هاني نسيرة 110419b.jpg

أسئلة جديدة تحملها أعمال العنف الأخيرة في العراق، أثناء الانتخابات وبعدها، قد تجيب عنها الوثيقة أو الاستراتيجية الجديدة لـ laquo;القاعدةraquo; في العراق، التي أصدرها laquo;تنظيم القاعدة في العراقraquo; أوائل عام 2010، تحت عنوان: laquo;خطة استراتيجية لتعزيز الموقف السياسي لدولة العراق الإسلاميةraquo; كما تبين هذه الاستراتيجية الجديدة موقف التنظيم من العملية السياسية ورموزها ومن laquo;الصحواتraquo; ومن القوى النظامية والأميركية في العراق، ومن الرموز والقوى السياسية المختلفة، وإن كانت التفجيرات التي وقعت أخيراً في الخامس من نيسان (أبريل) لعدد من السفارات، أو تصفية ومقتل 24 ممن انتموا للصحوات في قرية الصوفية في ضاحية الرشيد الواقعة الى الجنوب من بغداد يوم الثالث من نيسان، أو غيرها من الحوادث والعمليات تشير إلى بصمات laquo;القاعدةraquo; هناك، فإن هذه الاستراتيجية المعلنة تؤكدها وتشي بأحداث أخرى منتظرة.

تتكون الوثيقة من مقدمة وتوطئة وخمسة فصول وخاتمة تحمل عدداً من الاستنتاجات والتوصيات، جاء فصلها الأول معبراً عن أزمتها البنيوية وتشرذم القوى الجهادية، واختلافاتها وموصياً بـ laquo;السعى الجاد لتوحيد الجهودraquo;. وحمل الفصل الثاني نقداً ذاتياً للممارسة العسكرية السابقة التي ركزت فيها laquo;القاعدةraquo; على استهداف القوات الأميركية دون laquo;الصحواتraquo; أو القوى المنافسة لها، وداعياً في عنوانهraquo; التخطيط العسكري المتوازنraquo;، الى laquo;توجيه تسع طلقات للمرتدين وطلقة واحدة للصليبيينraquo; والتركيز على العمليات النوعية دون الحرب الموسعة.

الفصل الثالث حمل عنوان laquo;مجالس الصحوة الجهاديةraquo; ويدعو لوضع استراتيجية لاستقطاب شيوخ العشائر وأفرادها من المناصرين للدولة الناقمين على قيادات laquo;الصحواتraquo; من أجل إقامة قوات للصحوة الجهادية بديلاً عن الصحوات التي تصفها الوثيقة بالمرتدة، في مناطقها.

وجاء الفصل الرابع تحت عنوان laquo;العناية بالرمز السياسيraquo;، معبراً عن أزمة الرمز في صفوف laquo;القاعدة في العراقraquo; بعد مقتل الزرقاوي، وضرورة إبراز رموز جديدة شأن نائب أمير الدولة أبو عمر البغدادي الذي صار رمزاً بعد أن تواترت الأخبار عن اعتقاله أو قتله، وتلح الوثيقة الجديدة على ضرورة إبراز أمثال نائب الأمير أبو حمزة المهاجر وغيره من القيادات التالية laquo;حتى لا تفقد الدولة الإسلامية في العراق- أو تنظيم القاعدة فيها- كاريزمية القيادة متى حدث مكروه للبغداديraquo;، وهو ما تشير الوثيقة إلى البدء في تنفيذه منذ فترة.

الفصل الخامس والأخير كان تحت عنوان laquo;طمأنة المخالفينraquo; وفيه تدعو الوثيقة- الاستراتيجية الجديدة إلى ضرورة طمأنة الأقليات الدينية وبخاصة المسيحيين الذين دفعوا للدولة في عهدها السابق الجزية وهم راضون، مستدلة بموقف النبي من اليهود في صحيفة المدينة، ولكن لم تشر الوثيقة في هذا الفصل الى الموقف من الشيعة مطلقاً. وسنعرض في ما يلي لبعض النقاط الدالة في تجربة laquo;القاعدةraquo; السابقة، ولسيناريوات جديدة لاستراتيجية laquo;القاعدة في العراقraquo; بعد تمأسس العملية السياسية فيه.

حرب إعلامية أميركية

تتـــم الوثيـقــــة الجديدة القوات الأميركية بشن laquo;حرب إعلامية قذرة عليهاraquo;، عبــــر قيامهـــا بعمليات ونسبتها لـ laquo;القاعدةraquo;، أو إقامة قنـــاة فضائيـــة تخصصت في تشويه صـــــورة دولتها الإسلامية، والأهــــم في هذه الحــــــرب بحســب الوثيقة laquo;تجاهل وجود دولة حقيقيةraquo; ووصفها بأنها laquo;إنترنتية وأنها مجرد laquo;كيلوبايتات على الشبكة العنكبوتية مرتهنٌ وجودها بالكهرباءraquo;.

وتعتــرف laquo;القاعــدةraquo; في وثيقتها بسقوط دولـــة العراق الإسلامية قائلة: laquo;إن الدولة كما سقطت بعد أن كانت قائمة على أصولها في كثير من المناطق، فإنها ستعودraquo;. وتستدل بتناقص عدد الصحوات، التي تقدرهم الوثيقة بحوالى 100 ألف مرتد صحويraquo;.

المقاومة الوطنية والصحوات

تشي laquo;استراتيجية القاعدة الجديدةraquo; بخوف كبير من نجاح العملية السياسية، وترى أن المقاومة الوطنية أكبر خطراً على المستوى المستقبلي من خطر الصحوات، لأنها محل دعم الأميركيين والحل الأنسب لهم، بعد أن فشلوا في laquo;إيجاد عميل خالص (كرزاي) يلقى القبول بين الناس، فسعوا إلى البديل المناسب الذي يمكن تطويعه، وهم الوطنيون من أصحاب المقاومة والتكنوقراط والديمقراطيةraquo;. وترى الوثيقة أن الحل العسكري- وحده- لا يكفي نظراً لأن الحرب الأهلية لا تحسم من الغالب. وتؤكد الوثيقة أن هذه المرحلة laquo;تحتاج إلى كثير من المرونة السياسية وكثير من الذكاء والاستخدام الإعلامي والدعائي الجيد أكثر من أي أمر آخر، فالوطنيون يستطيعون عبر الأداء السياسي والخدمي والقدرة المادية والتمويلية من كسب عواطف الناس وتوجهيهم الى صفوفهم، أما الصحوات فتظل على المستوى السياسي والمستقبلي أقل قدرة على المأسسة بخاصة بعد انحسارهاraquo;.

وترى الوثيقة أنه من الدروس المستخلصة في التعامل laquo;الصحواتraquo; كان التعامل مع laquo;كتائب الحمزةraquo; وهي أولى قوات laquo;الصحوةraquo; وأسست بالتعاون بين laquo;الحزب الإسلاميraquo; والأميركيين، وكان التأخر في قتالها خوفاً من الغضب الشعبي، خطأ، إذ يجب عدم الاهتمام مستقبلاً بالرصيد الشعبي وصرف الجهود لغير المحتلين.


الحزب الإسلامي

على المستوى البنيوي يبدو توحيد الجماعات الجهادية المشكل الأكبر لـthinsp;laquo;القاعدة في العراقraquo;، ورغم المطالبة والنداءات المبكرة، لكل من الظواهري وأسامه بن لادن، أو الحالية لأبي حمزة المهاجر زعيم التنظيم، والداعية لتوحيد الجهود، إلا أنها ما زالت بعيدة المنال، وهو ما تجدد الدعوة إليه هذه الوثيقة، ويبدو خوفها الأكبر من سيطرة غير الجهاديين شأن الحزب الإسلامي العراقي على المناطق السنية، وضربه laquo;المشروع الجهاديraquo; برمته، بعد أن ساهم بقوة في تأسيس الصحوات.

واستعجال laquo;الوحدةraquo; ناتج من خشية laquo;القاعدة في العراقraquo; من قيام الحزب الإسلامي بالإعلان عن إقليم سني كإقليم الأكراد، في محاولة لسرقة المشروع الجهادي ولملمة أهل السنة حول رموزهم السياسيين، وترى أن laquo;إعلان الدولة مجدداً يعد قاصماً لهذا المشروع قبل ظهورهraquo;.

يرى معدو الوثيقة ضرورة تطوير العمل العسكري من بدايته، الذي لم يكن سوى رد فعل على الاحتلال، عبر laquo;تقديم العدو القريب على العدو البعيد الآن، واستهداف الصحوات تحديداً، وقطف رؤوس مؤسسيهاraquo;.

وتقوم الاستراتيجية العسكرية الجديدة على ثلاث سياسات أو خطوط عريضة هي:

1- تسع رصاصات على المرتدين ورصاصة على الصليبيين، حيث توجه غالبية العمليات ضد الصحوات بينما توجه عمليات مركزة وقليلة ضد القوات الأميركية.

2- التطهير: وتقصد به الاستراتيجية استخدام القواعد والسيطرة الجزئية على مناطق وأسلحة وفرض السيطرة على القواعد سواء في حال الانسحاب أو في حال الاستهداف، وضرب البنى التحتية ما لم تتم الاستفادة منها.

3- الاستهداف: laquo;والاستهداف المركز للقيادات والكوادر عبر تجنيد الاستشهاديين في عناصر الحراسة وداخل الإدارات المهمة، أو استهدافها بعمليات نوعية انتحارية تصفي الرموز والكفاءاتraquo;. فاستهداف هؤلاء بحسب الوثيقة laquo;خير من الكثير غيرهم بلا شكraquo;، مما سيشكل فراغاً كبيراً في العملية السياسية ويزيد من حجم الإرباك والتنازع بين بقية القادة السياسيين.

مجالس الصحوة الجهادية

من أهم سيناريوات الاستراتيجية الجديدة لـ laquo;القاعدةraquo; السعي لإقامة مجالس صحوة جهادية، استغلالاً للثقافة المتدينة للقبائل التي تكره المحتل بطبيعتها، وتطرح الاستراتيجية الجديدة إمكانية التجنيد ودفع شيوخ العشائر الى تكوين مجالس صحوية جهادية من العشائر وأبنائها، مضادة للصحوات الحكومية، وترى الاستراتيجية فوائد عدة لهذا المنحى توجزها في ما يأتي:

أولاً: توسيع نفوذ الدولة الإسلامية.

ثانياً: كسب ولاء شيوخ العشائر.

ثالثاً: إدخال المجتمع في صلب عملية بناء الدولة الإسلامية.

رابعاً: طمأنة المتوجسين من الدولة (الإسلامية).

ويلاحظ في نص الوثيقة أنها لم تشر إلى الشيعة من قريب أو من بعيد، ما يعني التزامها بموقف الزرقاوي الشهير في ضرورة قتالهم، والذي كان محل خلاف بينه وبين شيخه أبو محمد المقدسي عام 2006 في سجاليتهما المشهورة laquo;مناصرة ومناصحةraquo;.