علي سالم


قبل أن يرحل عام 2010 بأيام، كان قد ادخر للمصريين مفاجأة رديئة ومزعجة، تم القبض على شبكة تجسس إسرائيلية تمارس عملها في مجال الاتصالات وفي مجالات أخرى، كان يدير هذه الشبكة مواطن مصري أقام في الصين في السنوات الأخيرة. قالت المذيعة الشهيرة وهي تتنهد في أسى: laquo;بعد واحد وثلاثين عاما من السلام، ما زالوا يتجسسون عليناraquo;.. وأخذ كل الضيوف في كل برامج الفضائيات يؤكدون أنه لا يوجد سلام بين مصر وإسرائيل، وأن العدو سيظل عدوا إلى الأبد، وبدأت التفاصيل تنهمر من على الشاشات وأوراق الصحف، قال المذيع الشاب المتخصص في قراءة ما وراء ما تنشره الصحف: laquo;وفي هذه الشبكة تم تركيب أجهزة تصنت أو تنصت متطورة، لتسجيل مكالمات كبار المسؤولين في الحكومة المصرية مع بعضهم البعض، وكل تسجيل تذهب منه نسخة إلى لندن ونسخة أخرى إلى تل أبيب.. وهناك فتاة تعمل مضيفة في شركة سياحية في شرم الشيخ، كلفتها المخابرات الإسرائيلية بمعرفة مواعيد وصول الأفواج السياحية اليابانية والصينية، وذلك لكي يخطفوهم، وبذلك يسيئون إلى سمعة السياحة في مصرraquo;. بالطبع هو لم يتطوع بذكر عدد المرات التي تم فيها خطف سياح يابانيين وصينيين، والسبب واضح، هو أنه لم يحدث أن شخصا من أي جنسية خُطف من شرم الشيخ.
تفرغت الصحف لنشر المزيد من اعترافات الشاب المتهم بالجاسوسية، ومن خلالها استطاعوا أن يتحدثوا عن أجهزة اتصالات متطورة أقيمت لها محطات في رفح وغزة، استضافت المذيعة عددا من الأساتذة العالمين ببواطن الأمور، كان من السهل على أي متفرج أن يكتشف أن كل معلومات البعض منهم عن التجسس مصدرها كتاب واحد صدر في بداية الخمسينات لمايلز كوبلاند، هو laquo;لعبة الأممraquo;، أما البعض الآخر فمن الواضح أنه لم يقرأ الكتاب المذكور أو أي كتاب آخر.
شعرت المذيعة بالحيرة والتشوش، فسألت: laquo;هي قضية تجسس واحدة ولا اتنينraquo;؟ وهنا تدخل خبير أمنى بالتليفون ليوضح في حسم: هي قضية واحدة.. ولا صحة لما ذكر عن اشتراك بعض العاملين في شركات المحمول فيها. غير أن أقوال المتهم بدأت تحمل الجديد كل يوم، ومع كل جديد نكتشف أن رجال المخابرات الإسرائيلية هذه الأيام استولت عليهم نوبة سذاجة حادة جعلتهم ينسون كل ما تعلموه عن الجاسوسية وقواعد العمل، كما ذكرتها الكتب الكثيرة التي أصدروها، بالإضافة للعمليات الناجحة والفاشلة التي قاموا بها.
وفى الاعترافات، وأنا على يقين من أنها تمت في حرية كاملة وبغير ضغط أو تهديد من أي نوع، وسأذكر لك أدلتي بعد قليل، ذكر المتهم أن ضابط التشغيل الإسرائيلي عرفه على شخص مصري في الصين، وقال له إنه تمكن من تجنيد مئات المصريين، الجاسوس المصري طلب منه أن ينزل معه إلى مصر ليساعده في عمله، غير أنه رفض بشدة؛ لأنه اشترط أصلا على الإسرائيليين ألا يقوم بعمل شيء يضر المصريين، أريدك أن تلاحظ حرص المتهم على إثبات أنه لا يقرب الخمر أو النساء أو لحم الخنزير، وفى اختبار كشف الكذب، سأله الضابط الإسرائيلي مرتين: هل تحب مصر؟ فأجاب: نعم. فأكد الجهاز صدقه، كما ترى، هذا شخص ليس به ضعف أمام الخمر أو النساء أو لحم الخنزير، كما أنه يحب مصر، وبذلك تكون نقطة ضعفه الوحيدة هي رغبته في العمل كجاسوس للإسرائيليين. أما معلوماته عن هذا الشخص فهو أن اسمه الحركي هو الأستاذ وأنه يجلس على مقهى في شارع جامعة الدول العربية في القاهرة. (عندما تقرأ كتب صديقي المرحوم ماهر عبد الحميد، أشهر وأول من كتب عن الجاسوسية والعمليات التي قامت بها المخابرات المصرية، ستجد أن هناك شخصا في أكثر من حكاية اسمه الأستاذ)، عند هذا الحد من تدفق المعلومات العجيبة تدخلت النيابة العامة وأصدرت بيانا مفاجئا ليلة الأربعاء الماضي قالت فيه: laquo;كشفت تحقيقات أمن الدولة العليا عن أن طارق عبد الرازق، المتهم بالتجسس، سلم المخابرات الإسرائيلية كشفا بأسماء سوريين ولبنانيين ومصريين من خلال المواقع التي تم إنشاؤها من قبل الموساد بعد أن قاموا بإعطائه كلمة المرور لهذه المواقع والشركات الوهمية التي كانت تنشر إعلانات عن حاجتها لمهندسين وفنيين في مجال الاتصالات؛ حيث كان يقوم بترشيح أسماء من يراهم مؤهلين للعمل في الموساد، ولم يخبره ضابط الموساد إيدي موشيه بمن تم تجنيدهم لصالح المخابرات الإسرائيلية، ولكن المتهم (خمن) أنه تم تجنيدهم بعد أن طالع تلك المواقع ووجد اختفاء تلك الأسماء من عليها. بينما أكد مصدر قضائي أن الموساد لم يجند مصريين آخرين من خلال المتهم بالقضية، كما أن الجاسوس، الملقب بالأستاذ، الذي ورد على لسان الجاسوس طارق بالتحقيقات، هو شخصية وهمية اصطنعها المتهم لتبرير جريمته المشينة وإظهار إلحاح وسعي ضابط الموساد الإسرائيلي، المتهم الثاني في القضية، لإقناعه بالاستمرار في التعاون معه والعمل ضد المصالح المصرية. كما أوضح المصدر القضائي أنه لا يوجد متهمون مصريون آخرون. كما أنه لم يسبق للموساد الكشف عن عملائه السريين لأي شخص، بهذه الطريقة الساذجةraquo;.
ثبت لدى جهات التحقيق أن المتهم اخترع شخصية لا وجود لها، كما ثبت لها، من خلال حديثه عن سلوك ضباط الموساد معه، أن تصديق ما يدلي به من أقوال، يتطلب قدرا عاليا من السذاجة، ولكن هل اخترع المتهم هذه الشخصية وحدها؟
المصدر الوحيد في هذه القضية هو المتهم نفسه، وهو ما يجعل الوصول إلى الحقيقة فيها يكاد يكون مستحيلا أو هو مستحيل بالفعل؛ لأن الأطراف الأخرى لن تتطوع بالإدلاء بشهادتها أو بأقوالها، يستطيع المحقق التأكد أنه سافر إلى المكان الفلاني والعلاني، أما من قابل هناك وعلى أي شيء اتفقا، فهذا ما لا سبيل إلى معرفته.
لا أستطيع تصديق كل مشاهد هذا الفيلم الذي تولى المتهم تأليفه والقيام فيه بالبطولة المطلقة، فيما عدا ما نسميه المشهد الإجباري، وهو المشهد الأول الذي يرسل فيه المتهم رسالة إلكترونية للمخابرات الإسرائيلية يطلب فيها العمل معهم، ثم المشهد الأخير وهو ذهابه إلى السفارة المصرية، أما ما عدا ذلك من مشاهد فأنا عاجز عن ابتياعها.
ما لم يكن هذا الرجل يعاني مرضا عقليا تفجر بداخله بفعل الفشل والفقر والغربة، وهو ما يقرره الأطباء، فهو على الأقل كاذب بالجبر (Compulsive liar) أي أنه شخصية سيكوباتية عاجزة عن الصدق مع النفس والغير، هو يستمتع بالكذب والاختلاق ولا توجد قوة على الأرض قادرة على دفعه للصدق في شيء.