Michael Young -The National
هل سنسمع اعترافاً بالخطأ من أولئك الذين هاجموا الإمبريالية الأميركية في العراق، وتأكيداً على الأقل بأن الأمور ليست بالبساطة التي أصروا عليها سابقاً؟ أو ربما كلمة يقرون فيها بأن أي انسحاب أميركي سريع قد يشكل خطراً على العراقيين بقدر الغزو؟ ذلك مستبعد لأن العراقيين أنفسهم لم يكونوا يوماً مهمّين بالنسبة إلى من استساغوا إدانة بوش.
ولّد انسحاب قوات القتال الأميركية من العراق الأسبوع الماضي ردود فعل خافتة من أولئك الذين عارضوا غزو البلاد في عام 2003، وقد كان ذلك متوقّعاً جزئياً بما أن الولايات المتحدة ستواصل ممارسة نفوذ كبير في بغداد، لكن ظهر خداع واضح في رفض المنتقدين الاعتراف بأن العراق دخل مرحلة جديدة أساسية.
لعل السبب في ذلك أن نموذج الرفض المرتبط بالسلوك الأميركي في العراق وُضِع فترة طويلة في إطار أضيق المعاني: أي أن إدارة جورج بوش نظّمت حرباً إمبريالية على العراق (وليس 'مع' العراق أو 'بشأن' العراق، أو لا قدّر الله 'من أجل' العراق)، وأن أبرز أهداف هذه الحرب كان فرض الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط مع تمحور الخطة الواسعة حول العراق وموارده الوطنية.
تم التعبير عن وجهة النظر هذه مراراً وتكراراً في الفترة التحضيرية للحرب، وبعدها بزمن طويل. دفعت المتظاهرين في هاليفاكس في كندا على حمل لافتة في عام 2003 كُتب عليها 'الولايات المتحدة الأميركية الإمبريالية'، تحت علم أميركي استُبدلت نجومه بجمجمة وعظمتين متقاطعتين، وأحاطت خطوطه بصليب معقوف. كذلك دفعت بالمتظاهرين الإسبان، في الوقت عينه تقريباً، إلى الصياح: 'لا للعدوان الإمبريالي في العراق'، وبمجموعة من المؤرخين تُعرف باسم 'مؤرخون ضد الحرب' إلى توقيع عريضة في عام 2009 ضد الوجود الأميركي في العراق وأفغانستان، معلنةً معارضتها 'للحروب العدوانية، والاحتلال العسكري للأراضي الأجنبية، والمساعي الإمبريالية التي تبذلها الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى للسيطرة على حياة البلدان الأخرى الداخلية'.
فضلاً عن ذلك، حثّ رشيد خالدي، أكاديمي فلسطيني أميركي بارز، على نشر كتاب في عام 2004 بعنوان Resurrecting Empire 'الإمبراطورية المنبعثة'، حول التدخلات الغربية (ولاسيما الأميركية) في الشرق الأوسط. في ذلك الكتاب، أسف خالدي، الذي يُصادف أنه أحد أصدقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما من شيكاغو، لعدم استعداد الولايات المتحدة لقبول فكرة أنها تكرر تجربة القوى الإمبريالية الغابرة، و'أن ذلك ليس جيداً بأي حال من الأحوال ويستحيل (إنجازه بطريقة صائبة)'.
ما من شك في أن الولايات المتحدة إمبراطورية، والأقوى على الإطلاق. لذا من المنطقي تفسير أفعالها من منظور 'إمبريالي'، مع أن ذلك قد لا يسمح أيضاً بهامش كبيرة من الحرية. فإن كان للصدام الأميركي مع العراق رسالة تستحق الذكر، فهي أن المشقات التي شهدتها واشنطن هناك نجمت عن عدم استعدادها لممارسة شكل حصري من أشكال الحكم الإمبريالي. فشلت إدارة بوش في إرسال ما يكفي من الجنود في وقت مبكر، في حين لم تكن أي قوة إمبريالية كلاسيكية تسعى إلى السيطرة على المنطقة لتفكّر في خفض التزامها العسكري اليوم، لاسيما في زمن تبارز فيه إيران التي وُلدت طموحاتها الرامية إلى الهيمنة من رحم الإمبرياليات الفارسية الماضية.
لم تخرج الولايات المتحدة من العراق، إذ أبقت على نحو 50 ألف جندي في البلاد التي ستعتمد على المعدات العسكرية الأميركية، وغيرها، لسنوات مقبلة. مع ذلك، تشير السرعة التي تحرر بها أوباما من التزامه إلى جدية المهلة النهائية لسحب كامل القوات الأميركية في نهاية عام 2011. إن كان العراق مجازفة إمبريالية، فقد تقبلها الكثير من الأميركيين بريبة فحسب، وعلى رأسهم الرئيس الحالي.
للمضي قدماً في هذا الجدال، أود لفت انتباهكم إلى رسم كاريكاتوري مؤثّر نُشر منذ بضعة أيام في صحيفة 'الحياة' العربية القومية. يظهر فيه العم سام وهو يخرج من العراق من أحد الأبواب وذراعه مضمّدة، بينما تدخل إيران من باب آخر مغطاة الرأس وبلباس الموت. بهذه الطريقة ينظر الكثير من الأنظمة العربية، السنّية بغالبيتها، إلى الانسحاب الأميركي الأخير: كخطوة تخلّف وراءها فراغاً سياسياً مزعزعاً للاستقرار تنتفع منه إيران على ما يُفترَض.
وسط الحديث الطلق عن الإمبريالية الأميركية، يُغفَل عادةً عن ذكر أن واشنطن ليست المحرّك الوحيد للدوافع الإمبريالية في الشرق الأوسط، ولا حتى أكثرها تصميماً. في المقابل، يُعتبر البرنامج النووي الإيراني خطوةً ضرورية لفرض تفوق طهران في الخليج وخارجه، بما فيه الهلال الخصيب. هذا وشن صدام حسين حين كان في السلطة حربين إقليميتين لإرضاء شهوته بالأراضي. لا ننسى أيضاً ضم إسرائيل القدس الشرقية ومرتفعات الجولان إليها، ومساعيها إلى ضم أراضٍ واسعة من الضفة الغربية؛ والوجود العسكري السوري في لبنان لمدة 29 عاماً؛ حرب مصر في اليمن في مطلع ستينيات القرن الماضي؛ وحملات قمع القومية الكردية في العراق، وإيران، وسورية، وتركيا؛ وما إلى ذلك.
هل سنسمع إذن اعترافاً بالخطأ من أولئك الذين هاجموا الإمبريالية الأميركية في العراق، وتأكيداً على الأقل بأن الأمور ليست بالبساطة التي أصروا عليها سابقاً؟ أو ربما كلمة يقرون فيها بأن أي انسحاب أميركي سريع قد يشكل خطراً على العراقيين بقدر الغزو؟ ذلك مستبعد لأن العراقيين أنفسهم لم يكونوا يوماً مهمين بالنسبة إلى من استساغوا إدانة بوش. يتضح لنا ذلك من واقع أن قلّةً من النقّاد شجبت الوحشية التي مارسها صدام حسين طوال عقود ضد شعبه، أو حتى أصغت بالاً للهجمات الانتحارية البربرية ضد المدنيين العراقيين بعد عام 2003. ففي النهاية، كان ذلك من فعل ما يُسمّى 'مقاومة'، والمقاومة ضد الإمبريالية، أو شركاؤها الموضوعيون، من الحرمات المقدسة.
يعرف أوباما من جهته حق المعرفة حدود الإمبراطورية الأميركية، إذ يستطيع قراءة الدفاتر المالية، وقد يخسر في انتخابات الكونغرس التي ستُجرى في نوفمبر المقبل بسبب الوضع المالي الهش لبلاده. انطوى الغزو الأميركي للعراق على إيجابيات وسلبيات، لكن تغير الكثير منذ عام 2003 لاسيما في واشنطن. مع ذلك أظهر الصمت المدوي لمنتقدي واشنطن الأسبوع الفائت، في مثل تلك اللحظة الواعدة للسيادة العراقية، مدى قلة استعدادهم للتغيير.
* محرر صفحات الرأي في صحيفة 'دايلي ستار'، ومؤلّف كتاب The Ghosts of Martyrs Square: An Eyewitness Account of Lebanonrsquo;s Life Struggle











التعليقات