ياسر عبد العزيز


سيبدو للكثير من المحللين والمتابعين أن الأوضاع الراهنة في دول الخليج ليست أخطر الأوضاع التي عرفتها تلك المنطقة المؤرقة بالأطماع والفتن في تاريخها المعاصر، بالنظر إلى فترات عصيبة مضت شهدت أحداثاً مثل الثورة الإيرانية، والحرب العراقية- الإيرانية، وغزو الكويت، وما تلاه من غزو العراق، وتفاقم التهديدات الإرهابية لعدد منها، وأخيراً الأزمة المالية العالمية التي هزت بعض اقتصاداتها. وسيتعزز ذلك الطرح، عندما تتم مقارنة الضغوط والتحديات التي تواجهها دول الخليج راهناً بتلك التي عرفتها قبل تفجر النفط وارتفاع أسعاره بشكل مكّنها من تحقيق التنمية وإرساء دعائم الدولة الوطنية. لكن الواقع يشي بغير ذلك، فرغم تكرس سيادة دول الخليج العربية الوطنية، وتعزز اليقين في شرعية أنظمتها، والارتفاع المطرد في أسعار النفط، وتحسن مؤشرات التنمية البشرية في معظمها بشكل واضح، وتراجع حدة الضغوط الخشنة الخارجية عليها، وتقلص أنشطة الاستهداف المباشر لها، فإن تلك الدول تبدو على مشارف مأزق خطير. لاشك أن العامل الإيراني له دور واضح في زعزعة أمن بعض دول الخليج العربية، ولاشك أيضاً أن المطالبات والادعاءات والسياسات الإيرانية حيال البحرين يمكن أن تكون سبباً في جزء مما يجري على أرض ذلك البلد الصغير راهناً، لكن ما لا يمكن تجاهله في الوقت ذاته أن ثمة أسباباً مطلبية وراء اندلاع التظاهرات والاحتجاجات هناك. ليست البحرين فقط التي تعاني مشكلات تتعلق بمطالب فئوية أو جماعية، سياسية أو اجتماعية، شبابية أو عامة، ولكن دول الخليج مجتمعة تعاني مثل تلك المشكلات، وتتلقى الضغوط بصددها أو تتوقعها على أي حال. فسلطنة عمان تشهد كذلك مطالبات متتالية من نخب تلقت تعليماً جيداً داخل البلاد وخارجها وانفتحت على العالم عبر ثورة الاتصالات، وهي تصوغ مطالبها تحت عنوانين عريضين؛ أحدهما يتعلق بالمشاركة السياسية، وثانيهما يتصل بمحاربة الفساد. يثق مواطنو سلطنة عمان في قيادة السلطان قابوس، ويقدرون إنجازاته الواضحة في نقل الدولة من مرحلة بدائية فقيرة قبل عام 1970 إلى دولة واعدة متماسكة تتمتع بنظام متزن ويحظى مواطنوها بخدمات معقولة، لكنهم باتوا يدركون أن الأوضاع لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه، عبر تدوير نخبة بعينها في المناصب، وبالإيقاع البطيء ذاته، ومن دون مشاركة سياسية وإجراءات لمكافحة الفساد. لا يبدو أن الكويت بمعزل عن ذلك السياق؛ فالأنباء تشير إلى استمرار التربص الإيراني بها، ومن الواضح أن شبكة التجسس الإيرانية التي تم الإعلان عن ضبطها بالكويت أخيراً -في حال ثبتت إدانة أعضائها- تمثل حلقة من حلقات ذلك التربص والتهديد المتواصل. لكن الكويت، وبينما كانت تعلن ضبط تلك الشبكة وتفكيكها، كانت تعلن أيضاً استقالة الحكومة لمفاداة استجوابات برلمانية استهدفت ثلاثة وزراء من الأسرة الحاكمة، وسط جدل وطني كبير عن الفساد وخطة التنمية وصلاحية الحكومة وتدني الخدمات ومشكلات ضخمة أخرى.

السعودية أيضاً لديها هموم كبيرة لا تتعلق فقط بالبطالة ومطالب الشبان المواطنين بفرص عمل في ظل اعتماد كبير على العمالة الوافدة، ولكنها تتصل أيضاً برغبة واضحة في توسيع دائرة المشاركة السياسية ومقاربة أكثر حزماً لقضايا الفساد وهدر المال العام. وفي ما عدا قطر، لم تخل دولة خليجية من مطالبات بتوسيع المشاركة السياسية؛ ذلك أن الإمارات التي تعرف واحداً من أعلى معدلات الدخل الفردي في العالم، والتي تقدم تجربة فريدة في النمو والازدهار المالي والعمراني في ظل انفتاح اجتماعي محل إعجاب كثيرين، عرفت بدورها مطالبات من بعض النخب بتعزيز المشاركة السياسية، واختيار أعضاء المجلس الوطني الاتحادي عبر الانتخاب الحر المباشر. إلى جانب المطالبات الشعبية المتشابهة في دول الخليج العربية، والتي يتلخص معظمها في إتاحة الفرص للمواطنين للمشاركة في صنع القرارات العامة، ومحاربة الفساد الذي بدا أكثر بروزاً واستشراء، وتوفير وظائف للعاطلين عن العمل في ظل تركيبة سكانية مختلة وسوق عمل غير متوازنة، ثمة مخاطر أخرى تتفاقم تتعلق بالعلاقات الخليجية البينية. مازالت دول الخليج غير قادرة على إقرار العملة الخليجية الموحدة بسبب رفض بعضها تطبيق الاتفاقية الخاصة بها، كما أن البنك المركزي الخليجي لم ينشأ حتى الآن لأن دولتين تتنازعان على استضافة المقر، والأهم من ذلك أن الجيش الخليجي المتحد أو 'درع الجزيرة' لم يتشكل على النحو المطلوب حتى تلك اللحظة. يمكن أن يكون الزمن عاملاً مهماً في حل المشكلات المتعلقة بآليات التكامل الخليجي، لكن خلافات سياسية عميقة تظهر أيضاً وتهدد بتعكير الأجواء التي يمكن أن تهيئ الظروف الملائمة لإنجاز الخطوات التكاملية الضرورية. يمثل الخلاف الذي ظهر على السطح بين عمان والإمارات أخيراً بشأن اتهام مسقط لأبوظبي بالتجسس عليها منعطفاً خطيراً في العلاقات بين البلدين من جهة، وفي العلاقات الخليجية البينية من جهة أخرى. وحسناً فعلت الكويت حين أخذت على عاتقها محاولة رأب الصدع قبل أن يتمدد في العلاقات التاريخية التي تربط البلدين الشقيقين، لكن الواقعة برمتها، وسواء كانت صحيحة كما تقول عمان، أو خاطئة كما تقول الإمارات، تنقل العلاقات البينية بين دول المجلس إلى مستوى جديد أدنى بكثير من المفترض أن يكون عليه من تلاحم وثقة متبادلة وشفافية في مقاربة الأمور. وبصرف النظر عما إذا كان الدعم السعودي والإماراتي للبحرين عملاً غير محبذ لكونه تجسيداً لـ'مبدأ بريجينيف' كما يقول بعض النقاد، أو عملاً ضرورياً وحيوياً كما يقول المؤيدون، فإن عدم اتفاق الدول الخمس الخليجية الباقية على سياسة واحدة، والتضامن في تنفيذها بشكل متوازن، أعطى انطباعاً سلبياً عن قدرة المنظومة الخليجية على التفاهم والتوحد في مواجهة أحداث بتلك الأهمية.

تبدو دول الخليج اليوم أمام استحقاقات ضرورية وملحة، بعضها يتصل بالأوضاع الداخلية؛ وعلى رأسها تعزيز المشاركة السياسية للمواطنين، عبر إتاحة فرص لانتخاب مجالس نيابية انتخاباً حراً مباشراً ومنحها صلاحيات رقابية وتشريعية، فضلاً عن تدوير المناصب وفق اعتبارات الكفاءة، وحل مشكلة البطالة، وإصلاح سوق العمل، ومحاربة الفساد محاربة جدية ومقنعة، وتعزيز الخدمات العامة. ويتصل بعض الاستحقاقات الخارجية بخطوات تكاملية يأتي في مقدمتها تجاوز الخلافات الراهنة بين بعض دول الخليج عبر المصارحة والمكاشفة، والإسراع في تنفيذ توصيات وقرارات مجلس التعاون الخليجي المتعلقة بالوحدة النقدية الخليجية والبنك المركزي وتطوير 'درع الجزيرة'، وصولاً إلى تكوين جيش خليجي موحد قوي.

على دول الخليج أن تبدأ فوراً في تلبية الاستحقاقات المفروضة عليها، لأن الأوضاع الراهنة خطيرة بحق، وتطرح تحديات هائلة، تحتاج إلى مبادرة وجرأة وخيال وإبداع لمواجهتها.