قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

شاكر نوري

كثيراً ما يسألني ابني البالغ من العمر نحو تسعة أعوام: كيف كان باتمان أي الرجل الوطواط في زمن طفولتك؟

عندما أعجز عن إجابته، يكرر السؤال حول أسماء أخرى كما لو يريد إيقاعي في الفخ: ميكي ماوس، وبوبي، ولوكي لوك، استريكي وأوبليكس وغيرها من أسماء الأبطال الذين أصبحوا مرجعاً لجميع أطفالنا ما داموا يشاهدون الأفلام التلفزيونية والسينمائية ذاتها. يجب أن نعترف أولاً بأننا فشلنا لحد الآن في التعاطي مع عالم الطفولة والفتيان. ولا نزال عاجزين عن خلق الشخصية العربية الإسلامية الموجهة للأطفال والفتيان على الرغم من محاولات المبدعين العرب في تقديم هذه النماذج ولكنها ظلت مهمشة في العرض والانتشار؟

وهذا ربما ما دفع ماكينة السينما إلى إنتاج هؤلاء الأبطال لنا، وهم يعرفون بأن ساحتنا خالية، وبحاجة إلى استهلاك هذه البضاعة.

وحتى لو كنا نمتلك نماذج متطورة من هذا الإنتاج، فلا سبيل لنشرها خارج حدودنا لأن الآخر، كما يبدو لا يتقبل وجود فكرة البطل الايجابي بل ويرفضها أساساً.

ولعل ما حدث مؤخراً لمؤلف القصة البريطاني دافيد هين أكبر دليل ملموس على ذلك حين استعان بطل قصته المصورة، laquo;باتمانraquo;، الرجل الوطواط، بمساعدته في مكافحة الجريمة في باريس، وهو مهاجر من الجالية الإسلامية، يدعى laquo;بلال الصالحraquo;، وهو جزائري الهوية، مسلم، رياضي، وقوي البنيةraquo;. ووقع خيارlaquo;باتمانraquo; في فرنسا على شاب من ضاحية laquo;سين ــ سان ــ دونيraquo; حيث تُعتبر من الضواحي المشاكسة التي ساهمت في أزمة للحكومة الفرنسية في عام ‬2005. وتعيد القصة المصورة تلك الأحداث الخطيرة إلى الذاكرة، يقوم هؤلاء الشباب بتخريب وخربشة ثلاث صور تحمل العبارات التالية laquo;باريس، مدينة الثقافةraquo; وlaquo;باريس، مدينة الموسيقى والمطبخ الراقيraquo; وlaquo;باريس مدينة الحبraquo;، وبعد ذلك تقوم بكتابة عبارة laquo;يعيش الغضبraquo;. وعلى إثر ذلك، تعتقل الشرطة الشاب البريء laquo;بلال الصالحraquo;، الذي يتعرض إلى التعذيب، ولكنه يتحول إلى بطل لا يعرف قلبه الحقد ويصبح الرجل الوطواط الفرنسي الساعي إلى نصرة الحق والعدالة.

مؤلف القصة المصورة اعترف بأنه اخترع الشخصية التي كان يحب أن يشاهدها في قصة مصورة لأن مشاكل الضواحي والأقليات طاغية على الأحداث الفرنسية في ظل حكومة ساركوزي حسب رأيه، ولم يكن أمامه سوى هذا الاختيار.

أثارت هذه الفكرة المدونين المحافظين، مدعين ان البطل الجديد يؤمن بالإسلام وتم اختياره لأهداف سياسية محددة، بل أن أحدهم اقترح أن يغيّر باتمان مهامه لكي يقوم بـ laquo;دفن النساء لحد العنق في الرمال وتحطيم رؤوسهن بالحجارةraquo; في إشارة إلى عقوبة الرجم! يعني أنه مصّر على الإنسان العربي المسلم لا يمكن أن يكون خيراً أبداً. وذلك يعود إلى التقسيم الآلي للأخيار والأشرار. ولا يسمح هؤلاء المحافظون أن يكون البطل مسلماً حتى في عالم القصص المصورة والعالم الافتراضي، فكيف يسمحون بوجوده على أرض الواقع؟!

تكشف ردود الأفعال على القصة المصورة إلى أي مدى أعمى laquo;التعميمraquo; بعض أقطاب العقل الغربي، الذي علمّنا في علمانيته واكتشافاته العملية أن نتجنبه، فلماذا لا يزال يطبقه في مناهجه الدراسية والتاريخية والمرجعية. في واقع الأمر، يرفض العقل الغربي لا أقول كله بل وجود بطل مسلم، ايجابي، ومتفاعل، ويحب الخير، ولذلك نرى أن دور النشر الغربية أو غالبيتها ترفض نشر الروايات التي يظهر فيها البطل بسمات إنسانية متفوقة، فهي تفضل أن يكون هذا البطل من المتسكعين والقذرين والإرهابيين ومن أصحاب الزنا بالمحارم والمجرمين والمهووسين جنسياً والمعتوهين والمهاجرين والقتلة! ولكن هذا الغرب أو في جزء منه لا يسمح أن يكون حتى البطل الافتراضي، الرجل وطواط، مسلماً.