الحاكم macr; مثل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي يعارض أي وجود عسكري أمريكي في البلاد macr; بعين الاعتبار.

والواضح أن الخلاف حول مستقبل نقل قاعدة أوكيناوا يعكس وجود خلافات أعمق في الرؤية حول هذا الأمر, ولكن ما يخشاه المسؤولون الأمريكيون هو بروز مؤشرات بأن الحكومة اليابانية قد تعمد إلى تبني سياسة جديدة أكثر استقلالية عن واشنطن.

ومن المؤشرات على ذلك دعوة اليابان لإقامة مجموعة تضم دولاً شرق آسيوية تشترك فيها الصين وكوريا الجنوبية ولكن من دون الولايات المتحدة. وقد انزعجت بعض الدوائر الأمريكية من الترحيب الياباني الحار بزيارة نائب الرئيس الصيني إلى اليابان هذا الشهر حيث التقى الامبراطور, اضافة إلى الترحيب بالزيارة التي قام بها

سعيد جليلي أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني لليابان في الأسبوع الماضي.

ومما يقلق بعض الدوائر الأمريكية كذلك تزايد نفوذ بعض القادة السياسيين في الحزب الحاكم في اليابان مثل ايشيرو أوزاوا الذي يرغب في دفع اليابان باتجاه التقارب مع الصين وتقليص الاعتماد على واشنطن.

وثمة خشية أمريكية من أن تعقِّد هذه المواقف العلاقة الأمريكية ليس فقط مع اليابان بل مع كوريا الجنوبية وسنغافورة. وقد عبر بعض المسؤولين في تلك الدول عن خشيتهم من حدوث أي تحول في السياسة اليابانية لأنهم ينظرون إلى العلاقة الأمريكية اليابانية ليس باعتبارها مجرد علاقة تحالف تدعو لحماية اليابان بل على أنها أساس الالتزام الأمني الأمريكي في آسيا وبالأخص في هذه المرحلة التي يتصاعد فيها النفوذ الصيني.

وتعكس هذه المؤشرات احتمال حدوث تحول في الموقف الياباني في ظل وجود تغيرات دولية بدأت تطفو على السطح منذ عهد الرئيس جورج دبليو بوش. وقبل أسابيع علق أحد الباحثين الأمريكيين البارزين في ندوة عقدت في أحد مراكز الأبحاث في واشنطن بأنه لم يمر أسبوع وأحياناً يوم خلال إدارة الرئيس بوش من دون أن يقوم الرئيس الأمريكي وكبار مساعديه بالدعوة في خطبهم ومقابلاتهم لهذه الدولة أو تلك بضرورة أن تعمل كذا وكذا وإلا فإنها قد تواجه عواقب وخيمة. ولكن هذه الدعوات خاصة بعد حرب العراق وبروز مقاومة للسياسة الأمريكية لم تلق آذاناً صاغية لا في العراق ولا أفغانستان ولا إيران, ولا عند الروس ولا الصينيين ولا البرازيليين

. ونرى الآن أن دولاً تعتبر من أبرز أصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة مثل اليابان وإسرائيل بدأت تتصرف حسب رؤاها لمصالحها من دون أخذ مواقف واشنطن بعين الاعتبار.

والجدير بالذكر أن منظري المحافظين الجدد خلال العقدين الماضيين بدأوا يشبهون الولايات المتحدة بما وصفوه بالإمبراطورية المماثلة للإمبراطوريتين الرومانية والبريطانية, علماً بأن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة رفضوا فكرة التدخل في شؤون الدول الأخرى, كما رفضوا فكرة بناء دولة إمبراطورية. ولكن انهيار الاتحاد السوفييتي وبروز الولايات المتحدة كالدولة العظمى الوحيدة في العالم وغطرسة المحافظين الجدد وعقائديتهم دفعت الولايات المتحدة لتبني سياسات التدخل الأحادي والحروب الاستباقية وعسكرة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ودعم سياسة إسرائيل التي استمرت في احتلال الأراضي الفلسطينية والعربية, وهو ما ساهم في تقويض مصداقية ونفوذ وسمعة الإدارة الأمريكية التي خلا لها الجو على مسرح الكون من دون منافس تقريباً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, خاصة بعد انهيار الإتحاد السوفييتي.

ولكن سياسات الإدارة السابقة حمَّلت أوزارها للإدارة الحالية التي تستمر في إتباع بعض سياسات إدارة بوش.

وقد ساعدت الحرب على العراق, التي دمرت التوازن الإقليمي وعززت مواقع إيران وتركيا وإسرائيل, على تهيئة الأجواء لإعادة تشكيل النظام العالمي ولتكوين بيئة سياسية وأمنية لا تزال في طور التشكيل ولكنها تتجه نحو تعددية قطبية بدلاً من القطبية الأحادية, على الأقل على المستويين الاقتصادي والسياسي, إن لم يكن على المستوى العسكري.

ويخشى بعض المحللين الأمريكيين أن يكون انشغال الإدارة بأفغانستان والباكستان والعراق والملف النووي الإيراني قد أدى إلى تقليص تركيز الولايات المتحدة على علاقاتها في مناطق أخرى ومع دول مهمة في العالم, بما فيها دول صديقة وحليفة.

وقد شهد العالم في السنوات الأخيرة بروز قوى وتكتلات جديدة ومحاولة بعض الدول الصديقة للولايات المتحدة تبني سياسات استقلالية. ومن أبرز المؤشرات على ذلك بروز تكتل الدول المعروفة بمسمى quot;BRICquot; وهي الأحرف الأولى لأسماء دول صاعدة على المستويات الاقتصادية وحتى الأمنية والعسكرية وهي البرازيل وروسيا والهند والصين. ويكاد معظم المحللين الأمريكيين يجمعون على أن الصين قد تبرز كالدولة المنافسة للولايات المتحدة خلال العقدين المقبلين, خاصة في المجال الاقتصادي, كما أن روسيا قد عادت إلى لعب دورها كقوة إقليمية وتطمح للعب دور على الساحة الدولية.

وكانت سياسات إدارة بوش تجاه روسيا وتوسع حلف الناتو نحو الشرق والتدخلات في الشؤون الروسية قد أدت إلى إغضاب الروس الذين ردوا بالضغط الاقتصادي والسياسي على أوكرانيا لمنع انضمامها إلى حلف الأطلسي, كما أنهم استجابوا للتصرفات قصيرة النظر للقيادة الجورجية بشن حرب على جورجيا ودعم قوى انفصالية فيها, وذلك بسبب مساعي جورجيا للانضمام لحلف شمال الأطلسي.

أما البرازيل, وهي الدولة الصاعدة في أمريكا الجنوبية, فقد بدأت تتبنى سياسات إقليمية ودولية أكثر استقلالية عن واشنطن تجاه النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وفي علاقاتها المتنامية مع إيران وقد تجلى ذلك في ترحيبها مؤخراً بالرئيس الإيراني, الأمر الذي أغضب واشنطن, علاوة على اختلافها مع الولايات المتحدة في عدد من القضايا المتعلقة بأمريكا اللاتينية. وترغب البرازيل في لعب دور على الساحة الدولية, كما تأمل أن تصبح عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي. ومنذ عام 2003م افتتحت البرازيل 30 سفارة جديدة في العالم, وحافظت على علاقات وثيقة مع الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز المعارض للسياسات الأمريكية في أمريكا الجنوبية وفي العالم. وكان وزير خارجية البرازيل سلسيو أموري قد أعلن أن السلام في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا بإشراف كل الدول وكل اللاعبين الرئيسيين, وذكر بأن على واشنطن أن تعتاد على تقبل الاختلافات في الرأي حول كيفية التعامل مع عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

وقد سنحت لي فرصة خلال مشاركتي في مؤتمر حول تغطية الإعلام لحرب غزة ولقضايا الشرق الأوسط نظمته الأمم المتحدة بالتعاون مع وزارة الخارجية البرازيلية في أواخر الصيف الماضي في البرازيل, للاستماع لكلمات ألقاها أموري ومسؤولون برازيليون آخرون كبار, حيث تبين لي من خلال ذلك أن البرازيل لديها طموحات للعب دور دولي يتعدى دورها الإقليمي, وأن لها رؤية مختلفة عن واشنطن لعدد من القضايا الدولية.

ويمكن القول أن هذه التطورات لا تشكل بالضرورة خطراً كبيراً على المصالح والقدرات الحيوية الأمريكية, ولكنها قد تساهم في إضعاف النفوذ الأمريكي, خاصة مع التأثير السلبي الكبير للأزمة المالية الخانقة, اضافة إلى إنفاق واشنطن مئات المليارات من الدولارات على الحروب في أفغانستان والعراق. ولكن واشنطن ستحتاج إلى بذل الكثير من الوقت للاهتمام بعلاقاتها الدولية, ليس فقط مع الخصوم بل مع الحلفاء كذلك, مع ضرورة إعادة النظر في بعض سياساتها التي أغرقت واشنطن في حروب مكلفة وغير ضرورية, وتطوير استراتيجية ذكية للتعامل مع الحلفاء والخصوم.على حد سواء .