قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نبيل عمرو

الجيل السياسي، الذي تجاوز عمر الستين.. وأنا منه بالطبع، يجب أن تكون قد نمت في وعيه وروحه، نزعة الحذر من الأحداث الكبرى، حتى لو كانت في خلاصاتها الراهنة ذات صورة إيجابية، وهذا الحذر الذي أعترف به، وأراه مفيدا بل ضروريا في أمر تقويم الأحداث، وقراءة تفاعلاتها، تولد عبر سلسلة من خيبات الأمل، وتحول الإيجابي إلى سلبي والنجاح في الإطاحة بنظام إلى الفشل في خلق بديله الأفضل، ما كان يجعلنا ونحن في أوج النشوة بنجاح انقلاب، أو ثورة أو تغيير، غافلين عن إدراك بديهية منطقية وهي احتمال أن نشعر بالندم على الابتهاج، بفعل فشل كامن تحت السطح.

وفي الشأن التونسي، لا أملك قراءة يقينية للخلاصات المرتقبة إلا أنني أرى ضرورة تسجيل بعض الملاحظات الأولية.

مع أن الأحداث بدأت قبل شهر على وجه التقريب، فإن انهيار الرئاسة التونسية، بدا سريعا كما لو أنه جسدا أصيب بسكتة دماغية، ولعل نظام الرئيس زين العابدين، الذي قدم نفسه للجمهور التونسي على أنه نسخة منقحة عن نظام بورقيبة، ووصفة حاسمة للبقاء والتجدد، بعد أن اقترن نظام بورقيبة بشيخوخة مؤسسه وقائده ورمزه، لعل هذا النظام وبحكم فائض القوة والسيطرة، لم ينتبه إلى أن المساحات الصغيرة في الجدران الصلبة تمتلك مع الزمن قدرة على زعزعة الجدار حتى التداعي والانهيار، لقد وقعت رئاسة زين العابدين في محظور الاطمئنان المفرط واليقين الراسخ بما بدا بديهيا، وهو مواصلة شعب تونس للتحمل ومواصلة مؤسسات النظام للطاعة والتماسك، دون الانتباه إلى عوامل تحريض شديدة التأثير ظن النظام أنه منعها من الوصول إلى الوعي الجمعي للشعب التونسي بينما كانت هي الأقوى والأفعل من حيث التأثير من كل ما فعل النظام على صعيد إحكام السيطرة وضمان الاحتواء.

إن ثورة الناس التونسيين كانت بمثابة زلزال انفجر بعد أن لم تنجح كل أجهزة الكشف المبكر عنه في تحديد قوته ونتائجه المحتملة، فكان ما رأيناه قبل رحيل زين العابدين بيوم واحد وهو ما كان يجب أن نراه قبل سنوات لو كان هنالك من يحسب بدقة.

إن ما يخيف ليس ذهاب زين العابدين وليس بعض مظاهر العنف والفوضى التي تشاهد الآن إذ بوسعنا نسبتها إلى التفاعلات التلقائية للتغير. إن ما يخيف هو أن الشارع أنجز مهمة عجزت عنها النخب السياسية وأن هذه النخب التي لا ناقة لها ولا جمل في أمر التغيير الدراماتيكي، سوف تقطف ثمرة تبدو في غمار حالة الزهو بما حدث طازجة ولذيذة، إلا أنها ربما تكون حال العجز عن تلبية متطلبات صناع الثورة مرة إن لم أقل مسمومة.

إن ثورة شعبية، اندلعت بفعل تراكمات صنعتها قسوة الزمن وسلبيات الحكم وقوة أدوات التحريض الجديدة، لن ينجح في تحقيق مقصدها من لم يكن المحرك الأساسي والمباشر لها، ولن يحقق أغراضها الراهنة والمستقبلية، من وجد نفسه على رأس السلطة، مع أن آلية وجوده في هذا الموقع لم تكن أكثر من تعديل وزاري، صمم لاحتواء الوضع وليس تجسيدا لانقلاب أو تحول جذري، فما أخطر أن تكون رهانات المستقبل معلقة على وضع من هذا النوع.

كذلك.. فإن تونس التي يحبها العرب على نحو استثنائي، ويعتبرونها واحدة من الواحات الخضراء في صحاريهم الممتدة، وبصرف النظر عن قسوة النظام وفساد مفاتيحه وشراسة قمعه وتحكمه.. إلا أن تونس المكان والناس والخصائص الجاذبة.. لن تظل كذلك لو دخلت دوامة الفراغ القيادي والاصطراع الفكري والسياسي القاعدي والنخبوي، ذلك أن تونس لو تحولت إلى مستنبت نشط لصراع داخلي تخدمه ظروف مواتية فسوف تفقد صورتها ونكهتها وإيقاعها بما يؤثر على كل نواحي الحياة فيها.. ذلك أن ثروات تونس الحقيقية والمعنوية تجسدت في صيغة المكان والناس. وإذا ما تزعزعت هذه الصيغة ونسأل الله مخلصين أن لا تتزعزع، فساعتئذ لن يكون الخوف فقط على الديمقراطية في تونس، والعلمانية فيها، بل سيكون بكل أسف على تونس ذاتها بكل ما مثلت في حياتنا وأمالنا..

كفلسطيني يرتبط بتونس على نحو وثيق فلقد سرت في داخلي انفعالات مختلطة إزاء الأحداث ونتائجها الراهنة.. ليس من بينها الحفاوة بما حدث ولا الشماتة.. ذلك أن ما قدمته تونس للفلسطينيين منذ بورقيبة كان مميزا وفعالا.. لقد وفر هذا البلد الصغير بمساحته وعديده وإمكاناته مناخا نموذجيا لثورة مهاجرة وقائد ذي دبيب ثقيل.. ولا يمكن أن ينسى أي فلسطيني أن نقطة الالتقاء الأعمق بين كل التونسيين رعايا وحكاما وقوى سياسية وحزبية واجتماعية كانت استضافة الفلسطينيين بكل رضا والتفاعل معهم حد المصاهرة إلى أن انتقل عرفات إلى الوطن وكانت خطواته الأخيرة من المنفى على أرض تونس وخطواته الأولى إلى الوطن من على أرضها كذلك.

لذا ليس لنا الآن وقد حدث ما حدث، وليس هنالك من هو أقدر من شعب تونس على تقويمه ومعالجة تفاعلاته، فإنني أقول - ولعلي بذلك أُمثل نسبة كبيرة من المجتمع الفلسطيني - إننا ننظر للأحداث والتطورات في تونس كما لو أننا توانسة، - وبالمناسبة فهذا اللقب خلعه علينا أهلنا حين عدنا - وفيه من التحبب أكثر مما فيه من معان أخرى، ولأننا كذلك، فإننا نتابع ما يجري بكل اهتمام، نعرف الأمكنة والوجوه، ومحطات الذكريات الشيقة مع أهلنا هناك، ولم يصرفنا عن المتابعة قسوة الأوضاع التي نواجهها على أرض الوطن، ولن يحول بيننا وبين الدعاء والتمني بأن يحفظ الله تونس، وأن يقيض لشعبها الطيب السلس المحبوب من يأخذ بيده إلى غد أفضل..

إن مخاوف مشروعة تعيش في داخلنا تجاه ما حدث إلا أن الأمل في قدرة شعب تونس على التجاوز يظل أكبر وأكثر وساعتها وحين نرى الأفضل مجسما على الأرض يجب أن يكون لنا ولغيرنا عبرة نستفيد منها.