قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يعقوب أحمد الشراح


شاهد العالم انتفاضة الشعب التونسي ضد رئيسهم بن علي بعد حكم دام نحو (23) عاما ظل بن علي جاثما خلالها على السلطة وحاكما بيد من حديد لدرجة انه وصف في العشرة اعوام الاخيرة بانه ديكتاتوري عنيد لا يتنازل عن كرسيه مهما كلفه ذلك من ثمن، بل لشدة تعلقه بالكرسي تغطرس واستبد بشعبه من خلال منعه لحرية التعبير عن الرأي والسيطرة على الاعلام والتشدد الأمني على حياة الناس ومضايقتهم في معيشتهم، وملاحقة المعارضين وسجنهم او حثهم على الخروج من البلاد، وما حدث لرئيس الوزراء محمد المزالي في عهد الرئيس بورقيبة خير دليل على تخلص بن علي من معارضيه عندما هرب المزالي الى فرنسا انقاذاً لحياته.
المفارقة ان هذه الانتفاضة التونسية كانت سريعة وغير متوقعة في هذا الوقت امام هدوء الاوضاع الداخلية التونسية رغم ان الكلام يدور الآن ان التخطيط لها بدأ منذ وقت بعيد، والغرابة انها انتفاضة اتسمت بالعنفوان وسرعة اندفاع الجماهير المطالبة بالحرية شملت غالبية المدن التونسية، ثم جاء الهدوء السريع خاصة بعد هروب بن علي وكأن جوهر المشكلة هو الرئيس وليس غيره ايضاً مظهر آخر برز على الساحة تمثل في ان كل القوى الداخلية اصطفت ضد الرئيس من قوات الأمن والجيش والمؤسسات وبعض الوزراء في حكومة الرئيس والاحزاب والافراد لدرجة ان الرئيس ظل لوحده لا حول له ولا قوة، يطالب بالهدوء ويعتذر عن اخطائه ويوعد بالمعالجة لكن لا جدوى، فالجماهير ثائرة ولن يوقفها شيء واصبحت تشكل خطراً داهماً على حياة الرئيس واسرته وكان هذا كافياً للرحيل وهروب الرئيس خوفاً على حياته.
مفارقة اخرى تعطينا معاني جديدة لدور الإعلام، خصوصاً الانترنت في نقل المعارف والأخبار وخلق روابط اجتماعية بين الناس شعر بها الكل في الانتفاضة التونسية، فمع ان الانترنت منعه بن علي في تونس مثلما احتكر التعبير عن الرأي واخضعه لسياساته الا ان بث المعلومات عبر الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لعب دوراً محورياً في التظاهرات التي قادت للاطاحة بالنظام التونسي.
ان الدروس من هذه الانتفاضة التونسية لا تختلف عن انتفاضات شعبية أخرى حدثت في دول ادت الى هروب رؤسائها او محاكمتهم من الشعب، مقاربات للحالة التونسية ينبغي التعلم من دروسها، فالكثيرون يتذكرون انتفاضة الشعب اليوغسلافي ضد الديكتاتور سلوفودان ميلوسيفتش، والرئيس القرقيزي باكييف، والبوليفي غونزاليس الذي هرب الى اميركا وشاه ايران الذي ذهب الى مصر ومات فيها، والليبيري تشارلز تايلور الذي هرب الى نيجيريا، وهكذا.
هروب هؤلاء الروساء وغيرهم ممن حوكموا من شعوبهم او قتلوا تعكس ان افعالهم غير مقبولة ومرصودة من شعوبهم، وان مراقبتهم من الناس ليست مستعصية رغم اعتقادهم بأنهم مصانون او محصنون من المحاسبة الشعبية، ان العبر او الدروس التاريخية عن حقائق الحكم تعكس اهمية ان يكون الحاكم ملبياً حقيقياً لتطلعات شعبه وساعياً لتلبية احتياجات الناس وترقية حياتهم وفق مبادئ كالأمانة والصدق والاخلاص ونظافة الضمير والشعور بالمسؤولية الوطنية. فمن دون ذلك لا تستقيم العلاقات بين الانظمة السياسية والشعوب، خصوصاً وان العالم اصبح يعاني مشكلات الفقر والجهل وتفشي الامراض واستغلال السلطة والنفوذ والصراعات من اجل التكسب وتأليب الناس على بعضها البعض من منظور ترسيخ ثقافة الكراهية والتغطرس والصراعات العرقية والمذهبية، والاكتفاء بوجاهة الجلوس على الكرسي والتكسب على حساب الشعوب.