شاهدت جزءًا يسيرًا من سلسلة حلقات برنامج (الصندوق الأسود) الذي تنتجه منصة (شاشا) الرقمية الكويتية، والذي يُعدّه ويقدّمه المذيع الكويتي اللامع الزميل الأستاذ عمار تقي، وكان ضيفه السياسي ورجل الأعمال العراقي السيد نواف الزيدان، الذي ذاع صيته بعد مصرع نجلي الطاغية العراقي صدام حسين، عُديّ وقُصيّ، في منزله بعد ثلاثة أشهر من سقوط بغداد في التاسع من نيسان (أبريل) عام 2003. وبعيدًا عن التفاصيل التي سردها عن ملابسات وجودهم لديه وفترة إقامتهم التي قاربت الشهر، إلا أن أبرز ما شدّني من حديث الزيدان هو طلبات عُديّ الغريبة فيما يتصل بالمأكولات، منها على سبيل المثال: (الرفش)، وهي جنس من السلاحف النادرة المهددة بالانقراض وذات غطاء أملس ويكثر وجودها في موائل المياه العذبة، وكذلك حلوى (البقلاوة) الشهيرة وغيرهما. ومصدر استغراب الزيدان، وربما كل شخص سويّ، هو كيف لشخص مُلاحَق ومطلوب دوليًا، والنظام قد سقط، والبلد في فوضى عارمة ومستقبلها مجهول، أن يتشهّى مثل هذه الطلبات وسط تلك الظروف. حتى الحامل التي تتوحم، والتشبيه للزيدان، يمكنها الصبر إزاء هذا الظرف غير العادي.
والحقيقة أن تاريخ عُديّ الشخصي حافل بالإجرام والطيش وعدم الانضباط، لذلك بدا صعبًا على شخص نشأ وعاش بهذه الكيفية أن يتأقلم مع وضعه الجديد، كما لو كانت صدمة زوال حكم والده لم تتمكن بعد في أعماقه. وهذا ذكّرني بهوس عُديّ بالسيجار الكوبي، حيث ذكرت بعض المصادر الإعلامية أنه اعتاد على تدخين أفخر أنواع السيجار الذي تفوح منه رائحة طيبة، وكان يُصنع له خصيصًا في العاصمة الكوبية هافانا، لدرجة أنه عيّن أحد معاونيه لمتابعة شؤون استيراد هذا النوع من السيجار.
إنَّ الطغاة وأبناءهم على مدى التاريخ، مهما تباينت صور بذخهم وكفرهم بالنعمة، إلا أنهم يتفقون على نوعية سوء العاقبة وما تؤول إليه حياتهم بعد زوال مُلكهم وسلطانهم وأموالهم. وخير مثال ما حلّ في بعض البلدان العربية التي تعرضت قبل عقد من الزمان لما تم الاصطلاح على تسميته بـ(الربيع العربي)، وكذلك الطاغية السوري بشار الأسد قبل عام تقريبًا، وكيف نقلت وسائل الإعلام مقدار الأموال النقدية والمعادن النفيسة وأسطول السيارات الفارهة التي عُثر عليها في تلك القصور الرئاسية، بينما ترزح شعوبهم تحت وطأة الفقر المُدقع والجوع الذي يهدد حياتهم.
إنَّ العبرة الأساسية من نهاية الطغاة هي أن الجبروت لا يدوم، وأن الجبّار سبحانه وتعالى يسلّط عليهم أضعف مخلوقاته ليعكس غرورهم، وأن الظلم حتمًا يؤدي إلى هلاك الظالمين، وأن عقابهم في الدنيا والآخرة يكون عبرة للجميع، ولن يفلت أحد من العدالة الإلهية، سواء كانوا هم أو من أيّدهم وناصرهم. فالتاريخ مليء بقصص الطغاة الذين انتهوا بطرق مهينة، كالبعوضة لملك شنعار نُمرود، والديدان لملك الإمبراطورية الرومانية أغريباس الأول، والغرق لملك مصر القديمة فرعون، مما يؤكد ثبات سنة الله فيهم، وأن مصيرهم الخزي والعذاب في الدنيا والآخرة.





















التعليقات