قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مالك التريكي


الأزمة التي ثارت أخيرا بين المسلمين، المصنفين رغما عنهم 'سنة' و'شيعة'، بسبب خلافات فردية لا يقاس عليها هي أزمة من جنس الرزايا والبلايا التي قال فيها أبو البقاء الرندي 'لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان'. إلا أنه قد كان للأزمة إيجابياتها. حيث اتحدت مواقف الكتاب وعلماء الدين في التأكيد على وحدة الأمة الإسلامية، بل إن بعضهم ذهب إلى القول بأن المذهب الاثنا عشري لا يعدو أن يكون مذهبا خامسا في الإسلام.
وكما كان للأزمة إيجابياتها فقد كان لها أيضا طرائفها. حيث تمكن مذيع تلفزيوني من أن يستدرج سياسيا مسيحيا لبنانيا إلى الموضوع، فإذا به يدلي بدلوه هو أيضا ويقول: 'لا أفهم لماذا هذا التفريق والتمييز في صلب الدين الواحد، إذا كان النبي محمد نفسه لم يكن يفرّق بين سني وشيعي'!!!
'ملاحظة' سوريالية فاجأت المذيع فتجاوز عنها صفحا. أو لعله لم ينتبه إلى طرافة ما تبشر به من قول 'نيو-تاريخي' يعادل القول بأن عيسى عليه السلام لم يكن يفرق بين أرثوذكسي وكاثوليكي وبروتستانتي، بل كان يعامل الجميع على قدم المساواة! على أن القصد من 'الملاحظة' واضح: وهو أن المسلمين متحدون في الإيمان برسالة محمد، ففيم التنابز بين سنة وشيعة؟ (تماما كما أن سياقات أخرى تقتضي الإقرار بحقيقة أن المسلمين والمسيحيين متحدون في الإيمان بالله سبحانه، ففيم التناحر بين هلال وصليب؟).
وأيا يكن الأمر، فليس السياسي اللبناني في ما ذهب إليه من هذا القول 'النيو-تاريخي' بملوم. فقد كثر اللغط في هذا الشأن، منذ بدء 'اهتمام' أمريكا بالعراق قبل عقدين، إلى حد أنه قد ساد تصور لدى غير المسلمين -تصور بأثر رجعي بلوغا إلى... عهد النبوة!- بأن المسلم لا يمكن أن يكون إلا سنيا أو شيعيا. إلا أن المسألة ليست غائمة بالنسبة لغير المسلمين فقط. بل هي غائمة، أو بالأحرى غير ذات معنى، بالنسبة لكثير من المسلمين أيضا. حيث أن المواطن العادي في بلاد المغرب العربي، مثلا، كان حتى قبل عقدين لا يكاد يسمع بقضية السنة والشيعة هذه أصلا. كلام يبدو غير قابل للتصديق. لكنه الواقع. تماما كما أن الواقع هو أن المواطن العادي في المغرب العربي لم يكن يكاد يسمع، قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، بوجود مسيحيين عرب. حيث كان الظن، حتى ذلك الوقت، أن كل العرب مسلمون.
ولعل من أسطع الأدلة على أن ابن المغرب العربي كان طيلة القرون القليلة الماضية يدرك ذاته على أنه مسلم فحسب، ولم يكن يخطر بباله أنه 'سني' تتحدد هويته إزاء مسلم آخر يعرّف بأنه 'شيعي'، أنك تجد في العائلة الواحدة اسم عثمان مع اسم الحسين مثلا. بل إني أعرف حق المعرفة رجلا اسمه عليّ كان يعتزم على بركة الله أن يسمي ابنه البكر معاوية! وهذه حقيقة أخرى في مغرب الوطن العربي، وهي أن عموم الناس يجلّون جميع الصحابة دون استثناء. إلا أن للإمام علي 'كرم الله وجهه'، بطبيعة الحال، مكانة أثيرة في القلوب. فهو ابن عم النبي وزوج فاطمة الزهراء. رباه الرسول صلى الله عليه وسلم تربية الأب لولده فجمع محاسن العلم والتّقى والعدل والإقدام. معروف، حتى لدى العامة، بأنه ارتقى في البلاغة مرتقى بوّأ كلامه مقاما إعجازيا: 'دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق'. بل إن اسم الإمام علي قد اقترن، في الضمير الشعبي، بقول الحق والحكم بالحق. ولذلك فإن الناس في تونس، مثلا، تقول عن الشخص الذي يطول به الخطأ، أو يبطئ به الباطل، ثم يتبين له الحق فيبادر إلى فضيلة الاعتراف به: لقد 'رجع له شاهد سيدنا علي'!
فإن أنت أطلقت على بلاد المغرب العربي ذلك الوصف الذي اشتهرت به مصر، أي 'سنية المذهب شيعية الهوى'، فإنك ما تكون عدوت الصواب. ذلك أن الضمير الشعبي هنا وهناك قد تشرّب روح التشيع القلبي (حب آل البيت) دون التفات لمنطق التشيع المذهبي (أي الموقف من مسألة الأحقية بالخلافة). فلا غرو، والحال هذه، أن يكون ابن خلدون (المنتمي إلى هنا وهناك) هو أفضل من لخص القضية إذ خلصها من جموح التأويل. ولا غرو أيضا أن يكون الإسلام الشعبي في هذا الجناح الواسع من الوطن العربي إسلاما يفوض أمر التاريخ إلى الله. أي أنه إسلام لا تحزّب فيه. 'إسلام بلا مذاهب' (حسب عنوان كتاب قيّم للدكتور مصطفى الشكعة كم تمسّ الحاجة اليوم إلى أن ينشر على أوسع نطاق).