قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

وائل مرزا

ثمة نوعٌ غريبٌ من القوة ينبع من العجز. وهو نوعٌ يجدر الانتباه إليه في العالم العربي تحديداً هذه الأيام.
لايمكن للعجز مثلاً أن يتجلّى في مشهدٍ أكثر من أن يحرق الإنسان نفسه. وهذا مافعله مواطنٌ في بقعة نائية من جنوب تونس منذ أسابيع. لكن قوة العجز تجلّت بدورها في الأحداث التي فجّرتها تلك الممارسة لأسابيع. وبمعنى من المعاني، يمكن القول أن من شاركوا في تلك الأحداث كانوا يشعرون بدرجةٍ أو أخرى من العجز.
العجز إذاً شعورٌ هائلٌ ومدمِّر.. وهو حين لا يُعالج بالطريقة المناسبة، فإن نهايته تكون دوماً إلى الانتحار. وهذا الانتحار إما أن يكون ذاتياً مقصوراً على النفس، أو يكون انفجارياً على قاعدة (عليّ وعلى أعدائي) المعروفة، وبشكلٍ يعبّر بقسوة عن ذلك الشوق الكامن في الأعماق للتغيير، والمتداخل مع شعورٍ فظيعٍ بالافتقار لأي طريقةٍ من طرق التغيير، اللهم سوى التغيير عبر إلغاء هذا الوجود الذي يصعب فيه التغيير بشكل كامل.. أي عبر إنهاء وجود العاجز ووجود الآخر كلياً.. وفي الحالتين، يعاني المجتمع الذي توجد فيه هذه الظواهر من آثارها بشكلٍ مؤلم، وعلى جميع المستويات.
والعجز الذي نتكلم عنه هو ذلك الشعور الذي يُحاصرُ الإنسان ويُقنعه بأنه فردٌ من أمةٍ مهزومة بجميع المقاييس. إنه شعور الإنسان الذي يتلفت من حوله فلا يرى إلا ما يُصيبه بالإحباط على كل صعيد في داخل أوطانه. من افتقاد الحرية والكرامة والمشاركة والشفافية والمسؤولية وسيادة القانون، إلى غياب التخطيط العلمي والتنمية الحقيقية والازدهار، إلى طغيان الجهل والفقر والمرض والفساد والزيف والنفاق. حتى إذا ما امتلك ذلك الإنسان القدرة على النظر خارج إطار بلده ومجتمعه تجاه العالم، أَبصرَ واقع التجزئة والفرقة والغدر والتناحر يملأ أرجاء أمته الكبيرة، ثم رأى قيود التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية تحيط بها إحاطة السوار بالمعصم من كل حدبٍ وصوب..
لايُعفي هذا الواقعُ الإنسانَ نفسه من مسؤوليته. لكن المشكلة أن الثقافة السائدة تساعد على ترسيخ مشاعر العجز لديه من كل حدبٍ وصوب. فهي تشجعه على أن يتخبّط في كل اتجاه، ليس فقط على صعيد البحث عن وسائل يتجاوز بها عجزه ويعالج مشكلاته، وإنما أيضاً على صعيد فهمه لأسباب تلك المشكلات وجذورها الحقيقية. وبدلاً من أن يعكف على ذاته ليبحث عن أسباب وجذور مشكلاته في داخله قبل أي شيءٍ آخر. تطبيقاً لهدي الوحي الذي كان يدفع الأنبياء دوماً إلى تلك الممارسة عبر شعارهم الأول والمتكرر في مواجهة الأزمات: (إني ظلمت نفسي).. بدلاً من ذلك، يُركّز الإنسان بَصَرَهُ نحو الخارج.. وعلى وجه التحديد نحو الآخر أياً كان، يبحث فيه عن أسباب أزماته. وتتعدد بالتالي عنده مستويات ودوائر اللوم على تلك الأزمات بشكلٍ يتناسب طرداً مع طبيعة كل أزمة.
ويغلب عادةً أن تبدأ المتوالية بِلَومِ الآباء والأجداد. فإذا لم تكن المشكلة فيمن ربّاه وأنشأه، فهي في المحيط المباشر من حوله. وإذا لم تكن المشكلة في ذلك المحيط، فهي في الجماعات والمذاهب والفرق الأخرى. وإذا لم تكن المشكلة في تلك الجماعات والمذاهب والفرق فهي في المجتمع بشكل عام. وإذا لم تكن المشكلة في المجتمع، فهي في الحاكم والنظام السياسي. وإذا لم تكن المشكلة في الحاكم والنظام السياسي فهي في الغرب الصليبي وفي الصهيونية العالمية وفي الاستعمار. وباختصار، فالمشكلة هي في كل شيءٍ آخر يقع خارج نطاق الذات، وخارج إطار مسؤوليتها المباشرة.
نحن هنا إذاً بإزاء مشكلةٍ مركبّة. حيث يدفع الواقع اليومي الصعب الإنسانَ إلى زاوية العجز، ثم تأتي الثقافة السائدة لتحاصره فيها. وهذه حالةٌ ترفع تدريجياً مشاعر العجز من مستواها الفردي إلى مستواها المجتمعي والحضاري. وعندها، يجب أن يشعر المجتمع بالخطر، بل وبالخطر الكبير.
إن حقيقة الاجتماع البشري تؤكد أن الإنسان يستمدُّ جزءاً كبيراً من شعوره بقيمته الذاتية في الحياة من خلال إحساسه بقيمة هويته الحضارية في هذا العالم، ومن خلال إحساسه بالمكانة التي تكون للأمة التي ينتمي إليها بين الأمم والشعوب، وهي مكانةٌ تستمدها كل أمة من المنظومات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية المنبثقة عن تلك الهوية. وكثيراً ما تُظهر الوقائع كيف يمارس الضعيف من أبناء الأمة التي تشعر بالقوة والانتصار ممارسات المنتصرين أمام أبناء الشعوب الأخرى، وكيف يمارس القوي من أبناء الأمة التي تشعر بالهزيمة ممارسات المهزومين أمام الآخرين، وخاصة أمام المنتصرين والأقوياء.
وحين يشعر الإنسان أن قيمة هويته الحضارية تتآكل بشكلٍ كبير. وأن مكانة الأمة والحضارة التي ينتمي إليها تتدهور بصورةٍ متواصلة. وأن (الإنجاز) المنتظر من تلك الهوية ومن هذه الأمة يكاد يكون معدوماً داخلياً وخارجياً.. بينما الشعوب والأمم والحضارات الأخرى تتسابق صُعُداً على طريق التدافع الحضاري، فإنه يفقد الشعور بقيمته الذاتية، ويفقد القدرة على إدراك الكمون الموجود في هويته الحضارية، ويفقد الثقة بأمته ونظامها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي.. إلى درجة تجعله يغرق في مشاعر العجز الحضاري الكامل، وصولاً إلى الانتحار أو الانفجار..
وإذا ماعمّ هذا الشعور في أي مجتمع، فإنه يُولّدُ قوةً عشوائية وفوضوية ضخمة لايمكن أن تقف في وجهها أي قوة، ويخلق واقعاً معقداً لايمكن التعامل معه أبداً بعقلية إدارة الأزمات. بل قد يصبح الواقع المذكور من ذلك النوع الذي لاتنفع في تخفيف حدّته حتى مظاهر الاكتفاء اليومي على المستوى الشخصي.. لأنه يصبح شعوراً أعمق بكثير في وجدان الإنسان العربي والمسلم من أن تفلح في معالجته تلك المظاهر. فهي قد تفيد في تغطية بعض الحاجات المادية عند ذلك الإنسان، بل وربما تعمل على تغييب الحاجات النفسية والفكرية الحساسة الأخرى لبعض الوقت، ولكنها لا يمكن أن تنفع على المدى الطويل في تلبية متطلبات تلك الحاجات النفسية والفكرية التي تعطي الإنسان شعوره بكرامته وقيمته الحقيقية في هذه الحياة.