ليست المدينة المنوّرة مكانا يُزار فحسب، بل ذاكرةٌ حيّة، ووجدانٌ مفتوح على التاريخ والروح معا. هي مدينةٌ إذا ذُكرت حضرت السكينة، وإذا كُتب عنها احتاج القلم إلى أمانةٍ أعلى من الوصف، وإلى وعيٍ يُدرك أن الحديث عنها ليس ترفا لغويا، بل مسؤولية معرفية.
في هذا السياق، يبرز د. عصام الشريف بوصفه أيقونةً علمية تتعامل مع التاريخ لا كحكايةٍ ماضية، بل كجسرٍ واعٍ يصل الأمس باليوم، ويضع التحوّلات الكبرى في سياقها الصحيح. طرحه الهادئ العميق لا يستعرض المعلومة بقدر ما يُحمّلها معناها، ولا يكتفي بالسرد، بل يمنح المتلقي مفاتيح الفهم.
حديثه عن المدينة المنوّرة لا ينفصل عن حاضرها، ولا يُغفل ما وصلت إليه من تطوّرٍ ونماء، بفضل الله ثم بدعم ولاة الأمر الذين جعلوا من خدمة هذه المدينة شرفا ومسؤولية. فالتاريخ عنده ليس حنينا فحسب، بل وعيٌ يُنير الحاضر ويصون الهوية، ويؤكد أن قدسية المكان مرتبطة مع التطوير بعقلٍ يحترم القيمة ويصون الرسالة.
وفي محاضرته عن الشوق والحنين لمدينة خير المرسلين، لم يكن العنوان مجرّد تعبيرٍ عاطفي، بل مدخلا لفهمٍ أعمق لمعنى المكان وقدسيته. كان الحنين هنا معرفة، والشوق قراءةً في الجذور، والمدينة نصّا مفتوحا على الروح والعلم معا. حضورٌ يعرف أين يقف، وماذا يقول، وكيف يقول، دون أن يغادر ضمير العلم أو يساوم على الحقيقة.
إن ما يميّز هذا الطرح أنه يتعامل مع المعرفة كأمانة، ومع الكلمة كمسؤولية وطنية وثقافية. يجمع بين رصانة الفكرة وجمال التقديم، ويلامس الوجدان دون أن ينزلق إلى الإنشاء، ويُقرّب التاريخ إلى الناس دون أن يُفرغه من هيبته.
هكذا يكون الحديث عن المدينة المنوّرة: حديثا بعبقها، وبقدرها، وبما يليق بمكانٍ لم يكن يوما عابرا في التاريخ، ولا هامشيا في الوعي. وهكذا يكون الباحث المثقف حين يُدرك أن الكلمة موقف، وأن المدينة رسالة مستمرة.




















التعليقات