راجح الخوري

دخل رجب طيب اردوغان أمس مسرحاً مزدحماً بالمخرجين والممثلين والادوار، ويغصّ بحشد من quot;الشعوبquot; اللبنانية التي يغلب فيها التناقض على التآلف، وخصوصاً في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة، التي جعلت من المحكمة الدولية والقرار الاتهامي كابوساً يعطل الدولة ويشل دورة الحياة الطبيعية.
قبل نزوله في بيروت كان رئيس الوزراء التركي يعرف بالتأكيد انه سيهبط في وطن quot;الكلمات المتقاطعةquot;. لهذا لم يكن مستغرباً ان تستقبله الحفاوة الرسمية من جهة، والاعتراض الأرمني من جهة، والترحيب السني من جهة، والابتهاج اللبناني التركماني في عكار من جهة
أخرى.
وابتسم أنت في لبنان، فاذا كان أهل الكواشرة يجيدون التركية، قائلين quot;MERHABAquot; بالتركية، فبعض أهل الضاحية والجنوب يجيدون الفارسية، وسبق ان صاحوا أمام محمود أحمدي نجاد quot;خوش آمديدquot;. وبعض ما يبقى من quot;تراثquot; حي السراسقة مثلاً يجيد الفرنسية أكثر من العربية، فأهلاً وسهلاً بـquot;الطيبquot;!


❑ ❑ ❑

لكن لبنان العالق في عنق زجاجة المحكمة الدولية، التي بات واضحاً ومفهوماً لدى الجميع الآن أن لا مفر منها ومن القرار الاتهامي مهما كثرت الفبركات والسيناريوات والاخبار الخارجة من مطابخ الاستخبارات وحلقات التعمية والتمويه!
واذا كان اردوغان قد قال لجريدة quot;السفيرquot; صراحة ان تركيا هي أيضاً بصدد وساطة لتلافي انفجار الوضع المحتقن في لبنان، ولكنها تحرص على ان لا يأخذ الأمر شكل التدخل، فإنه يعلم تماماً انه يدخل كما قلنا مسرحاً مزدحماً بالممثلين والادوار والمخرجين، ويغصّ بحشد من quot;الشعوبquot; اللبنانية الضائعة وسط التناقضات والخائفة وسط
التهديدات.
كما يعلم أيضاً ان السوريين هنا، والسعوديين هنا، ولهم معادلة الـquot;س. س.quot;، وان الايرانيين هنا، والأميركيين هنا، والفرنسيين والمصريين والقطريين ومجلس الأمن والأسرة الدولية كلها هنا تقريباً، ولا ندري يا طويل العمر اذا كان لبنان على تخوم العالم أو اذا كان العالم على تخوم لبنان!
ولأنه يعرف ما يعني كل هذا، فقد تعمّد في حواره مع زميلنا ساطع نور الدين ان يلقي مقداراً كبيراً من المياه الباردة على أجواء المسرح اللبناني الملتهب. ليس لأن تركيا بلد المياه كما هو معروف، بل لأنها البلد الباحث عن إحياء التاريخ العثماني ولكن بصيغة عصرية، وفي زمن يجعل منها النموذج المطلوب دولياً واقليمياً ودولياً، وخصوصاً دولياً، لأن الغرب يتعرف الى اسلام على الطريقة التركية، حليق الذقن، يضع رباط العنق، ويلعب السياسة على طريقة شطرنج مفتوح بلا ضغائن بين الشرق والغرب!


❑ ❑ ❑

وهكذا، عندما أمطرته quot;السفيرquot; بخمسة عشر سؤالاً حول المحكمة الدولية وquot;خطرهاquot; على الوضع في لبنان، سارع الى إلقاء المياه الباردة تصاعدياً، فبدأ بالقول إنه يؤمن بأن الوقت الآن هو للوحدة والتضامن بين اللبنانيين. وان من غير المقبول ان يقود التنوع الطائفي والعرقي والمذهبي الى التصادم، بدلاً من أن يكون من الخصائص والمزايا التي تغني وحدة تقوم على التعدد.
كان اردوغان واضحاً في انتقاده الأطراف الذين يساهمون في quot;انشاء مجتمع الخوف... نحن سنكون من المساهمين في نقض دعائم مجتمع الخوفquot;. لم يشر الى الذين يضخّون التخويف في لبنان، سواء كانوا منquot;حزب اللهquot; او من حلفائه او حتى من قوى خارجية انخرطت وتنخرط في التخويف، لكنه ذهب في بساطة الى المثل التركي الذي يقول: quot;انك لا تستطيع ان تفصّل ثوباً لمولود لم يولد بعدquot;، بمعنى ان المدعي العام دانيال بلمار لم يعلن قراره الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، فكيف نختلف على محكمة لم تحكم بعد؟ وهل نتصوّر ان هناك عدالة على وجه الأرض تستطيع ان تحكم من دون الاعتماد على الأدلة والمعلومات؟ فلماذا الحكم المسبق على مثل
هذه الأمور؟
كان لافتاً تحذير أردوغان من انزلاق لبنان الى صراع أهلي جديد، منبهاً الى ان الذين يمهدون الطريق لمثل هذا الصراع لن يستطيعوا التخلص من المسؤولية التاريخية، وان تركيا وكل دول الجوار ستقوم بكل شيء لمنع مثل هذه الحرب.
طبعاً ليس واضحاً حتى الآن ما هي الوساطة التي حملها أردوغان، لكنه يعرف بالتأكيد quot;ان هناك جهوداً حثيثة تبذلها السعودية وسوريا. وان ايران ليست مغيّبة عنها، ولهذا فإنه لن يدخل من خارج هذا السياق، لأنه يدرك ان عمق العلاقات التركية مع دمشق يحتم عليه الأخذ بالأرجحية السورية في الوساطة التي تستند الى أرجحية سعودية مماثلة. لكن الثقل التركي قد يكون كفيلاً بدفع هذه الوساطة قدماً، ولهذا شدّد على إطفاء محركات الاحتقان
والتصعيد!