عبد الرحمن الراشد

لم يقل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إن ما ورد في الوثائق السرية للقوات الأميركية التي نشرها موقع laquo;ويكيليكسraquo; أكاذيب ومحض ثرثرة، بل اعتبر الكشف عنها ونشرها الآن وراءه من يحاول حرمانه من تولي رئاسة الحكومة.

السؤال، من هو المالكي، أو أي مرشح آخر، حتى يستوجب حرمانه تسريب هذا الكم الهائل من الوثائق التي تمس كثيرا من الدول والمؤسسات والأفراد؟

ومن يراجع فهرس الوثائق كما صنفه الموقع يجد أن حظ المالكي فيه بسيط جدا، وأن المتضررين الآخرين مثل وزارة الدفاع الأميركية وإيران وسورية هم أكثر بكثير من المالكي. لا يستطيع أن يصدق أحد أن المستهدف من هذا الطوفان الهائل من المعلومات هو المالكي، وأن السبب مؤامرة لحرمانه من منصب رئاسة الحكومة العراقية.

ظنون المالكي بأنه المستهدف واهية والأسباب كثيرة. ولو افترضنا أن الأميركيين عازمون على حرمانه لما احتاجوا لنشر هذا الغسيل الوسخ، الذي يسيء إليهم كثيرا، فقط من أجل حرمان المالكي من المنصب. فهم يملكون من النفوذ السياسي، وغيره، ما يجعل منعه من رئاسة الحكومة يتم في ساعة من نهار. فإشارة من أصبع سفيرهم في بغداد لبعض أصدقائهم في العراق تكفي لتعطيل تحالفهم معه. لو أطلق مسؤول أميركي إشارة بأن المالكي غير مرغوب فيه ستركض بعض القوى العراقية نحو خصومه والتحالف معهم. الحقيقة أن المالكي ليس خصما بل هو إحدى الشخصيات المفضلة عند واشنطن، ولا تزال توحي بأنه سياسي مناسب للمنصب من جديد، إن استطاع إشراك القوى العراقية الرئيسية الأخرى، لكن مشكلة المالكي أنه يريد أن يكون ديكتاتورا لا رئيس وزراء.

يريد أن يحكم بمناصب سيادية وصلاحيات هائلة، كما كان يفعل في السنوات الأربع الماضية، وهذه هي العقدة الحالية التي ربما تحول دون توليه المنصب، مع أن حظوظه لا تزال جيدة.

لا يتطلب التآمر على المالكي، ومنعه من رئاسة الوزراء، الكشف عن أربعمائة ألف وثيقة فضائحية، الفضيحة تكفيها ورقة واحدة، بلا تبعات. فكما نعرف جيدا لا توجد في العراق هيئة تحاسب من يمسك بالسلطة، مثل رئيس الوزراء، وبالتالي فإن الكشف عن مخالفات للمالكي، أو أي من كبار المسؤولين العراقيين الآخرين، يمثل مجرد فرصة لانتقاده في الإعلام ليس إلا.

لن يحاسب أحد أحدا، وبالتأكيد لن تكون هناك محاكمة. اعتقاد المالكي أنه المستهدف بتسريب الوثائق مجرد وهم، فلو نشرت الوثائق قبل تسعة أشهر لقال إن الهدف حرمانه من دخول الانتخابات. ولو نشرت مع الانتخابات لقال إن هدفها إفشاله في الفوز، ولو نشرت بعدها بشهر أو اثنين أو أربعة لقال إن هدفها منعه من تشكيل الحكومة، وربما لو نشرت بعد عام من الآن لظن أن هدفها التآمر لإسقاطه!

ما نشرته الوثائق أكثر من مقلق، مروع بكل المقاييس. فإن كان صحيحا أن رئيس الوزراء كان يدير ميلشيات للقتل الطائفي أو يعلم بوجودها في حزبه، أو في مكان يستطيع التأثير عليه، فهي أخبار مخيفة جدا. لقد قبل كثيرون إسقاط صدام ليس بسبب أسلحة الدمار الشامل بل في الحقيقة لأنه كان رجلا دمويا. أعتقد أن على المالكي أن يوضح الحقيقة بدلا من إلقاء التهم والسكوت على ما ورد في الوثائق.