ليست أرض الصومال كيانًا سياسيًا بريئًا وُلد من رحم المعاناة، ولا مشروع خلاصٍ لشعبٍ أنهكته الحروب، بل هي في جوهرها العميق عبارة عن تجربة ذهنية في إعادة تعريف الفشل بوصفه إنجازًا، والتشظّي بوصفه حقًا، والانفصال بوصفه حكمة.
ما يُقدَّم اليوم بوصفه (نموذج استقرار) ليس إلا إعادة تدوير ذكية لأزمة أكبر: كيف يمكن لجزءٍ ضعيف أن يُقنع العالم بأنه أقوى من الكل، فقط لأنه أقل ضجيجًا؟
المسألة هنا ليست عاطفية، بل عقلية منطقية. الدولة ليست علمًا ونشيدًا وانتخابات محلية، الدولة منظومة سيادة، اقتصاد، اعتراف، عمق جغرافي، وسردية جامعة. أرض الصومال، مهما تزيّنت بخطاب (الاستثناء)، لم تُنتج سردية دولة، بل سردية قطيعة. لم تُجب عن سؤال: كيف نبني الصومال؟ بل قفزت إلى سؤال أخطر: كيف ننجو منفصلين عنه؟
الفلسفة السياسية تُعلّمنا أن الانفصال لا يكون حلًا إلا حين يكون الاتحاد مستحيلًا أخلاقيًا وتاريخيًا، لا حين يكون متعثرًا إداريًا. ما حدث في الصومال لم يكن فشل فكرة الدولة، بل فشل إدارة الدولة في لحظة تاريخية معقدة. تحويل هذا الفشل إلى مبرر للتقسيم هو كمن يهدم البيت لأنه لم يُحسن ترتيب الغرف.
اقتصاديًا، تُسوَّق أرض الصومال كواحة استقرار في صحراء الفوضى، لكن أي اقتصاد هذا الذي يعيش بلا اعتراف دولي، بلا قدرة على توقيع اتفاقيات سيادية، بلا عملة معترف بها، وبلا منفذ قانوني للأسواق العالمية؟ ما يُسمّى (استقلالًا اقتصاديًا) ليس إلا اعتمادًا غير معلن على تحويلات الخارج، وصفقات رمادية وأخرى مشبوهة، ومساعدات مشروطة. الدولة لا تعيش على الصبر فقط، بل على النظام، والنظام لا يولد في العزلة.
الأخطر من ذلك أن مشروع أرض الصومال لا يُقرأ داخل حدوده، بل داخل خريطة القرن الإفريقي كاملة. تقسيم الصومال ليس شأنًا صوماليًا داخليًا، بل سابقة جيوسياسية خطيرة تُغري كل خطوط الصدع في المنطقة. إذا صار الفشل الإداري سببًا للانفصال، فالعالم الثالث كله مرشح للتشظّي. وإذا صار الهدوء المؤقت معيار دولة، فالميليشيات الأذكى هي من ستحكم الغد.
ثم هناك السؤال الأخلاقي: من يملك حق اقتطاع التاريخ؟ الصومال كيان حضاري قبل أن يكون كيانًا سياسيًا، ولغته، وثقافته، ونسيجه الاجتماعي تشكّلت كوحدة واحدة. لا يمكن فصل الجغرافيا عن الذاكرة، ولا رسم حدود جديدة دون جرح عميق في الوعي الجمعي. أرض الصومال لا تقسم الأرض فقط، بل تعيد برمجة الوعي على قبول التفتت كحل.
سياسيًا، ما يُسمّى (اعتدال أرض الصومال) هو في الحقيقة خطاب مريح للفاعلين الدوليين الذين يفضّلون كيانًا ضعيفًا قابلًا للاحتواء على دولة موحّدة صعبة الترويض. التفكيك هنا ليس هدفًا معلنًا، لكنه نتيجة مرغوبة. دولة واحدة قوية تُربك الحسابات، أما دويلات هشة فتُدار بالضغط والتمويل والوعود.
إن أخطر ما في مشروع أرض الصومال أنه يُقدَّم بوصفه نهاية الصراع، بينما هو في الحقيقة تأجيل مشبوه له. فالتقسيم لا يُنهي النزاعات، بل يجمّدها داخل حدود أصغر، لتنفجر لاحقًا بحدة أعلى. التاريخ مليء بأمثلة كيانات انفصلت باسم السلام، فأنجبت حروبًا مؤجلة.
الدفاع عن وحدة الصومال ليس دفاعًا عن حكومة بعينها، ولا عن نخبة سياسية أداؤها مخيب للآمال، بل دفاع عن فكرة الدولة ذاتها في مواجهة منطق التفكيك السهل. من ينتقد الدولة يجب أن يسعى لإصلاحها لا لتقطيعها. ومن يرفض المركزية يجب أن يطوّر اللامركزية، لا أن يهدم السقف على الجميع.
أما أرض الصومال فهي في النهاية مرآة لفكرة خطيرة: أن بإمكان الجزء أن ينجو وحده في عالم لا يحترم إلا الكيانات الكبيرة. وهذا وهم. العالم لا يكافئ الشجاعة المعزولة، بل القوة المركبة. لا يعترف بالنيات، بل بالسيادة.
إن مستقبل الصومال لا يُبنى بالانفصال، بل بإعادة هندسة الدولة على أسس عقلانية: عقد اجتماعي جديد، توزيع عادل للسلطة، اقتصاد منتج، ومصالحة لا تُختزل في تقاسم المناصب. التقسيم أسهل طريق سياسيًا، لكنه أفقر طريق تاريخيًا، وما يبدو اليوم (حلًا ذكيًا) سيُكتشف غدًا أنه كان مجرد هروب أنيق من معركة البناء.
الصومال لا يحتاج إلى خرائط جديدة، بل إلى إرادة جديدة. ومن يظن أن النار تُطفأ بتقسيم الحطب، لم يفهم بعد أن الشرارة تولد من الشقوق.





















التعليقات