السيد ولد أباه
نادرا ما أثار شيخ للأزهر من الجدل ما أثاره المرحوم quot;محمد سيد طنطاويquot; الذي رحل للرفيق الأعلى في الأسبوع المنصرم. عرف الرجل بفتاويه الجريئة التي فجرت نقاشات حادة حتى داخل الصف الأزهري نفسه (مثل فتواه المبيحة للفوائد المصرفية، وفتواه في النقاب وحجاب الطالبة في الجامعات الغربية)، كما كانت له مواقف سياسية أثارت ردود فعل مماثلة. و لا أحد يشكك في سعة علمه ودماثة خلقه، وقد كان بالفعل من أفضل رموز المدرسة الأزهرية العتيقة تكويناً.
اختلف quot;الطنطاويquot; عن سلفه quot;الشيخ جاد الحقquot;، الذي تولى الإمامة الكبرى من سنة 1982 إلى سنة 1996. فقد كان الرجل شديد الاستقلالية في مواقفه، مقبولًا في كل مكونات الحقل الإسلامي، بما فيها التيارات الراديكالية. عرف quot;جاد الحقquot; بدوره الفاعل في دعم حركة quot;الجهاد الأفغانيquot;، وفي مقاومته للتطبيع مع إسرائيل.
كما اختلف quot;الطنطاويquot; عن الفيلسوف الصوفي الهادئquot;عبد الحليم محمودquot;، الذي تولى مشيخة الأزهر من سنة 1973 إلى سنة 1978، فكرس مأموريته لإصلاح المؤسسة العتيدة وتطوير مناهجها.
كان quot;الطنطاويquot; أقرب للشيخ quot;محمود شلتوتquot;، الذي تولى الإمامة الكبرى في حقبة الرئيس quot;جمال عبد الناصرquot;، وفي عهده وقعت الإصلاحات الأزهرية المشهورة (سنة 1961)، التي حولت الجامع العريق إلى جامعة حديثة متعددة التخصصات، متطورة المناهج التربوية. عرف شلتوت بفتاويه المثيرة للجدل حول أرباح الأسهم المصرفية، وحول القرارات الاشتراكية التي اتخذتها حكومة الثورة في الستينيات، ومنها أيضا إجازته للتعبد بالمذهب الجعفري. وكانت مرحلة الشيخ شلتوت قد شهدت اشتداد الصراع بين quot;الضباط الأحرارquot; وquot;الإخوان المسلمينquot;.
quot;طنطاويquot;، أستاذ التفسير والحديث اللبق، يمكن ربطه بوضوح بالتقليد التجديدي الأزهري الذي يمتد من الإمام محمد عبده (الذي كان مفتياً للديار المصرية) إلى شلتوت مروراً بتلميذي محمد عبده اللذين توليا المشيخة السامية وهما الفقيه quot;مصطفى المراغيquot; والفيلسوف quot;مصطفى عبد الرازقquot; .
يتعلق الأمر هنا بمدرسة راهنت على إمكانية تجديد الدين وإصلاح أوضاع الأمة من البوابة الأزهرية التي تحتل مكانة سامية في العالم السني.
بيد أن تجربة العقود الستة الأخيرة من التجربة الأزهرية، كشفت أوجها من العلاقة المعقدة القائمة بين المؤسسة الإسلامية التقليدية والسلطة السياسية من جهة والحقل الإسلامي الحديث من جهة أخرى.
وجهت الإصلاحات الناصرية (بما هي امتداد لمحاولات سبقتها) ضربة قوية للمؤسسة التقليدية العتيقة التي انتهت إلى الانهيار، رغم استمرارية بعض الحلقات الشكلية المحدودة .تم إضفاء السمة quot;الوطنيةquot; المحلية على الجامع الذي تولى إمامته من قبل علماء من غير المصريين، وغدا جهازا حكوميا يشرف على إدارة الحقل الديني الرسمي (على الرغم من ما ينتزعه أحيانا بعض مشايخ الأزهر من استقلالية نسبية ).
اختلفت التجربة المصرية عن التجربتين اللتين تمتا في تونس والمغرب اللذين يحتضنان مؤسستين عريقتين من نمط جامع الأزهر. في تونس، تم اختزال جامعة الزيتونة العريقة (أقدم جامعة إسلامية) إلى كلية صغيرة للشريعة في عهد الرئيس الراحل بورقيبة انسجاماً مع خطه quot;التحديثي العلمانيquot; الساعي لاستبدال المناهج التراثية في تدريس الشريعة بالمسالك المنهجية المعاصرة كما هي مطبقة في أقسام الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية (استعادت الزيتونة طابعها الجامعي في عهد الرئيس الحالي بن علي).
أما في المغرب، فقد حافظت جامعة القرويين العريقة على طابعها التقليدي، انسجاماً مع خط الاستمرارية التي تطبع الحقل الديني المرتبط مباشرة بالشرعية السياسية ومركز quot;إمارة المؤمنينquot; (الملك نفسه).وهكذا شهد المغرب ازدواجية مدارة بدقة بين حقل تعليمي تقليدي، وحقل حديث يتمثل في أقسام الدراسات الإسلامية بالجامعات الحديثة.
وغني عن البيان أن التجارب الثلاث على تباينها الواسع أفضت إلى النتيجة نفسها، التي هي انحسار الحقل الديني التقليدي، سواء تعلق الأمر بمسلك الإصلاح المصري أو بنهج التحديث التونسي، أو بمنطق الاستمرارية المغربي.
انهار المجال الإسلامي التقليدي لانهيار بيئته الحاضنة ومقوماته الموضوعية: مؤسسات المجتمع الأهلي العتيقة (الوقف خصوصا) التي لم تعد تنسجم مع حضور الدولة الوطنية البيروقراطية الحديثة ذات السمة الشمولية المركزية.
وإذا كانت هياكل المجتمع الأهلي، ومن بينها مؤسسة التدريس والإفتاء قد أدت في السابق دورا معروفا في حفظ استقلالية الحقل الديني عن السلطة السياسية، فإن انهيارها أدى إلى استتباع الدولة المتدرج لهذا الحقل، في الوقت الذي نمت على هوامش هذا الحقل اتجاهات عديدة متمردة على شرعيته المؤسسية.
ويمكن أن نشير الى ثلاثة مكونات أساسية من مكونات الحقل الديني الحديث (وإنْ كان بعضها يدعي التجذر في الماضي والتمسك بمرجعية الإسلام الأصلي ويرفض الإسلام التقليدي من هذا المنطلق): تيارات الإسلام السياسي التي هي نسخ quot;إسلاميةquot; من الإيديولوجيات الوطنية، النزعات السلفية الجديدة التي تكرس نمطا من الإسلام الفردي والمجموعاتي خارج حيز الهوية الإسلامية المشتركة، النزعات الفكرية التجديدية والتحديثية التي تريد بناء منظومة تأويلية جديدة مستقلة عن المرجعية التراثية (علم الكلام الجديد، فلسفة الفقه ...).
في مقابل راديكالية التيارات الإسلامية الثورية وانكفائية النزعات السلفية (التي يمكن أن تتحول للعنف)، تجد الحكومات نفسها أقرب للإسلام التقليدي الذي تقوم نظريته في الإمامة على طاعة ولي الأمر ومنع منازعته الحكم، بيد أنها تشعر بضعف الحقل التقليدي وعجزه عن مدها بالحلول الإسلامية لإشكالات العصر الحادة، فتجد نفسها مدفوعة لدعم quot;الإسلام الليبراليquot; المنفتح دون القدرة على احتضانه في نفسه الإصلاحي الجذري الذي لا يزال معزولاً عن القاعدة الشعبية العريضة. تلك هي quot;محنة quot; الإسلام التقليدي المحاصر اليوم في قاعدته المؤسسية وبنائه المعرفي، رغم غياب البدائل الناجعة عنه.













التعليقات