قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

وائل مرزا

على مدى سنتين أو أكثر، كانت تركيا تقول (لا) بلسانها وبأفعالها عندما يتعلق الأمر بقضايا العرب والمسلمين.
وعلى مدى سنتين أو أكثر، كانت الجماهير، تحديدًَا في البلاد العربية، وبالأخص منهم الإسلاميين، يحتفون بتركيا بكل وسيلة ممكنة.
ثم قالت (تركيا) نعم. قالتها حين وافقت على نشر جزء من المظلة الصاروخية الأطلسية على أراضيها خلال اجتماع قادة حلف الناتو في لشبونة الأسبوع الماضي.
وانقسمت جموع المشجعين لتركيا. فالجزء الأكبر لا يزال صامتًَا، والأغلب أنه محتارٌ في تفسير ما جرى. لكن شريحةً من أولئك المشجعين نطقت. وتراوح كلامها بين إدانة الموقف التركي بهدوء وبين الشتيمة والهجاء. لن نقف هنا عند ممارسات الشريحة الأخيرة. فرغم أن موقفها معبّر، إلا أنه يحتاج لمقاربةٍ أخرى في مقامٍ آخر. من حقّ الجميع طبعًَا أن يقولوا رأيهم، ونحن ضدّ مصادرة الرأي أيًَا كان. غير أن هذا لا يحرمنا من حقنا في تقديم رأيٍ مختلف.
وما يحصل في رأينا يمثل، مرةً أخرى، مظهرًَا من مظاهر الأزمة في طريقة فهم العرب وإسلامييهم لمفهوم السياسة بشكلٍ عام، وللسياسة الدولية خصوصًَا. لهذا، لا يبدو غريبًَا أن يصف أحد الكتاب من محبي تركيا موقفها قائلًَا أنه ldquo;خطأٌ قاتل في السياسة الخارجيةrdquo;. بل يبدأ الكاتب مقاله بالعبارة التالية: ldquo;قبول تركيا بفكرة الدرع الصاروخية يعتبر خطأ كبيرًَا في السياسة الخارجية، بغض النظر عن التوصيات أو التحفظات التركية على طريقة وكيفية استخدامها، فالمسألة بمجملها لا نفهمها من خلال العواطف، وإنما للسياسة قراءة مختلفة، فالنوايا الحسنة، لا تصلح في هذا المقام بالمطلق..rdquo;. ونحن لا نذكر اسم السيد الكاتب هنا لأن الهدف ليس الدخول في حوار ثنائي، وإنما في استخدام فكرته المقبولة في أوساط الرافضين للموقف التركي لندرس الموضوع من زاوية أخرى.
تحمل المقدمة المذكورة وحدها جملةً من الإشكالات، ليس فقط في مجال الفهم السياسي، وإنما في طريقة استخدام المصطلحات والألفاظ لتوحي بعكس معانيها الفعلية. إذ لا يمكن لكاتبٍ يحلل للرأي العام قضيةً حساسةً جدًَا وبالغة الأهمية أن يقفز بسهولةٍ بالغة، وباستخدام كلمتي ldquo;بغضّ النظرrdquo;، على كل الملابسات المتعلقة بـ ldquo;التوصيات والتحفظات التركية على طريقة وكيفية استخدامهاrdquo;، أي استخدام الدرع الصاروخية. فهذا الاختزال والتبسيط للقضايا المعقّدة هو أكبر مظاهر الأزمة التي نتحدث عنها.
دعونا إذًَا ننظر في تفاصيل تلك الجزئية البسيطة التي يُطلب منا أن نغضّ النظر عنها، لأن قبول ذلك الطلب كمقدمة يمكن أن يؤدي منطقيًَا لقبول أي نتائج تترتب عليها.
فمنذ سنة، تتعامل تركيا بحكومتها وبرلمانها ومفكريها الاستراتيجيين مع هذا الموضوع على مختلف المستويات. ذلك أن أوباما فاتح القيادة التركية بالموضوع في ديسمبر من عام 2009م. ومن يومها إلى يوم التوقيع خلال الأسبوع الماضي، قامت تركيا بكل الممارسات السياسية والدبلوماسية الممكنة لدراسة الأمر والتعامل معه.
لا يخفى ابتداءً أن الإجابة بنعم أو لا على مثل هذا الموضوع ليست بالسهولة التي يظنها الكثيرون. والمسألة لا تُبنى على استجابةٍ عاطفيةٍ سريعة لبعض الشعارات التي تُرفع باسم المبادئ. فالإجابة تتعلق من ناحية بحسابات معقّدة حول الوزن الإقليمي لتركيا. وقياس هذا الوزن بدقة ضروري، لأنه يُحدد قدرتك على أن تقول (نعم) أو (لا) وتتحمل تبعات الكلمة. والذي يحلل التطورات الداخلية والخارجية في تركيا خلال السنوات الماضية اقتصاديًَا وسياسيًَا وثقافيًَا يدرك لماذا استطاعت تركيا أن تقول (لا) مرارًَا وتكرارًَا في السنتين الأخيرتين.
ثم إن هناك حسابات أخرى تتعلق بكيفية استخدامك للإجابة، وقدرتك على الإبداع في توظيفها أيًَا كانت. فأن تقول (نعم) لا يعني بالضرورة استسلامًَا للضغوط واستجابة للظروف، وإنما قد يحمل معه خَلقًَا لفرصٍ جديدة إذا توافرت الإرادة السياسية ومعها الإبداع والابتكار السياسي.
كانت الإجابة الأولى المباشرة لتركيا تتمثل في رفض الفكرة. وبهذا، رفعت تركيا سقف التفاوض، الذي تعرف أنه سيحصل، إلى حدّه الأقصى من اللحظة الأولى. وطوال عشرة أشهر كان العمل السياسي يسير على خطين. فمن جهة، بقيت الدبلوماسية التركية تُحيط موقفها بالغموض وتُعلن تحفظاتها على المشروع. ومن جهة أخرى، كان المطبخ السياسي الداخلي يدرس ويحلل أبعاد الموقف وجميع الاحتمالات المتعلقة به.
وشيئًَا فشيئًَا، رهنت تركيا موقفها بجملة شروطٍ تمثلت فيما يلي: أولًَا. عدم تحديد وتسمية أي دولة بوصفها العدو الذي يتوقع أن يأتي الاعتداء من جانبه، في إشارة غير مباشرة إلى إيران وحتى إلى سورية. ثانيًَا. نشر الدرع الصاروخية لحماية كامل الأراضي التركية من جميع الجهات، وليس فقط الأراضي التركية القريبة من إيران. ثالثًَا. ضمان تعاون روسيا مع المشروع أو عدم اعتراضها عليه على أقل تقدير. رابعًَا. ضمان موافقة تركيا على أي خطوة تتخذ بناء على المعلومات التي سيجمعها نظام الرادارات، والمشاركة في صناعة القرار والوصول المباشر إلى المعلومات المتعلقة بأي تهديد صاروخي يجمعها أي جهاز للاستشعار ينشر من ضمن المشروع. أخذ حلف الأطلسي بكل هذه الشروط، والذي يقرأ البيان الختامي للقمة، وبخاصة الفقرات 36-38 منه والمتعلقة مباشرة بالدرع الصاروخي، يجد ذلك بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.
أكثر من هذا، يرى بعض المحللين أن موافقة تركيا قد تكون وسيلةً لمنع أمريكا وإسرائيل من شنّ حرب على إيران أو غيرها في المنطقة، كما صرح حسن كوني، الأستاذ في الجامعة الثقافية في اسطنبول للزميلة (الأخبار) اللبنانية. يجب الانتباه هنا أن من الممكن نشرُ الدرع في بلغاريا أو رومانيا بدل تركيا. وإذا حصل هذا، يُصبح النظام الصاروخي واقعًَا لم ينفع الرفض التركي في إلغائه، وتبقى تركيا جاهلةً بكل ما يتعلق بتشغيله وأهدافه وعملياته، وتُصبح أكثر استهدافًَا من الغرب بدعوى أنها خرجت على إجماع الحلف. وفي هذا من الخسائر السياسية والعسكرية الاستراتيجية أكثر مما فيه من الفوائد بكثير.
هل يمكن بعد هذا ldquo;غضُّ النظرrdquo; عن التحفظات والتوصيات التركية في هذا الموضوع والاستخفاف بها لهذه الدرجة؟ وهل يمكن القبول بأن الموقف المبني على كل تلك الحسابات والممارسات جاء من خلال ldquo;العواطف.. والنوايا الحسنة..rdquo; كما ألمح الكاتب في المقدمة المذكورة أعلاه؟ المفارقةُ الأكبر أن يطالب الكاتب تركيا بالانسحاب من حلف الناتو، ويؤكد أن هذا الأمر سيكون فرصةً تاريخية، ستصبح تركيا إذا لم تغتنمها مجرد دولةٍ تجاوزَها الزمن!
لنتذكر مرة أخرى. تركيا التي قالت نعم هذه المرة هي نفسها التي قالت لا منذ سبع سنوات ضد شن الحرب منها على العراق. وهي نفسها التي قالت لا في مجلس الأمن منذ شهور ضد مشروع العقوبات على إيران. وهي نفسها التي قالت لا لإسرائيل بأكثر من طريقة. فهل أصيبت فجأة بانفصام شخصية؟ أم أن لها حسابات يمكن أن نتواضع قليلًَا ونعلن جهلنا بها؟
مرةً أخرى، نناقش هذه الأفكار لأنها تُعبّر عن طريقة تفكير شريحة مقدرةٍ من العرب وإسلامييهم، وتُعبّر في نفس الوقت عن أزمةٍ في التعامل مع السياسة تبدو مزمنةً إلى حدٍ كبير.
د. وائل مرزا