الاقتلاع من الواقع ليس مجرد انتقال مكاني، بل هو انكسار في البنية العميقة للوجود. إنه تجربة حدّية، يقف فيها الإنسان على تخوم المعنى، حيث تتهاوى أعمدة الألفة واحدة تلو الأخرى: العادة، اللغة، الوجوه المألوفة، وحتى الإحساس بالزمن. أن تكون متجولًا لا يعني أن تمشي كثيرًا، بل أن تفقد القدرة على الاستقرار في أي معنى.
في تاريخ الثقافة الغربية، يعود المتجول بوصفه شخصية كاشفة. ليس هو المسافر الذي اختار الرحيل، ولا المغامر الذي أغرته المصادفة، بل ذاك الذي يمشي لأنه لا يملك بديلًا. هو المطرود، الملعون، أو المفقود في ذاته. التجوال هنا ليس حركة، بل مصير. عقوبة بلا نهاية، وزمن بلا أفق.
قابيل هو النموذج الأول. بعد جريمته، لم يُعدم، بل تُرك حيًا. الحياة نفسها كانت العقاب. لم يكن الحكم عليه بالموت، بل بالاستمرار. “ستكون متجولًا وغريبًا على الأرض”. في هذا الحكم التوراتي تتجلى عقوبة أشد من الفناء: أن يُحكم على الإنسان بأن يعيش بلا مكان، وأن يُحرم من حق العودة. التجوال هنا ليس مرحلة، بل حالة وجودية لا يُشفى منها الزمن.
أما أوديب، فيحمل شكلًا آخر من هذا المصير. لم يُطرد لأنه أراد، ولا لأنه تعمد، بل لأنه عرف أكثر مما ينبغي. حدسه كان ذنبه. الحقيقة، حين تُكشف كاملة، تُقصي صاحبها. يخرج من طيبة أعمى، لا لأنه فقد البصر، بل لأنه لم يعد هناك ما يُرى. يمشي بلا هدف، مصحوبًا بابنته، كأن الوجود نفسه لم يعد يعرف إلى أين يتجه.
هذه الشخصيات ليست بقايا أساطير جامدة، بل استعارات حية لتجربة إنسانية متكررة: فقدان الوطن بوصفه معنى، لا بوصفه مكانًا. دانتي، في “الكوميديا الإلهية”، حوّل التجوال إلى بنية رمزية كاملة. رحلته عبر الجحيم والمطهر والفردوس ليست سوى محاولة لإعادة العثور على مركز بعد الانحراف عن الطريق القويم. التجوال هنا بحث يائس عن نظام في عالم فقد توازنه.
ومع الحداثة، يكتسب المتجول بعدًا سياسيًا. المنفي، اللاجئ، والمهاجر غير المرغوب فيه هم ورثة قابيل المعاصرون. كما تشير حنّة آرندت، فإن فقدان الوطن لا يعني فقط فقدان المكان، بل فقدان الإطار الذي يجعل الحقوق ممكنة. الجسد يصبح معلقًا في فراغ قانوني، والإنسان يتحول إلى كائن زائد عن الحاجة. مدننا مكتظة بهؤلاء المتجولين غير المرئيين، الذين فقدوا حتى حقهم في السرد.
غير أن التجوال لا يتطلب دائمًا عبور الحدود. أحيانًا يحدث الاقتلاع دون حركة. يكفي أن تنهار الروابط التي كانت تمنح الحياة شكلها: موت، مرض، انفصال، أو خيبة كبرى. فجأة، يصبح العالم غريبًا، ويتحول الماضي إلى صدى فارغ. في هذه الحالات، يصبح التجوال داخليًا، ويغدو الاغتراب حالة نفسية لا تُقاس بالمسافة.
ومع قسوته، كشف التجوال عن بعض أعمق أسئلة الوجود. حين يُقتلع الإنسان من انتماءاته، يرى العالم بوضوح بارد. تنكسر الأوهام، وتسقط الأقنعة. لهذا لم يكن مصادفة أن يكون كثير من الفلاسفة والكتّاب متجولين، بالمعنى الحرفي أو الرمزي. نيتشه، على سبيل المثال، جعل من الترحال شرطًا للتفكير. ففقدان الأمان قد يكون ثمنًا لاكتساب منظور.
لكن سيكون من السذاجة تحويل الاقتلاع إلى صورة شاعرية. فحين لا يكون خيارًا، يبقى جرحًا مفتوحًا. عالم اليوم، بنزوحاته الجماعية وحدوده المسلحة وحروبه المتنقلة، يعجّ بحيوات لا تمتلك ترف تحويل الألم إلى معنى. مقابل كل أوديب أو دانتي، هناك ملايين يمشون بلا أثر، بلا لغة، وبلا مستقبل واضح.
العودة إلى الأسطورة، إذًا، ليست هروبًا من الواقع، بل وسيلة لفهمه. فهي تذكّرنا بأن الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية، بل إطار انتماء يمنح الوجود قابلية الاحتمال. يوليسيس لم يكن متجولًا، لأنه كان يحمل إيثاكا في الأفق. أما حين ينكسر هذا الأفق، يدخل الإنسان منطقة عدم اليقين.
الاقتلاع من الواقع، في جوهره، هو العيش في منطقة وسطى: لا هنا ولا هناك. فضاء تنهار فيه المسلمات، وتتعطل اللغة، وتبهت الوجوه. هناك، في تلك المنطقة الهشة، يقيم قابيل وأوديب، ومعهما ملايين البشر الذين لم تمنحهم الحياة ترف العودة.




















التعليقات