قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

نقولا ناصر

إذا ما أمسك القادة العرب باللحظة التاريخية الراهنة, وامتلكوا الإرادة السياسية الموحدة والمستقلة لالتقاطها, خلال قمتهم في سرت الليبية أواخر الشهر الجاري, فإنهم سوف يساهمون في تحويل اختلاف تكتيكي امريكي - إسرائيلي إلى خلاف استراتيجي يخدم المصالح الحيوية العربية والامريكية على حد سواء.

إن تهالك الإدارة الامريكية الحالي على استئناف المفاوضات الفلسطينية والعربية الإسرائيلية يصطدم حاليا باستحالة أي استئناف كهذا وعبثيته, من وجهة نظر عربية وفلسطينية, فاستئناف quot;عملية السلامquot; مصلحة حيوية للنظام العربي الرسمي, كما تثبت مبادرة السلام العربية, طالما استهدفت الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة وإقامة دولة فلسطينية, وهي مصلحة حيوية للمفاوض الفلسطيني طالما كانت القدس عاصمة للدولة الفلسطينية المأمولة, ففي القدس تولد الدولة الفلسطينية أو يتم وأدها, وبالتالي فإن الفشل الامريكي في كبح عملية التهويد المتسارعة للقدس ينسف أي مصلحة حيوية فلسطينية في عملية السلام, وهذا بدوره ينسف أي مصلحة حيوية عربية فيها كتحصيل حاصل, ففي القدس يوجد الصاعق الذي قد يفجر quot;عملية السلام الامريكيةquot; إلى غير رجعة, وفيها أيضا توجد إمكانية عربية لتحويل الاختلاف الامريكي الإسرائيلي الراهن- لهذا السبب على وجه التحديد- إلى خلاف استراتيجي يخدم المصالح الحيوية العربية والامريكية معا.

فإجماع القادة العرب على مبادرة السلام العربية يتلخص في رسالتين; الأولى إجماع على اعتراف بدولة الاحتلال الإسرائيلي والسلام معها مشروط بانسحابها من الأراضي العربية المحتلة عام ,1967 والرسالة الثانية إجماع على منح الولايات المتحدة فرصة تاريخية لإثبات حسن نيتها في صنع السلام العربي- الإسرائيلي, وهذا يعني إجماعا عربيا على الفصل بين الاعتراف بدولة المشروع الصهيوني كما انتهت إليه حدودها باتفاقيات الهدنة عام 1949 وبين الاعتراف باحتلالها بعد عام ,1967 وهو فصل كان وما زال يقتضي سحبه عربيا ليشمل الولايات المتحدة التي تم تبني مبادرة السلام العربية استرضاء لها في المقام الأول, أملا في أن يشجعها هذا الاسترضاء على الفصل بين مصالحها الحيوية في الوطن العربي الكبير ومحيطه الشرق أوسطي وبين مصالح ربيبها الإسرائيلي, لتتخلى عن انحيازها السافر لدولة الاحتلال وتتخذ موقفا محايدا في الصراع العربي- الإسرائيلي يؤهلها لدور وساطة نزيهة فيه, لكن كل الدلائل تؤكد أن واشنطن قد فشلت حتى الآن في الاستجابة للرسالة العربية الواضحة كالشمس, غير أن هذا الفشل عربي بقدر ما هو امريكي, فمبادرة السلام العربية كانت وما زالت تقتضي سياسة عربية تتناقض تماما مع سياسة الاسترضاء العربي حد الاستسلام المطلق لكل مبادرة واقتراح وبادرة امريكية لحل الصراع, وكانت وما زالت تقتضي سياسة عربية تخدم هذا المبادرة بتحويل الإجماع العربي على ضرورة الفصل بين الضمان الامريكي لأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي وبين ضمان أمن احتلالها إلى شرط عربي مسبق للقبول بأي دور امريكي للوساطة في حل quot;سلميquot; للصراع.

غير أن اشتراطا عربيا كهذا يقتضي قرارا استراتيجيا لا يستطيعه إلا قادة تاريخيون, وقد دفع جمال عبد الناصر وصدام حسين ثمنا وطنيا وعربيا باهظا توج باستشهادهما في محاولات كهذه, لكن موقفا عربيا مستقلا موحدا ذا إرادة سياسية حرة كفيل بالتعويض عن غياب القيادات التاريخية, وهذا هو الامتحان التاريخي للقادة العرب اليوم, وهذا هو المحك الفيصل للحكم على القمة العربية المقبلة في ليبيا بالفشل أو النجاح في التقاط لحظة تاريخية راهنة مواتية, وإلا فإن هذه القمة ستمر كحدث عابر كسابقاتها, حتى لو حملت هذه القمة اسم القدس, كما طالبت الرئاسة الفلسطينية, لأن القدس في حالها الراهن تستدعي قمة عربية وإسلامية طارئة وعاجلة لا قمة دورية عادية, اللهم إلا إذا ارتفعت هذه الأخيرة إلى مستوى الخطر الاستراتيجي التاريخي الذي يهدد القدس والعرب والمسلمين كافة.

إن حكومة دولة الاحتلال مخيرة الآن بين استرضاء راعيها الامريكي وبين انفراط عقد ائتلافها الحاكم وقد اختارت حتى الآن الخيار الثاني, لتضع إدارة أوباما في خانة الإدارة الامريكية الأكثر استخذاء وتراجعا أمامها بين كل الإدارات التي سبقتها, بينما اختار العرب في معظمهم الاستمرار في سيساساتهم التقليدية الساعية إلى استرضاء الولايات المتحدة بكل السبل, بمنحها quot;أوراقاquot; متتالية لإثبات حسن النية والصداقة تجاهها, بدلا من تعظيم الخطر الذي تستشعره على مصالحها بتحويل عدم التعاون العربي السلبي والمتردد والموسمي والباهت الراهن إلى موقف إيجابي قاطع بعدم التعاون الاستراتيجي طالما لم تستجب واشنطن للرسالة العربية الجماعية الواضحة كالشمس, وكل الدلائل تشير أنها في غير وارد الاستجابة لها في أي مدى منظور, لكن في الحالتين فإن هذه هي اللحظة التاريخية التي تنتظر قادة استراتيجيين عربا يلتقطونها, وانعقاد القمة العربية هو المناسبة الملائمة لالتقاطها, إذا توفرت الإرادة!

استراتيجيا, كانت وما زالت المصالح الحيوية الامريكية - الإسرائيلية في الوطن العربي ومحيطه متطابقة وسوف تظل كذلك إلى أمد غير منظور, أما تكتيكيا فكثيرا ما تباينت هذه المصالح, لكنها اليوم تتصادم, أو تكاد, في الظاهر حول الاستعمار الاستيطاني اليهودي المستشري في القدس المحتلة, quot;فالكلب الامريكي قد تعب من تحريك ذنبه الإسرائيلي لهquot;, كما كتب أمير أورين في هآرتس الإسرائيلية يوم الخميس الماضي, ولذلك, رغم حرص الجانبين العلني والرسمي على احتواء هذا الاختلاف, فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي, بنيامين نتنياهو, الموجود حاليا في واشنطن لمخاطبة المؤتمر السنوي للوبي الصهيوني - اليهودي quot;إيباكquot;, الذي افتتح أمس الأحد, لن يحظى باستقبال الرئيس باراك أوباما له, بحجة أن هذا الأخير لن يكون في عاصمة بلاده, بل سيلتقي نائبه جوزيف بايدن, الذي quot;أدانquot; توقيت إعلان القرارات الاستيطانية الإسرائيلية أثناء زيارته الأخيرة لدولة الاحتلال, ويلتقي كذلك وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون, التي ستخاطب مؤتمر quot;إيباكquot; بدورها والتي أدانت ذلك الإعلان باعتباره إهانة لبايدن وإدارته وبلاده.

وهذه quot;المجابهةquot; التكتيكية الامريكية الإسرائيلية كانت quot;حتميةquot;, لكن ليس بسبب التوسع الاستيطاني اليهودي المتسارع في القدس المحتلة, فهذا التوسع كان مجرد quot;فتيلquot; فجرها, بل كانت المجابهة quot;حتميةquot; بسبب quot;مجيء حكومتين جديدتين لكل منهما تفويض (من الناخبين) لعكس سياسات بلده حول السلام في الشرق الأوسطquot;, ولذلك كان لا بد للحكومتين من quot;الاصطدام مباشرةquot;, كما كتب جيه. جيه. غولدبيرغ في quot;فورووردquot; اليهودية الامريكية في عددها الأخير. وقد أضاف غولدبيرغ أن quot;الصراع الإسرائيلي الفلسطينيquot; قد عاد ليحتل المرتبة الأولى على أجندة أوباما في كانون الثاني / يناير الماضي بعد إيجاز قدمه في منتصف ذلك الشهر كبار مساعدي قائد القيادة الوسطى الامريكية, الجنرال ديفيد بترايوس, إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأدميرال مايكل مولن, بعد جولة موسعة لهم على القادة العرب في الشهر السابق, خلصوا بعدها إلى أن بلادهم تخسر مصداقيتها في العالم العربي, وهو ما أبلغوه لمولين, لأن القادة العرب أصبحوا يعتقدون بأن أمريكا عاجزة quot;عن مواجهة إسرائيلquot; حول خلافات أساسية معها, مما أثار quot;قلقا متنامياquot; لدى الجنرال بترايوس حول نتائج ذلك على الموقف العسكري الامريكي في الحرب على العراق وأفغانستان (مجلة quot;فورين بوليسي في 13/3/2010).

وفي السادس عشر من الشهر الجاري, وفي جلسة استماع له أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس شيوخ الكونغرس الامريكي, قال بترايوس في بيان مكتوب إن quot;الأعمال العدائية المستمرة بين إسرائيل وبين بعض جيرانها تطرح تحديات واضحة لقدرتنا على خدمة مصالحنا في منطقة مسؤوليتناquot;, وإن التوترات الإسرائيلية الفلسطينية quot;لها تأثير ضخم في الإطار الاستراتيجي الذي نعمل فيه في منطقة القيادة الوسطىquot; ولذلك أعرب عن دعمه لجهود إدارة أوباما لتحريك quot;عملية السلامquot; الفلسطينية الإسرائيلية التي يحول إصرار نتنياهو على تهويد القدس دون تحريكها, وشجب عدم إحراز تقدم في حل صراع إسرائيل مع الفلسطينيين والسوريين بسبب النتائج السلبية الناجمة عن ذلك مثل ضعف الاستعداد العربي لتوثيق التعاون مع الامريكيين, وإضعاف الأنظمة المعتدلة المهيأة لمثل هذا التعاون, وزيادة قدرة إيران على زعزعة الاستقرار في المنطقة.