قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الياس حرفوش


منذ قيام العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء بين بيروت ودمشق قبل عام ونصف العام ظل الجدل دائراً حول الموقع الذي يحتله laquo;المجلس الأعلى اللبناني السوريraquo; والدور الذي يلعبه هذا المجلس في صياغة هذه العلاقات: هل هو دور مكمل؟ ام هو دور بديل؟ وإذا كان مكملاً فأين هي المواقع الذي يكمل فيها النواقص في العلاقات وتعجز السفارتان عن اكمالها؟ اما اذا كان بديلاً فلماذا كانت الحاجة اصلاً الى الإنفاق على السفارتين، طالما أن laquo;المجلس الأعلىraquo; laquo;يكفي ويفيraquo; كما يقول المثل؟

يقال في تبرير بقاء المجلس الأعلى ان العلاقات بين سورية ولبنان علاقات مميزة، وإنهما laquo;شعب واحد في بلدينraquo;، بحسب التعبير الذي اطلقه الرئيس الراحل حافظ الأسد، ودخل منذ اطلاقه باب الجغرافيا السياسية، كما صار شعاراً جذاباً لليافطات الانتخابية. وبالتالي تحتاج هذه العلاقات الى رعاية خاصة وraquo;عاليةraquo; المستوى. حسناً. اذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تكون اللقاءات الدورية بين رئيس جمهورية لبنان ورئيس الجمهورية السورية هي المؤتمنة على الحفاظ على هذه العلاقات المميزة ورعايتها؟ وإذا كان وقت الرئيسين منشغلاً بقضايا أخرى اكثر اهمية على الصعيد القومي، في مجالات التحرير مثلاً، فما الذي يمنع ان توكل هذه المهمة الى رئيسي حكومتي البلدين؟ بكلام آخر، ما هي الحاجة الى مؤسسة رديفة الى جانب المؤسسات الدستورية القائمة في البلدين، لتقوم بعمل يفترض أساساً ان تقوم به هذه المؤسسات، كما هي الحال بين مختلف الدول التي تربطها علاقات خاصة ومميزة (بريطانيا والولايات المتحدة مثلاً)؟

إلا اذا كان وراء قيام هذا المجلس هدف آخر. أي انه مجلس laquo;اعلىraquo; مما هو قائم بين البلدين، على نسق laquo;الباب العاليraquo; الذي كان يصدر الفرمانات من اسطنبول الى ولايات السلطنة. هكذا يصير لتعبير laquo;المجلس الأعلىraquo; ما يبرره. اذا أن القرارات التي تتخذ فيه، برعاية امينه العام نصري خوري، وهو شخصية معروفة بانتمائها الحزبي، وغير منتخبة من اي هيئة لا في لبنان ولا في سورية، هذه القرارات تفوق في فعاليتها وفي قوتها التنفيذية ما تتخذه أي من حكومتي البلدين. بهذا المعنى يصبح المجلس laquo;الأعلىraquo;، المؤسسة غير المنتخبة، قادراً على صوغ قرارات لم تسلك المسالك الدستورية والقانونية التي تسلكها القرارات في الأحوال العادية. صحيح ان المصادقة على هذه القرارات تعود الى المجلسين النيابيين في البلدين. ولكن هل من يتصور معارضة من مجلس الشعب السوري لقرارات laquo;المجلس الأعلىraquo;؟ وهل من يتخيل نقاشاً موضوعياً في مجلس النواب اللبناني لهذه القرارات، في الوقت الذي صار مجرد النقاش في لبنان لمبررات وجود المجلس الأعلى ضرباً من المحرمات؟

يزيد من الجدل الدائر حول قيام هذا المجلس ان ولادته تمت في وقت لم تكن العلاقات السورية - اللبنانية على درجة من الندية المطلوبة، التي تسمح بالقول انه جاء يلبي مصلحة متساوية لكل من البلدين. فقد كانت الهيمنة والوصاية السوريتان على القرار اللبناني هما القاعدة التي كانت تقوم عليها تلك العلاقات. وهو ما اعطى الانطباع، ولا يزال، أن قيام المجلس الأعلى كان لتلبية مصلحة سورية في ذلك الوقت اكثر مما كان تلبية لرغبة لبنانية. ولا بد من المسارعة الى القول هنا ان المسؤولية عن ذلك لم تكن مسؤولية سورية بامتياز، بل كانت اكثر من ذلك مسؤولية الفريق السياسي اللبناني الحاكم في ذلك الحين والذي رهن قراره ومصالحه للأغراض والمطالب السورية.

خلال النقاش الذي جرى اول امس حول طاولة الحوار الوطني، في ضيافة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، تطرق الجدل حول laquo;المجلس الأعلىraquo; الى مدى دستوريته ومطابقته للقوانين اللبنانية. ونُقل عن الخبير القانوني فايز الحاج شاهين المقرب من سليمان قوله ان في laquo;معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيقraquo; بنوداً تخالف الدستور اللبناني والقانون الدولي، ومنها تكوين المجلس الأعلى وبعض السلطات الأجرائية المناطة به.

ألا يجدر بالرئيس اللبناني، بناء على ذلك، وهو المؤتمن وحده على الدستور، ان يبادر الى نقاش مفتوح حول هذا الأمر، بدل إقفال النقاش وإسكات الداعين الى علاقة سليمة بين سورية ولبنان، هذه العلاقة التي يفترض ان تكون أكثر اهمية وأعلى قيمة من laquo;المجلس الأعلىraquo;؟