عبدالله بن بخيت

يصادف أن يتعرف عليّ بعض الأخوة في الأماكن العامة بوصفي كاتبا. بعضهم يحييني بلطف واحترام ويمضي. بعضهم يدخل معي في حوار ، وآخر يحاول أن يقنعني بأن المطاوعة على حق. أوضّح دائما: لا أحد ينتقد المطاوعة. ليس لأحد مشكلة مع إنسان متسق . عندما يتطابق سلوك الإنسان مع فكره يصبح جميلا. المطوع النقي ليس مشكلة ولم يكن مشكلة طوال تاريخ هذه البلاد. كل آباؤنا كانوا مطاوعة بصورة أو أخرى.

تستطيع أن تقول إن الصحوة تشكلت من ثلاث طبقات:طبقة المطاوعة، طبقة الدعاة، طبقة اللحية الداخلية.

الخضات المتلاحقة فرضت على كل طبقة أن تأخذ اتجاها مختلفا عن الآخر ولكنها مازالت تتقاطع. تلتقي في منعطف وتنفصل في منعطف آخر. يوحدهم الحنين للمشروع المشترك. المطاوعة يثيرون في داخلي موجة من الشفقة والتعاطف. صاروا ضحية نقائهم. ساروا وراء الدعاة. وفي اللحظة الحاسمة أفلت الدعاة أيديهم في صحراء الأحلام والأوهام القاحلة وعادوا يأخذون أجرهم كاملا من الدنيا. ولّت أيام الفقر. أيام الدوران في المساجد وقراءة كتب السلف الصالح والنعال الزبيرية الرخيصة والبشت الوبر. صاروا جزءا من العمل الإعلامي. صار لهم عقود وأجور. صار بينهم طبقات. كل طبقة لها أجرها. صار الفرق بين أجور الدعاة كالفرق بين أجور الفنانين. تنظم لهم الحفلات والمناسبات وتحجز لهم غرف في الفنادق الفاخرة. صار للشكل والاناقة والوسامة قيمة( كل شيء بحسابه). الرأسمالية يا صديقي بكامل عريها. رومانسية المطوع الضاربة في الحلم لم تعد تؤكل عيشاً كما كانت تفعل في الأيام الخوالي. الرأسمالية تريد زبونا استهلاكيا يدفع بسخاء. رجل يلعنها في الصباح ويجني ثمارها الوافرة في المساء. طبقة اللحية الداخلية هي المخرج الرأسمالي المريح. العصاة سلوكا والمذعنين فكرا. هذه الطبقة لم تتأسس اليوم. ليست وليدة القنوات الفضائية أو الإنترنت. منذ البداية كانت تسير جنبا إلى جنب مع المطاوعة. تتكدس في كل مكان ولها خصائص الرجل العادي. رجال ونساء يحطمهم الشعور بالذنب لكنهم لا يكفون عن العصيان. يجدون خلاصهم في اعتناق الأفكار التي يطرحها الدعاة والحماسة لها مع الاحتفاظ بحقهم في الانصياع لرغباتهم. يدينون أنفسهم في كل تصرف. تجدهم في دبي وبيروت ولندن وباريس. يركضون وراء المنتجات الغربية الكافرة لا يحميهم من الشعور بالذنب إلا الإذعان للدعاة. السلوك عندهم لا علاقة له بالقيم. أخذوا فتاواهم التسهيلية من أيام بانكوك:( ما يقوم به هذا هو معصية سيهديه الله لا شك إنه في داخله نقي). هذه الفتوى هي خلاصهم وأملهم.

يتفرج على القنوات الفضائية ويلعنها. يسمع الأغاني ويحرمها. يشكل أهم زبائن أماكن اللهو والفسوق في كل مكان في العالم ويدينها. يريد أن يدخل الجنة التي يعدونه بها ولا يريد التفريط في متع الدنيا ولهوها. منحهم التأييد واحتفظ بحقوق جسده المبتذلة. فرصة سانحة لدخول الجنة بلا مكاره. هؤلاء هم زبائن دعاة الفضائيات لا المطاوعة ولا الأسوياء من البشر.