لم تكن السويداء يوماً مُستثناة من التاريخ السوري، لكنها لطالما نجحت في البقاء بمسافة عنه. هذه المسافة، التي لطالما حَدَدها مُكَوِّنٌ مؤلفٌ من مزيج من الحذر الاجتماعي، والحسابات الطائفية، وتوازنات القوة المحلية، تحوّلت بعد سقوط نظام بشار الأسد إلى فراغ ثقيل، لا يمكن ملؤه بالشعارات ولا بالحنين إلى زمن غابرٍ. في ظل هذا الفراغ تحديداً، بدأت السويداء تكشف عن هشاشتها البنيوية، لا بوصفها محافظة مهمّشة، بل بصِفَتِهَا عقدة سياسية وأمنية باتت تتقاطع عندها مشاريع إقليمية متعارضة، فيما يعجز أهلها عن إنتاج صيغة جامعة تحميهم من أنفسهم قبل غيرهم.
منذ اللحظة الأولى لمرحلة ما بعد الأسد، لم تعد السويداء "الاستثناء الهادئ". لقد تحوّلت تدريجياً إلى ساحة اختبار مفتوحة، اختبار لقدرة الدولة السورية الجديدة على إعادة فرض سلطتها من دون الانزلاق في صدام طائفي من جهة، واختبار للحدود الفعلية للدور الأميركي في الجنوب السوري من جهة أخرى، ناهيك عن اختبار مدى استعداد إسرائيل والأردن لتحمّل تبعات الفوضى الأمنية على تخومهما. ومن بين هذه الاختبارات، بقي المجتمع المحلي رهينة معادلة قاسية: سلطة بلا دولة، وسلاح خارج عن مركز قرار، ومرجعية دينية تحوّلت إلى مرجعية سياسية من دون أن تمتلك أدوات السياسة.
في قلب هذه المعادلة، برز الشيخ حكمت الهجري كونه الشخصية الأكثر حضوراً وتأثيراً. لم ينتج حضوره هذا عن تفويض شعبي واضح أو عملية سياسية منظمة، بل عن تآكل البدائل. ومع الوقت، انتقلت المرجعية الدينية من موقع الضامن الاجتماعي إلى موقع صاحب القرار المُطلَق، لا سيما بعد أن تبلورت مواقف الهجري الرافضة لأي عودة إلى دمشق، والمتمسكة بخطاب فحواه قطيعة كاملة مع الدولة السورية، وصولاً إلى التلويح الصريح بفكرة الانفصال أو إنشاء إدارة ذاتية تحت مظلة دولية.
إلا أن هذا التحوّل لم يحصل بدون ثمن. فداخل المجتمع الدرزي نفسه، بدأت تتشكّل فجوة صامتة بين المرجعية الدينية وبين شرائح مدنية وسياسية ترى أن هذا التعنّت لا يحمي السويداء، بل يعزلها، ويحرمها من أي فرصة تفاوض واقعية مع محيطها. كما وبرزت أسماء وكيانات مدنية حاولت، بحذر شديد، التعبير عن هذا القلق، لكنها بقيت أسيرة الخوف من الانقسام الداخلي ومن مواجهة قَدَر مَن سَبَقوها في مسار الاعتراض. لم تكن الاغتيالات التي طالت شخصيات دينية ومدنية خلال الأشهر الماضية مجرد أحداث أمنية بَحتة، بل هي رسائل واضحة بأن كلفة الخروج عن الإجماع المفروض قد تكون باهظة.
في موازاة هذا الانسداد السياسي، تفكّكت البنية الأمنية للمحافظة بطريقة أشد خطورة؛ إذ أن "الحرس الوطني"، الذي نشأ بوصفه إطاراً جامعاً للفصائل المسلحة المحلية، تحوّل سريعاً إلى مظلة فضفاضة لا تضبطها قيادة موحّدة ولا مشروع واضح. وفي ظل غياب الدولة، تمدّدت داخله شبكات تهريب المخدرات والسلاح، وتداخلت المصالح المحلية مع امتدادات إقليمية، إلى درجة بات من الصعب التمييز بين "قوة حماية" و"اقتصاد فوضى."
لم تكن الغارات الجوية الأردنية التي استهدفت مواقع في محيط صلخد مفاجئة بقدر ما كانت تتويجاً لمسار طويل من الرصد الاستخباراتي. لقد كشفت شحنة المخدرات الضخمة التي تُلِفَت، وما تلاها من تسريبات حول تورط فصائل محلية، أن السويداء لم تعد مجرد مساحة جغرافية، بل تخترقها أيضاً عقدة شبكة التهريب العابرة للحدود. الأردن، الذي لطالما تعامل مع الجنوب السوري بميزان أمني محض، قرر هذه المرة أن يوجّه رسالة واضحة بأن الفوضى في السويداء تعدت الشأن الداخلي.
في الوقت نفسه، بدأت الأجهزة الأمنية السورية الجديدة بمقاربة شؤون المحافظة بمنطق مختلف. فالأمر لا يتعلق باجتياح عسكري ولا بتسويات شاملة، بل إنه عمل استخباراتي طويل الأمد، قوامه اختراق المعلومات، وجمع المعطيات، وتحضير الأرضية لانشقاقات داخلية تضرب البنية المسلحة من الداخل. كما وأن الحديث عن تصعيد أمني في السويداء لا يعني بالضرورة معركة مفتوحة، بقدر ما يشير إلى مرحلة تفكيك قاسية، قد تتخذ شكل تصفيات موضعية، وتسريبات مدروسة، إضافة إلى الدفع بمجموعات ما للانشقاق والانضواء تحت مسارات بديلة.
هذا التفكك الأمني لم يحدث في فراغ إقليمي. على العكس، لقد تزامن مع اهتمام أميركي متزايد بالسويداء، وتُرجِم بنيّة إرساء حضور مدني–عسكري دائم في المحافظة. هذا الحضور، كما تُظهر المعطيات، لا يهدف إلى دعم مشروع انفصالي، بقدر ما يسعى إلى احتواء الفوضى، وضبط السلاح، ومنع تمدّد داعش في البادية، مع السعي إلى وضع نموذج إدارة محلية لا مركزية يمكن التحكم بها. غير أن هذا الدور الأميركي يظل محكوماً بسقف واضح، وبإدارة الأزمة لا حلّها، وبمنع الانهيار لا إعادة بناء الدولة.
إسرائيل، من جهتها، بدت أقل حماسة مما يروّج له بعض الخطاب المحلي. تعكس الاتصالات غير المعلنة مع دمشق، وتكرار تأكيد إسرائيل على أن ملف الدروز ليس جزءاً من أي تفاهم ثنائي مباشر، مقاربة براغماتية باردة وهي حماية الحدود أولاً، ومَنع أي تهديد أمني قرب الجولان، من دون تقديم أي التزام سياسي طويل الأمد تجاه السويداء أو غيرها.
في خِضَم هذه التوازنات المتشابكة، لا يزال خطر تنظيم داعش حاضراً، لا بوصفه قوة مسيطرة، بل باعتباره شبكة خلايا تحاول الاستثمار في الفوضى والانقسامات. تشير المعطيات الأمنية إلى محاولات تجنيد واستقطاب، وتمويل متقطّع، واستخدام الاقتصاد غير الشرعي كغطاء. في المقابل، ظهرت تنظيمات جديدة مرتبطة بفلول النظام السابق، تُمَوَّل بطرق غير مباشرة، وتسعى إلى إحداث توترات طائفية محدودة، ليس بهدف إسقاط الدولة، بل لمنع استقرارها.
هكذا، تجد السويداء نفسها اليوم في قلب معادلة شديدة الهشاشة. إنها غير قادرة على فرض مشروع سياسي مستقل، وغير راغبة، حتى الآن، في الانخراط في تسوية سورية شاملة. إن المرجعية الدينية هي التي تمسك بالقرار لكنها تفتقر إلى أدوات الدولة؛ والقوى المدنية تملك الرؤية لكنها تفتقر إلى الحماية، والسلاح منتشر في ظل غياب مركز قيادة يستطيع ضبطه.
المفارقة تكمن في أن كل الأطراف الخارجية المعنية بالسويداء، من واشنطن إلى عمّان، ومن تل أبيب إلى دمشق، تبدو أكثر وضوحاً في أهدافها من الداخل نفسه. الجميع يريد منع الانفجار، لكن لا أحد مستعد لتحمّل كلفة الحلّ. وبين منع الانفجار وغياب الحل، تعيش السويداء مرحلة "الانكشاف البطيء"، انكشاف حدود القوة المحلية، وانكشاف هشاشة الحياد، وانكشاف وَهم أن الزمن وحده قادر على تجميد الصراع.
ما لم يُكسَر منطق أحادية القرار، وما لم يُعاد تحديد العلاقة بين السلاح والمجتمع والسياسة، ستبقى السويداء عرضة لتحوّلات أخطر، تَحَوّل من محافظة تسعى إلى حماية نفسها، إلى ساحة تُدار أزماتها من الخارج، ويُجبَر أهلها على تسديد ثمن خيارات خارجة عن ارادتهم الكاملة.




















التعليقات