في زمنٍ تتسارع فيه الأحكام، لم يعد الظهور حدثًا عابرًا، بل تحوّل إلى اختبارٍ قاسٍ أمام جمهورٍ يظن أحيانًا أن له حق التفتيش لا حق المشاهدة، وحق المحاكمة لا حق التلقّي. ففي الأيام الأخيرة، ظهر الفنان راشد الماجد على مسرح القاهرة بعد غياب، وكان الأولى أن يُستقبل بوصفه صوتًا له تاريخ طويل في الوجدان العربي، لا ملامح تُقاس بعدسة عابرة أو تعليقات سريعة. وفي الوقت نفسه، ظهر الإعلامي تركي الدخيل في أحد البودكاستات، فكان المتوقع أن يُناقَش فكره ومسيرته المهنية المشرفة، لا أن تُفكَّك ملامحه ويُعلَّق على شكله وكأن الحضور الإعلامي بيانٌ بصري لا مشروع فكري.
لكن الغريب، والمؤلم في آنٍ واحد، أن الحديث انحرف سريعًا من المنصّة إلى المرآة، ومن الفكرة إلى الوجه، ومن الإنجاز إلى الوزن، ومن التاريخ إلى أسئلة سطحية تدور حول الاختلافات الشكلية، والنحافة، وتغيّر الملامح، وكأن الزمن عيب، وكأن التجربة تُحاسَب، وكأن العمر تهمة يجب الدفاع عنها. وهنا لا بدّ من وقفة صادقة، فمنذ متى أصبح المظهر معيارًا للقيمة؟ ومن منح الجمهور سلطة الدخول إلى المساحات الشخصية، وتحليل الأجساد والملامح، وإصدار أحكام لا علاقة لها لا بالفن ولا بالإعلام؟
فالفنان راشد الماجد لم يُعرف يومًا بملامحه، بل بصوتٍ رافق الذاكرة، وبأغانٍ صنعت الإحساس وشكّلت وجدان أجيال متعاقبة. وتركي الدخيل لم يصنع اسمه عبر صورته، بل عبر عقلٍ إعلامي، وتجربة مهنية طويلة، وتاريخٍ مشرّف في الصحافة والإعلام والفكر. إن التغيّر في الشكل سنّة من سنن الحياة، لا بيان تراجع، والنحافة أو اختلاف الملامح ليست مؤشرات أفول، بل شواهد رحلة طويلة مليئة بالتجارب والتحوّلات.
والسؤال الحقيقي ليس كيف تغيّروا؟ بل ماذا قدّموا؟ وماذا ما زالوا يضيفون؟ فالمشكلة لا تكمن في ملاحظة الاختلاف، فالعين ترى بطبيعتها، لكن المشكلة تبدأ حين تتحوّل الملاحظة إلى حكم، والحكم إلى تقليل، والتقليل إلى ضجيج يطغى على الجوهر ويغطي على القيمة الحقيقية. وليس من حق الجمهور أن يختزل الفنان في صورته الأخيرة، ولا أن يحاكم الإعلامي خارج نص فكره ومشروعه، فالتقييم المشروع يكون في العمل لا في الملامح، وفي الفكرة لا في المرآة، وفي الأثر لا في الوزن.
وحين يتجاوز الجمهور هذا الحد، فإنه لا يسيء إلى المبدع وحده، بل يسيء إلى ذائقته هو، ويكشف فقر أدواته في الفهم العميق، ويستبدل النقاش الحقيقي بسطحية عابرة. وبين الماجد وتركي الدخيل، تتجلّى حقيقة واضحة، أن العابرين بالشكل كثيرون، لكن الباقين بالأثر نادرون، وأن التاريخ لا يحفظ الوجوه، بل يحفظ ما قيل، وما عُزف، وما أُنجز، وما استحق أن يُحترم.




















التعليقات