علي حماده

أكثر ما أضحك مراقباً أوروبياً التقيته اثر انتهاء المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير خارجية سوريا وليد المعلم البارحة، قول الاخير رداً على العقوبات الاوروبية ضد النظام: quot;سوف ننسى ان اوروبا على الخريطةquot;! وذكّرنا بما قرره النظام قبل ثلاثة ايام رداً على الموقف التركي بتعميم اعادة وضع لواء الاسكندرون على الخريطة الرسمية لسوريا في الدوائر والمناهج التعليمية! ما اضحك المراقب الاوروبي لم يفاجئني، بل احببت ان اذكره بـquot;زعيقquot; احد quot;عباقرةquot; مجلس الشعب السوري مع انتهاء الرئيس بشار من القاء خطابه الاول نهاية آذار الفائت، اذ قال له quot;يا سيادة الرئيس ان الوطن العربي قليل عليك لازم تحكم العالمquot;! وكما يقولون، quot;فرطquot; المراقب الاوروبي ضحكاً وزالت عن وجهه علامات الاستغراب والتعجّب ازاء قول وليد المعلم انه سينسى ان اوروبا على الخريطة.
أكثر من ذلك، ان من يسمع الرئيس بشار الاسد في خطابه الاخير في جامعة دمشق (في الليلة نفسها جرى قتل طلاب في المدينة الجامعية) عندما قال رداً على النصائح التي وجهت الى النظام: quot;بدلاً من تلقي الدروس سوف نلقنهم دروساًquot;، يدرك مدى غربة النظام من قمته الى قاعدته عن الواقع في المحيط والعالم. فالاعتماد على الموقف الروسي ومن خلفه الموقف الصيني، يمد النظام بصورة مشوّهة عما يجري من حوله، وادعاء وليد المعلم ان كل الدول العربية من دون استثناء تقف مع سوريا (النظام) ضرب من ضروب الخيال، وهو اول العارفين بحقيقة الامر ولا سيما في الخليج العربي، حيث اوصدت من الناحية العملية كل الابواب تجاه النظام. ومن يعتبر انه يمكن البناء على صلابة الموقف الروسي لاستكمال حملة دموية ضد شعبه يكون كمن يعيش على كوكب آخر غير الارض. فالموقف الروسي متحوّل ومتدرّج وسوف ينتهي الى الاصطفاف خلف الموقف الدولي، فضلاً عن ان اوروبا واميركا وحدهما قادرتان على فرض عزلة اقتصادية شبه تامة على النظام في سوريا. فمقاطعة سوريا اقتصادياً ووقف التعاملات معها لا يمكن روسيا والصين تعويضه، ولا سيما على مستوى الاسواق المالية التي تتركز تعاملاتها بنسبة 98 في المئة على الدولار والاورو. فهل يمكن النظام ان يمضي في طريقه المجنونة محملاً quot;شوادرquot; من الدولارات على الطريقة الايرانية؟ وهل يمكن طبقة التجار في دمشق وحلب المتحالفة مع النظام حتى الآن ان تكمل المشوار مع نظام آيل الى ان يصير طريد العدالة في كل مكان؟
ان استمرار القتل لن يؤدي الا الى الخراب. وما يحكى عن اصلاحات يقوم بها الرئيس الاسد على الورق يفقد قيمته مع هذا الدفق من الشهداء الذين يسقطون منذ مئة يوم برصاص النظام في كل مكان. لقد توسعت الثورة وتعمّقت في نفوس السوريين، وصارت واقعاً لا يمكن انكاره، تارة بتجاهل الناس وطوراً بقتلهم. وكل يوم يمر ويتخلّف فيه الاسد الابن عن التغيير الجذري الذي يقطع مع quot;السجن الكبيرquot; الذي بناه حافظ الاسد يكون بمثابة الاستثمار في خراب سوريا، من دون ان يفلت نظامه من السقوط.