قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

داود البصري

كانت الغلبة في ثقافة عراق البعث لمن يدين بالولاء لثقافة المؤسسة الحزبية الارهابية ومن يجيد فن النفاق

في ظل الوضع العراقي المهترئ , وفي زمن سيادة الافكار العدمية والتوجه الرسمي العام نحو بناء الاسس الحقيقية لدولة أصولية عراقية متخلفة ولمجتمع عراقي منغلق على ذاته ينهل من خرافات التاريخ ويبدع في جلد الذات ويحارب الحضارة والتنوير ويكرس قيم التخلف وينحدر الخطاب الرسمي لمستوى الشوارع والازقة فإن مهمة وزير الثقافة تبدوعقيمة وفاقدة لقيمتها الانسانية والرسمية وحتى الوجودية , فهذا المنصب في ظل حكومة يرأسها ويوجه محاورها ويرسم خططها الستراتيجية حزب ديني عقائدي معروف وهو حزب الدعوة أو النسخة الشيعية للاخوان المسلمين لايمكن أن يكون فعالا أو أن يقدم أية مكاسب ومنجزات حقيقية للثقافة العراقية فضلا عن القيام بثورة ثقافية ومجتمعية عراقية تهدم كل معالم حالة الخراب الكبيرة وتؤسس لاتبثاق حالة نهضة ثقافية عراقية شاملة تكتسح كل حصون ومعاقل التخلف والعدمية والاغراق في عوالم الغيبيات..! , إنها المهمة المستحيلة التي لا يمكن لاي جهة ثقافية عراقية في زمن الطائفية والميليشيات التفكير بها فضلا عن القيام والاضطلاع بمسؤوليتها الجسيمة , لقد تم توزير تلك الوزارة بموجب حسابات المصالح والتنفيع والعلاقات الشخصية ولم يتم السماع أو حتى إحترام وجهات نظر أهل الشأن الثقافي, فنداء الاستاذ فاضل ثامر رئيس إتحاد أدباء العراق بإبعاد وزارة الثقافة عن المحاصصة وتكليف مثقف عراقي بمسؤوليتها قد تلاشى مع الريح وذهب أدراج الرياح لان قادة حزب الدعوة كأسلافهم الطالحين في حزب البعث لا يحترمون الرأي الاخر ولا يستمعون إلا لنداء شياطينهم وإستنادا لمخططاتهم السلطوية المرسومة بدقة والمعدة في ليل عراقي حالك السواد, لقد توهم المثقف العراقي أنه يستطيع صناعة جزء من المشهد السياسي وهو وهم كان مستمرا في الحياة السياسية العراقية في العصر الحديث, ففي الماضي كان صوت العسكر هو الطاغي إذ لاصوت يعلو على صوت المعركة, وكان ضباط الجيش من أهل الانقلابات هم الذين يصنعون المشهدين السياسي والثقافي, ثم جاء دور رجل المنظمة السرية البعثية التي كانت تعتبر المثقفين زمرا متآمرة لانها تفكر خارج عقلية القطيع ولا تلتزم أبدا بالشعار الحزبي القائل نفذ ثم ناقش وهو شعار فاشي بامتياز وكان واضحا من أن البعثيين وهم في حالة عري من الثقافة لان حزب البعث كان يتميز بخلوه من المثقفين الحقيقيين والذين إن وجدوا تم إستئصالهم بسرعة كأي ورم خبيث قد استطاعوا استجلاب وإغراء بعض المثقفين الشيوعيين الذين تمت إعادة طلائهم بالشعارات البعثية إياها وهي شعارات ساذجة وغبية وسطحية ولكنهم رغم ذلك لم يتحملوهم أيضا لذلك تم إعدام أو إخفاء المفكر العراقي المعروف عزيز السيد جاسم, فكانت الغلبة في ثقافة عراق البعث لمن يدين بالولاء لثقافة المؤسسة الحزبية الارهابية ولمن يجيد فن النفاق وإستعمال المسدس خصوصا وأن عسكرة وتجييش الثقافة العراقية قد جاءت مع قادسية صدام! الماراثونية الدموية المرهقة وحيث فرض على المثقفين العراقيين ضرورة المشاركة في جبهات الحرب والنهل من تجاربها الدموية والكتابة عنها..! مما أفرز مجموعة فاشية من المثقفين خرجت عن كل قواعد الحضارة والسلام الفكري وسببت ضررا للثقافة العراقية التي تراجعت أسهمها وانكفأت تأثيراتها كما إنكفأت وتراجعت مجالات الشعر والقصة والموسيقى التي تم إستغلالها عسكريا أبشع إستغلال فكان المسرح العسكري مثلا هو الجهة التي تخرج المطربين بعد أن إنخرط كبار مبدعي العراق في فن الموسيقى في مهرجان الزحف على البطون لمبايعة القائد المهزوم صدام حسين , فهل تتذكرون إبداعات الموسيقار العراقي المعروف (طالب القره غولي) الذي تحول في أخريات أيامه لموسيقار لنظام مهزوم له دوره في صياغة أناشيد النصر الوهمية.. وغيره الكثير طبعا , فالسلطة الغاشمة تفرض منطقها ومن يخرج من إطارها يتيه ويضيع في المعتربات حيث انعدام الرعاية والتفرغ والانشغال في متابعة هموم الحياة وتصاريفها , لقد خرج من العراق منذ الثمانينات ثلة من خيرة مبدعي وفناني وأدباء وموسيقيي العراق ولكنهم ضاعوا للاسف في الغربة وأنتهت إبداعاتهم أوإستهلكها نزيف التشرد والملاحقة وعدم الاستقرار, لقد خرج المرحوم محمد مهدي الجواهري ومصطفى جمال الدين وعبد الوهاب البياتي وكوكب حمزة وكمال السيد وفؤاد سالم وغيرهم المئات من المبدعين حتى فرغ العراق من مبدعيه الحقيقيين ولكن أولئك جميعا لم يستطيعوا تقديم الابداع بالطريقة التي كانوا سيقومون به في حالة إستقرارهم في أوطانهم , فللتشرد والغربة ثمن وأي ثمن, واليوم وبعد التغيير الاميركي الزلزالي الكبيير الذي غير قواعد اللعبة السياسية في الشرق الاوسط لا يبدوالمشهد ورديا بالمرة , بل أن سيناريوهات وأجندات وملفات الصراع الاقليمي والدولي لم تلق بالا للمثقفين بل إهتمت بالشوارد والنطيحة والمتردية من أهل الميليشيات والفكر الطائفي المتخلف من مختلف الملل والنحل فأولئك هم أبطال المرحلة وهم سادة الميدان في الزمن الاغبر الراهن. طريق الاصلاح والتقدم في العراق لا يمكن أن يكون عبر السلاح والتجييش والعسكرة , بل عبر الثورة الثقافية والمعلوماتية الحقيقية , وهذه الثورة ممنوعة حاليا واهل الثقافة يتعرضون للتصفية أو للتهميش والالغاء وإحتقار الثقافة هو جزء من مخطط إقليمي واسع المدى لفرض منطق الغيبية وتقسيم الاوطان تحت الشعارات الجاهلية والمنتهية الصلاحية, وزارة الثقافة العراقية هي أخطر الوزارات فعلا لو كان هنالك قرار على نهضة العراق.. ولكنها اليوم مجرد محطة للمتقاعدين وصالة ترنزيت للمنتظرين لمناصب أكبر واكثر مدخولية وكاملة الدسم, فلك الله أيتها الثقافة العراقية المظلومة, لقد إستهللك البعثيون وازدراك الطائفيون وأصبحت سلعة في سوق النخاسة الطائفية العراقية.
* كاتب عراقي