راجح الخوري

كنا نظن ان في وزارة الخارجية الاسرائيلية مجرد طبل للدوي والتطرف والعنصرية والعداء. والمقصود هنا طبعا الوزير افيغدور ليبرمان رجل العصابات الذي يطلق التهديدات الوقحة والسخيفة في كل اتجاه وآخرها كان سوريا.
لكن سرعان ما تبين ان لهذا الطبل عصاه، الذي ينفّذ الضربات بهدف اثارة الدوي والضجيج، والمقصود هنا نائب ليبرمان المدعو داني ايالون، الذي ينافس وزيره في الفظاظة والاستعراضية.
قبل اسابيع افتعل ايالون ازمة وقحة مع تركيا عندما اهان سفيرها اوغوز جيكول، بعدما استدعاه وعرّضه للمهانة في الانتظار في ممرات الخارجية، ثم اجلسه في مكان منخفض وخاطبه من فوق باستعلاء محاولا اشعاره بالدونية، لكأن الامر صورة من محاكمات نورنبرغ!
أمس أصاب أيالون للمرة الاولى عندما اهان رئيسه ليبرمان عندما وصف التهديدات ضد سوريا بانها quot;مجرد فقاعات صابونquot;. لكن قبل ذلك كان واضحا تماما، ان هذا الرجل مريض استعراضات دعائية، وانه يحاول دائما افتعال المواقف والمفاجآت على طريقة quot;كسر مزراب العينquot;.

***

هذا الاسلوب الذي يشكل مزيجا من الوقاحة والاثارة والتمسكن، لم يكن في الواقع لينطلي على محنك مثل الامير تركي الفيصل، الذي يتربع على تاريخ من الخبرة والدهاء بعدما كان رئيسا للمخابرات السعودية، وسفيرا في واشنطن ولندن. وهكذا فان ما حصل في quot;مؤتمر ميونيخ للامنquot; الاسبوع الماضي، لم يكن كما صورته اسرائيل وبعض الغرضيات السياسية المعروفة، اي مصافحة بين الامير تركي وايالون اراد البعض اعطاءها شكلا من اشكال اعتراف المملكة باسرائيل، بمقدار ما كان لسعة ديبلوماسية مدروسة ومحكمة، فوّتت على أيالون ان يمضي في سياق قرقعة الضجيج، الى الحد الذي كان يمكن ان يساعده لإمطار الحضور في القاعة، بالحديث عن لاسامية السعوديين والعرب، وعن الظلامة العنصرية اللاحقة بالدولة اليهودية!
اكبر دليل على ان ما حصل كان لسعة حقّرت ايالون وكشفت دونية استمطاره الاثارة الرخيصة، هو الاسلوب الذي تعاملت به صحافة العدو الاسرائيلي مع الحادثة، فاما انها تجاهلتها كليا، واما انها اشارت اليها، في بعض التحليلات والتعليقات على انها كشفت رخص اسلوب quot;الديبلوماسيةquot; التي يطبقها ايالون فاذا بالطبل يفوق العصا بالقرقعة!
والواقع ان الامير تركي كان قد قام قبيل الجلسة، ببذل جهود ادت الى ابعاد ايالون عن منصة لجنة كان يفترض ان يجلس فيها ممثلون عن تركيا واسرائيل ومصر والسعودية وروسيا واميركا، وذلك بقسم اللجنة قسمين. الاول يضم الامير تركي ووزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو والديبلوماسي المصري حسام زكي، والثاني يضم ايالون الى المندوبين الروسي والاميركي.


***

طبعا عرف ايالون بما جرى، وفهم عدد كبير من الحضور ان الامير تركي لم يرد ان يجلس قرب ايالون، فهل يمكن التصديق انه رغب في مصافحته؟!
عمليا بدأ ايالون حديثه بالقول: quot;يجلس هنا بين الحضور مبعوث دولة نفطية كبيرة مارس ضغوطا لتقسيم الجلسة لانه لم يرد ان يجلس معنا... وهذا يؤكد غياب التسامح والاحترام المتبادلquot;!
خلال الحوار وقف الامير تركي واوضح ان ما ادى الى قسم اللجنة هو السلوك الفظ لايالون حيال السفير التركي في اسرائيل. وعندها قال ايالون: quot;اذا لم يكن هو من اعترض على وجودي فادعوه الى مصافحة يدي الممدودةquot;.
كان الامير تركي جالسا بين الحضور فقال: انزل.
فنزل ايالون وquot;تصافحاquot;. ليوضح بيان فوري صدر عن تركي ما يأتي: quot;طلب مني ان اتقدم من المنصة لأصافحه لأظهر عدم وجود مشاعر الكراهية. لكنني قلت انه هو من يجب عليه ان ينزل. فنزل وتقدم وقال انه يعتذر بما في ذلك عن اهانة السفير التركيquot;.
تقارير في الصحافة الالمانية نسبت الى ايالون قوله، انه كان يتمنى ان يرفض تركي مصافحته، ليقف ويقول: quot;هؤلاء هم اللاساميون يجلسون بينكم، اولا قسموا اللجنة لانهم لا يريدون الجلوس مع اليهود، وثانيا رفضوا مصافحتي امامكم جميعا وانا اليهوديquot;!


***

واضح تماما من اين تأتي الكراهية والعنصرية، وواضح ومبرر تماما لماذا يستمر العداء السعودي لاسرائيل.
ومن دون اي حاجة الى التحليل يمكن العودة الى نهاية العام الماضي، عندما راحت الادارة الاميركية تضغط على العرب وخصوصا السعودية للقيام بخطوات تطبيعية مع اسرائيل. يومها، وتحديدا في 12 ايلول، كتب الامير تركي مقالا في جريدة quot;نيويورك تايمزquot; بعنوان: quot;الارض اولا... ثم السلامquot;، جاء فيه ما معناه ان المملكة العربية السعودية، تلتزم المعايير العليا للعدالة والقانون. ولهذا ترفض التواصل مع اسرائيل حتى تنهي احتلالها للضفة الغربية وغزة والجولان ومزارع شبعا.
بالنسبة الى السعوديين فان quot;اي خطوة تجاه التطبيع مع اسرائيل قبل عودة الارض الى اصحابها الحقيقيين انما يمثل تقويضا للقانون الدولي وتجاهلا لعمل غير اخلاقيquot;!
كان ذلك المقال موضع عناية لافتة في الادارة الاميركية، وهو ما زاد من ضغينة اسرائيل وخصوصا في سياق تذكيره بالمعاهدة الرابعة من معاهدة جنيف التي تقول: quot;يجب على الدولة المحتلة ان لا تنقل او ترحّل جزءا من مواطنيها المدنيين الى الارض التي تحتلهاquot; وهذا طعن قانوني دولي بكل خطوة استيطانية.
واذا كان الامير تركي قد خلص الى القول ان قبول المقترح الاميركي بالتطبيع قبل الانسحاب يشجع على وقوع اعتداءات مشابهة في المستقبل، بمكافأة الغزو المسلح، فهل يمكن الحديث عن مصافحة ايالون ام عن لسعه وهو في النهاية واحد من ذئاب الاحتلال يهوى اثارة الغبار اينما اتجه؟!