قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

رغيد الصلح

في الأنظمة الديمقراطية تضع الأزمات الحكومات على المحك، أما في الأنظمة التي تعاني من العجز الديمقراطي فإن الأزمات تضع النظام برمته على المحك . ونحن في لبنان نواجه النوع الثاني من الأزمات . فالنظام اللبناني لم يوضع على المحك مرة واحدة فحسب خلال تاريخ لبنان السياسي الحديث، وإنما تعرض مراراً إلى أزمات مصيرية . البعض يرى التاريخ اللبناني رحلة تنقل بين الأزمات مثل الأزمة التي يمر بها لبنان اليوم والتي تشد على عنقه منذ منتصف العقد الفائت . هذه الحلقة المفرغة من التنقل بين لحظات التفاؤل وساعات اليأس والبؤس تحتم البحث ليس عن محطة مؤقتة ننتقل إليها، بل عن طريق جديد للتطور الآمن والمستقر . تحقيق هذه الغاية يقتضي التدرج عبر المنعطفات والخطوات التالية:

1) التحليل الدقيق لمسببات الأزمات والمعضلات التي ألمّت بلبنان عبر التاريخ . من البديهي أن يبدأ هذا التحليل أحادي الطابع، أي أن يقوم به أفراد من أهل الرأي أو جماعات . ولكنه لا بد أن يتحول في نهاية المطاف وحتى يكتسب طابعه المشروع إلى تحليل جماعي يعبّر عن نظرة الأكثرية الساحقة من اللبنانيين . الاتفاق على مثل هذا التحليل هو بمثابة تشخيص يقوم به الطبيب - الذي يضطلع بدوره في هذه الحالة أهل الرأي والقرار - لعلة يشكو منها المريض . من دون هذا التشخيص لا يتمكن الطبيب من أن يصف الدواء السليم للمريض . وإذا كان التشخيص خاطئاً أو ناقصاً، فإن الطبيب قد يقضي على المريض بدلاً من أن يقضي على العلة التي يشكو منها .

التشخيص الرائج حتى الآن هو تحميل الطائفية في لبنان السبب في كافة المصاعب التي واجهها . هذا التشخيص يحمل الكثير من التبسيط . إن الطائفية هي بيئة مناسبة تنمو فيها الكثير من الأمراض والأعراض التي يعاني منها لبنان . ولكن هذا التحليل إذ يركز على علة واحدة يتجاهل عللاً أخرى (التدخل الأجنبي، الاحتلال، النزعة إلى الاستبداد، العنف، الاقصائية، الفساد إلخ . . .) لا تقل خطورة عن الطائفية .

2) إجراء مراجعة وتقييم للحلول التي طبقت في الماضي حتى هذا التاريخ من أجل معالجة المعضلات التي واجهت الجمهورية اللبنانية منذ ولادتها . في مقدمة هذه الحلول ما تجمع في سلة التشريعات والقوانين والإجراءات التي دعاها بعض علماء السياسة وفي مقدمتهم الهولندي د . آرندت ليبهارت واللبناني د . أنطوان مسرة في لبنان بنموذج الديمقراطية التوافقية .

يخلط البعض بين الديمقراطية التوافقية والنظام الطائفي . فالطائفية هي في نظر النخبة السياسية اللبنانية هي علة النظام . من هنا اعتبر البيان الوزاري الأول لحكومة الاستقلال أن الخلاص منها ساعة يقظة وطنية، ومن هنا دعا اتفاق الطائف إلى تجاوزها . بالمقارنة فإن الديمقراطية التوافقية هي نموذج لنظام سياسي مقترح للحفاظ على الديمقراطية وعلى الوحدة الترابية في المجتمعات التعددية . بتعبير آخر إن الطائفية هي المرض، أما الديمقراطية التوافقية فهي الدواء . قد لا يكون هذا الدواء مناسباً، ولكنه في كافة الحالات، لا يجوز وضعه في سلة واحدة مع الطائفية .

الديمقراطية هي، في نظر بعض مناصريها، ليس أفضل الأنظمة السياسية وإنما هي أقلها سوءاً . استطراداً يمكن القول إن الديمقراطية التوافقية هي ليس أفضل النماذج الديمقراطية ولكن أقلها سوءاً! ولا ريب أنه من المستطاع الانتقال من الديمقراطية التوافقية إلى الديمقراطية العددية . بيد أن بعض اللبنانيين قرر أن لبنان حقق هذا الانتقال فعلاً! متى حدث هذا الانتقال وكيف؟ هل مررنا بساعة الخلاص الوطني حقاً؟ هل تشكلت الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية؟ هل أنجزت مهماتها ووضعت مقترحاتها؟ هل أخذ الجسم السياسي اللبناني بهذه المقترحات فانتقلنا بموجبها إلى نظام الأكثرية العددية؟ نعم، يجيب هذا الفريق من اللبنانيين، تم ذلك وأصبح نظام لبنان أكثرياً بعد أن كان ديمقراطياً توافقياً .

في هذه الحالة كيف نفسر الفقرات التي تتضمنتها وثيقة الطائف والدستور المعدل المنبثق عنها حول العيش المشترك استمرار المناصفة في عدد النواب؟ كيف نفسر توزيع المراكز الرئاسية الثلاث على الطوائف اللبنانية الرئيسية؟ كيف نفسر توزيع المناصب الإدارية الرئيسية على الطوائف عموما؟ بل كيف نفسر المادة المتعلقة بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية؟

إن النموذج الديمقراطي الذي في لبنان اليوم هو ليس نموذجاً للديمقراطية الأكثرية ولا هو بالنموذج للديمقراطية التوافقية بصورة حصرية وإنما هو نظام هجين يجمع بين سمات النموذجين معاً . حتى نعالج الشأن الطائفي ونقلص من تأثيره السلبي في الحياة العامة في لبنان فإنه لا بد من تقييم هذه التجارب بعقل متجرد وبعين على مستقبل النظام السياسي اللبناني وبرغبة في استمرار الديمقراطية اللبنانية وترسيخها .

3) يمكن إدراج الحلول المقترحة لإنقاذ النظام السياسي اللبناني في إطار نهجين رئيسيين:

أ- الدعوة إلى تطوير النظام الحالي، أي الحفاظ على مكوناته الديمقراطية التوافقية . وهذه الدعوة لم تتبلور بعد في مشروع ناضج .

ب- الدعوة إلى الانتقال إلى نظام ديمقراطي أكثري يقوم على المواطنة .

إن التركيز على واحد من هذين النهجين لا يعني صرف النظر عن النهج الآخر . الحقيقة أنه لا يمكن التخلي عن نظام الديمقراطية التوافقية راهناً لأن البديل عنه قد يكون ldquo;سودنةrdquo; لبنان كما يقدر الكثيرون . الطريق السليم لتطوير النظام اللبناني بأفق غير طائفي يقتضي تطبيق نموذج الديمقراطية التوافقية بصورة مؤقتة مع تحديد مهلة زمنية للانتقال إلى نظام أكثري يقوم على المواطنة . هذا البرنامج الزمني ضروري حتى لا يتحول المؤقت إلى دائم، أي كما حصل منذ إعلان الدستور اللبناني عام 1926 الذي نص على مراعاة مصالح الطوائف اللبنانية .

المجال الأفضل لتحديد البرنامج الزمني للانتقال إلى نظام أكثري هو الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية التي نص الدستور اللبناني على تشكيلها ولكنها لم تشكل حتى تاريخنا هذا . كذلك فإن الدستور يسمح بتحويل هذه الهيئة إلى رقيب على تطبيق برنامج التحول نحو الديمقراطية الأكثرية . في كافة الأحوال ينبغي تأكيد أن معالجة الشأن الطائفي لا يغني عن معالجة العلل الأخرى التي يعاني منها النظام السياسي في لبنان مثلما تعاني منها العديد من الأنظمة السياسية في الوطن العربي .