قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عوني فرسخ

أتفق تماماً مع القائلين إن انفصال جنوبي السودان، الذي أسست له بريطانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، ومخطط تفتيت شماليه الذي تلوح نذره، ليسا إلا بعض الحصاد المر لعدم تحقق وحدة مصر والسودان، التي كانت ستشكل مانعة للمداخلات الخارجية، وقصور الحكومات السودانية المتوالية منذ الاستقلال عن تغليب عوامل الوحدة على نوازع الانفصال . غير أن محاولة بعضهم الايحاء بأن عبدالناصر هو المسؤول تاريخياً عن اعتماد حكومة إسماعيل الأزهري خيار الانفصال بعد انتخابات عام ،1954 كنتيجة لإقالة محمد نجيب والصراع الذي احتدم مع الأحزاب وجماعة الإخوان المسلمين، ادعاء قديم يستدعي الإجابة عن سؤال: هل أجهض عبدالناصر حقاً وحدة وادي النيل؟

وفي الإجابة أذكر مستعيدي الادعاءات القديمة بأنه قبل أن ينقضي أسبوعان على حركة 23 يوليو/ تموز تلقى قادتها مشروع ldquo;حكم ذاتيrdquo; للسودان وضعه الحاكم العام البريطاني، مطالباً بإبداء ملاحظاتهم عليه قبل 8 نوفمبر/ تشرين الثاني ،1952 فعقد ldquo;مجلس قيادة الثورة برئاسة محمد نجيب في منتصف أغسطس/ آب اجتماعاً تدارس فيه المذكرة البريطانية، وانتهى إلى عدم جدوى الاحتجاج بحق مصر الموروث عن العهد العثماني، كما اعتادت الحكومات السابقة، وإنما تعديل المشروع البريطاني ليعطي السودانيين أكبر قسط من السلطات، والإصرار على خروج بريطانيا من السودان في أقرب فرصة، ليقرر شعب السودان مصيره بحرية، فإن اختار الاستقلال تكون مصر قد ربحت سوداناً مستقلاً لا يحتله الإنجليز ولا يتحكمون بهrdquo; .

وعليه جرى الانفتاح على الأحزاب ldquo;الاستقلاليةrdquo; السودانية، واستقبال زعيم حزب الأمة عبدالرحمن المهدي استقبالاً حافلاً، وتأكيد إيمان مصر بحق السودان في تقرير المصير، كما جرى العمل لدمج الأحزاب ldquo;الاتحاديةrdquo; في ldquo;الحزب الوطني الاتحاديrdquo; بزعامة إسماعيل الأزهري، وترأس صلاح سالم وفداً زار جنوبي السودان وعاد يحمل تواقيع رؤساء قبائله، بما فيها الدنكا، بتأييد مطالبة مصر بتمكين السودان من تقرير مصيره . وإلى جانب الإجماع السوداني أدى الإعلام المصري دوراً إيجابياً في دعم المفاوض المصري، كما أسهم التدخل الأمريكي عند بريطانيا في نجاح المفاوضات التي انتهت في 20 فبراير/ شباط 1953 بالتوقيع على اتفاقية نصت على إقامة حكم ذاتي كامل في السودان لثلاث سنوات، يحتفظ خلالها السودانيون بالسيادة، وبحيث تنتخب في نهايتها ldquo;جمعية تأسيسيةrdquo; تقرر مصير السودان بالارتباط بمصر على أي صورة أو تختار الاستقلال التام .

ولقد رأى البرلمان البريطاني أن الاتفاقية فسحت المجال لتدخل مصر في شؤون السودان، بما يهدد مصالح بريطانيا، التي كانت قد أوهنت علاقات السودان بمصر، خاصة الاقتصادية، إذ ربطته اقتصادياً بالسوق البريطانية . ولتدارك الخطر المحتمل توجه الوزير سلوين لويد إلى الخرطوم، حيث شكل مع المهدي جبهة ldquo;استقلاليةrdquo; لخوض الانتخابات، وألف ldquo;حزب الأحرار الجنوبيrdquo;، الذي تحول إلى ldquo;جبهة الجنوبrdquo; بقيادة جون قرنق . وبالمقابل، دعمت مصر ldquo;الحزب الوطني الاتحاديrdquo; مالياً وإعلامياً وسياسياً، بحيث حقق فوزاً كاسحاً في الانتخابات .

غير أن إسماعيل الأزهري ما إن تولى رئاسة الحكومة حتى امتنع وقادة حزبه عن انتقاد بريطانيا، وأعلنوا أن المهمة الأولى لحكومتهم تنفيذ ldquo;اتفاقية السودانrdquo; . ودعي نجيب وصلاح سلام لحضور احتفال افتتاح البرلمان في 2/3/1954 فاستقبلا بخمسين ألفاً من ldquo;الأنصارrdquo; المسلحين يهتفون ldquo;لا مصري ولا بريطاني السودان للسودانيrdquo; في استعراض قوة نظمه المهدي . ووقع صدام حول المطار وقصر الرئاسة ما اضطر الشرطة إلى تهريب محمد نجيب ومرافقيه من الأبواب الخلفية، وأجل افتتاح البرلمان، ولم يدع نجيب لحضوره .

وفي استقبال نجيب الصدامي في السودان، ما يؤكد محدودية تأثير الأزمة معه في قرار استقلال السودان . وفي تفنيد الادعاء حول مسؤولية عبدالناصر كتب خالد محيي الدين في كتابه ldquo;الآن أتكلمrdquo; يقول: ldquo;كانت قضية الجلاء هي الهم الأول لعبدالناصر، ولهذا فقد قبل الوصول إلى تسوية حول السودان . والحقيقة أن اتفاقية السودان كانت جيدة، فقد رسمت للسودان طريقاً محدداً، إما الاستقلال وإما الوحدة مع مصر، وكلاهما يمثل خطوة إيجابية بالنسبة إلى التخلص من الاحتلال البريطاني هناك . وقد أتت الانتخابات وفق توقعاتنا بالاتحاديين، لكنهم ما إن أصبح بإمكانهم حكم بلدهم حتى وضعوا شروطاً للوحدة كان من الصعب قبولها في هذا الوقت . ولم يكن عبدالناصر مستعداً لأن يربك معركته من أجل الجلاء بالدخول في مماحكات حول السودان . ولقد قال كثيرون إن عبدالناصر ضحى بالسودان من أجل الجلاء عن مصر . والحقيقة أن عبدالناصر لم يكن يملك شيئاً في السودان . وما قبله عبدالناصر إنما هو تقرير المصير للسودان، وهو مبدأ صحيح، وما كان بإمكان مصر التي تسعى جاهدة لاستقلالها أن تفرض سيطرتها بالقوة على بلد آخرrdquo; . وفي شهادة خالد محيي الدين الجواب الوافي للسؤال التاريخي .