سيد أحمد الخضر


laquo;نصحنا اليمن بمحاورة المتطرفين والإصغاء إلى الجماعات المنشقة..raquo; كان هذا جانباً من تصريحات لوزير الخارجية البريطاني وليام هيغ حول التزام بلاده بدعم اليمن ماديا وسياسيا كحليف لبريطانيا. ما يهمنا في هذا التصريح هو تناغمه مع الأجواء السائدة والتي تبرهن على أن حرب القاعدة مع الغرب وضعت أو تكاد تضع أوزارها رغم وجود تحذيرات من تنفيذ هجمات داخل أوروبا.
إن سَبر مسار الأحداث الراهنة يوحي بأن الفريقين، الغرب والقاعدة، اكتشفا أن عداءهما ليس لازماً فبإمكانهما فرملة الحرب في المدى القريب عبر إصغاء كل طرف للآخر واحترام الخطوط العريضة للمصالح والحرص على تجاوز بعض التفاصيل.
قد يبدو الأمر بعيداً في نظر الكثيرين، لكن قراءة أجندة الطرفين وأولوياتهما تكشف حقيقة أن الدور الذي يقوم به كل منهما، بقصد أو بغير قصد، سبب لبقاء الآخر في المنطقة فتدخل الدول الغربية في العالم الإسلامي وحضورها في مراكز القرار يكفي في نظر الجماعات لإعلان الحرب على هذه الحكومات والسعي لإيجاد بديل لـ laquo;الطاغوتraquo; الذي تُحكم به المجتمعات المسلمة. بعبارة أوضح: موالاة laquo;الكفارraquo; مبرر وجيه يغري الحركات الإسلامية للبحث عن أتباع جدد والوصول إلى نصيب من الثروة، وهذا بدوره تهديد لمصالح الغرب ويدفع هذا الأخير إلى تعزيز وإطالة أمد وجوده في مفاصل العالم الإسلامي خصوصاً قرب منابع النفط وحول الممرات البحرية.
وبما أن السياسة فن المتغير ولا تعترف بالثوابت، أعتقد أنه بات من اللازم التعامل مع هذا الطرح ومراقبة ملامح تشكّل الحلف الجديد من خلال امتناع الغرب عن مهاجمة أكثر من موقع تعلم فرنسا وإسبانيا أنه مركز للقاعدة، ونصائح الغرب الجديدة حول محاورة المتطرفين، وصفقات تبادل الأسرى التي ترغَم عليها دول عربية وإفريقية، كما نلاحظ أن الجماعات الإسلامية باتت أكثر حرصاً على سلامة الرهائن الغربيين. لقد توصل الخصمان إلى أن الصحراء الغربية مثلاً تتسع لقواعد غربية ولنشاط القاعدة، إنما هناك نوع من الحكمة يجب التحلي به لإدارة مناطق النفوذ واحترام الحدود، وهذا ما يبحث عنه الطرفان.
لكن الجماعات الإسلامية لن ترضى بمجرد التغاضي عن نشاط هنا وتنفيذ عملية هناك، فقد تمكن المسلحون من تنفيذ عدة نشاطات ونجحوا في فرض منطقهم في ذروة صراعهم مع الغرب. ما يهم القاعدة حاليا هو إقامة دولة أو إمارة إسلامية تمارس نشاطها في العلن وتخافها جميع الدول العربية، وهذا ما سيرضخ له الغرب إذا ما ضمن حماية مصالحه الإستراتيجية وعدم تعريض رعاياه للخطر. إن الغرب لا يحارب جماعات ولا أدياناً بقدر ما يحمي مصالحه، وحتى التاريخ الحديث يؤكد أن طموحات الجماعات الإسلامية قد تلتقي مع مصالح الغرب.
عندما يرفرف علم دولة جديدة في المنطقة ستتضاعف متاعب الحكومات العربية لعدة أسباب أهمها أن الدولة الوليدة خرجت من رحم القوة وستفرض منطقها، أي منطق القوة، في التعامل مع الحكومات العربية فلن تعترف بحدود ثابتة على الأقل في المدى القريب، كما أن الحكومات العربية ستفشل في تحريض الشارع على الجيران الجدد لأن دولتهم ذات طابع عقدي وهناك شرائح كبيرة تتعاطف معها في السر وتجاملها في العلن، ولن تكون حماية الأنظمة العربية هدفاً تضحي من أجله الشعوب، لأن هذه الأنظمة فاشلة في الدنيا ومنبتّة العلاقة بالدين في نظر خصومها، بينما ستبشر الدولة الجديدة بالنصر وتضمن لأتباعها الجنة.
ولعل أسوأ ما سيؤرق القادة العرب هو إصرار دولة القاعدة على ربط مناطق نفوذها في المشرق بدولة المركز التي تشير الدلائل إلى أنها ستكون في المغرب. لذلك ستكون عدم جدية الغرب وأميركا خصوصاً في محاسبة القاعدة، والتغاضي عن احتلالها للمناطق العربية ملاحظات بارزة يطرحها العرب على جميع المؤتمرات والمحافل الدولية، لكن هذا لن يجر الجيوش العربية إلى الدخول في مغامرات غير محسوبة، فالعالم العربي أكثر ذكاءً وأرسخ حكمة من الانزلاق نحو الحرب وإدخال المنطقة في دوامة عنف لا تخدم الشعبين القاعدي والعربي ولا يمكن لأحد التكهن بنتائجها، لذلك نتوقع أن الخيار العربي سيكون إلى جانب السلام، وسيركز العرب على تعرية القاعدة في المحافل الدولية ومطالبة القوى الدولية بالضغط عليها لقبول خيار التفاوض وترسيم الحدود في مقابل الاعتراف بالإمارة الإسلامية.