قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله السويجي

لا جديد في القول إن العالم متعدد الديانات والمذاهب والطرق والثقافات والاتجاهات والسياسات والرؤى والأهداف، كما هو متعدد الأنظمة السياسية والاقتصادية، ولا جديد أيضاً في القول إن في هذا التعدد اختلافاً أدى إلى مصادمات وحروب أهلية ودينية وعرقية وثقافية، وكل دين وثقافة تعتقد أنها هي الأصوب والأصدق والأكثر قرباً من الله والعدالة والحقيقة . البعض استغل الدين في السياسة، والبعض جيّر السياسة للدين، هي طبيعة البشر التي، في جزء منها، يطرح مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فينسى رجل الدين قيمه، وينسى السياسي شعبه، ويتجاهل المثقف مجتمعه في سبيل الوصول إلى الأهداف التي يعتبرها مقدسة، أو يغلفها بالقداسة .

وعالمنا العربي لا يختلف أبداً، فهو يحتضن كل الديانات والثقافات والأنظمة، وكل فئة متمسكة بما هي عليه، ومن هنا تبرز فكرة التعايش السلمي، وهذا ممكن جداً لو انتهجت السياسات العامة لأنظمة الحكم استراتيجية التعايش، واعترفت بحق الأقليات وأطياف المجتمع، ولا تعمل على ترجيح كفة ضد أخرى، لكن هذا لم يحدث، وهو ناتج عن قصور ثقافي ومراهقة سياسية غير مسبوقة أدت إلى شرذمة المجتمع وشق صفوفه، ورسخت العداوة بين أبناء الوطن الواحد، فلم يعد المواطن ينتمي إلى الوطن، وإنما إلى الدين والعقيدة والمذهب، وهذا ما جعل المواطن العربي ينتمي إلى بلد آخر غير البلد الذي يحيا فيه منذ عشرات السنين، ما أدى إلى خلل في الانسجام المجتمعي والتضامن الوطني، فتفسخت بعض المجتمعات وانقسمت، وأعلنت ولاءها الصريح وجاهرت بالانتماء إلى قادة ليسوا قادة بلدها، ما قاد إلى فكرة يعاني منها الشعب العربي اليوم، وهي الدين هو الوطن، وبالتالي، صار الانتماء للدين ورموزه وليس للوطن وقادته .

إن هذا الأمر قاد إلى فكرة أخرى للتعايش، تشكل إشكالية خطيرة ومقيتة، تعايش المواطن مع النظام، وما يمنع هذا التعايش هو الاختلاف في المعتقد، وأسباب أخرى تشمل عدم اهتمام النظام إلا بترسيخ رجالاته وأفراد أسرته ومؤسساته، على حساب قوت الشعب ومستقبله وتلبية حاجاته الخاصة والعامة، فظل الفقير فقيراً، والغني ازداد غنى وفحشاً، وبناء على ذلك، ظلت مناطق كثيرة داخل الوطن الواحد متخلفة، بعضها لم تصلها الكهرباء، فكيف سيصلها نور المعرفة والعلم، وكيف ستتقدم وتتطور وتتفاعل مع بقية المناطق التي تشكل المجتمع؟ وبهذا نصل إلى إشكالية تعايش النظام مع الشعب . وقد أثبتت الأحداث الأخيرة في بقاع عديدة في العالم العربي، أن التعايش كان هشاً، وناتجاً عن القمع ومصادرة الحريات وممارسة أنواع البطش والتعذيب على الشعوب، التي تنتهز فرصة أي حادثة كي تخرج إلى الشارع وتعبر عن سخطها، وهناك شعوب لا تصلها وسائل الإعلام، وتمارس أنظمتها تعتيماً مخجلاً في زمن تزدهر فيه ثورة الاتصالات وتقنية المعلومات، وتتحول هذه الشعوب إلى رهائن وسجناء للنظام .

قبل فترة، خرجت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لتعلن فشل التعايش في المجتمع الألماني، مستندة في ذلك إلى البطء الشديد للأجانب في الاندماج في المجتمع الألماني، وكانت تعني بشكل رئيس المسلمين . وعلى الرغم من اعترافها بأن الدين الإسلامي هو جزء من المجتمع الألماني، إلا أن نظرتها لموضوع الاندماج كانت تعسفية، فهي تريد من المسلم أن يندمج في المجتمع، أي يتبع أسلوب حياة الشعب الألماني، وهو معيار لا حضاري ولا إنساني، كما تفعل بعض الأنظمة الأوروبية إن لم يكن كلها، حين تضع معايير غريبة للاندماج، كتربية كلب، والعلاقة المكشوفة بين الرجل والمرأة، وحرية العلاقات العاطفية، وغيرها، وهنا، تطالب هذه الأنظمة بتذويب المهاجرين في ديانتها وأساليب عيشها ومجتمعها، بينما يطالبون بتطبيق حقوق الإنسان، التي تستند إلى حرية المعتقد والفكر وحرية التعبير عن الرأي، وهنا يظهر تناقض مقيت في هذه البلدان التي تدعي التحضر والتقدم .

ما يبعث على الأسى، هو جنوح بعض الأنظمة العربية إلى تقليد الأوروبيين في هذا الأمر، وهو تذويب كافة شرائح المجتمع في بوتقة واحدة، ودائرة واحدة، فيتم التفريق بين الديانات، وتشن بعض التنظيمات الدينية هجمات مسلحة ضد أديان أخرى (ينسبون الهجمات إلى قوى معادية كالعادة)، لتنزرع الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، والوطن الواحد، فنصل إلى فكرة أن الدين هو الوطن، وهي فكرة رسختها دول كبرى في العالم العربي خوفاً من تنامي الحس القومي، إلا أنها تحصد الآن نتائجها، وتسميها إرهاباً .

إن هذه الممارسات القديمة المتجددة، وفشل التعايش داخل الوطن الواحد، والمجتمع الواحد، وبتحريض من قوى خارجية، أدى إلى نشوء حركات انفصالية تطالب بالاستقلال وتقرير المصير، كما يحدث الآن في السودان، وكما هو حاصل في العراق، وكما يمكن أن يحصل في لبنان، أو أي بلد آخر يضم أدياناً ومذاهب مختلفة عدة، ما يعني، تقسيم بعض دول العالم العربي إلى دويلات تابعة إلى دول أخرى .

هل فشلت فكرة التعايش إذاً بين أبناء الوطن الواحد، وهل الفرد مسؤول عنها، أم أن الفرد أصبح أداة مجبرة على السلوك المختلف، والسبب الرئيس يكمن في جهات أخرى؟ مهما كان السبب، فإن فكرة التعايش في خطر، وبعض الأنظمة العربية في حاجة ماسة لإعادة التفكير في صياغة جديدة وصريحة لدساتيرها، والأخذ في الاعتبار هذا التنوع الذي من المفترض أنه يثري الثقافة الوطنية ولا يمزقها، يغنيها ولا يشرذمها، ويميزها ولا يفصلها، ويجب أن تتبع هذا حملة لترسيخ ثقافة جديدة، تنقذ العالم العربي من أخطر ما يهدده، وهو التمزق المجتمعي، وصعود الحساسية المذهبية والعقائدية، الذي سيؤدي إلى الانفصال كما أسلفنا، والانفصال سيستدرج الحالمين بتمزيقنا، كي يكونوا على أعتاب بيوتنا، ينهشون جدرانها نهشاً، وعيونهم على ساكني البيوت .