أمجد عرار 
كتب الباحث الصهيوني رون تيره أن سياسة إدارتي جورج بوش وباراك أوباما في الشرق الأوسط، برغم الاختلاف بينهما، أفضت إلى فسح المجال لإيران لتتبوأ المكان الأول للهيمنة على اللعبة السياسية والعسكرية غير المباشرة في الشرق الأوسط، لأن سياسة الإدارتين كانت مثالية لم تستعمل الواقعية، بحيث يكون فيها ما يدفع القادة المكيافيليين في الشرق الأوسط للخشية من الولايات المتحدة . وبهذا أضرت الولايات المتحدة بأمنها القومي وأضرت أيضاً بحلفائها في الشرق .
يستشهد الباحث بوزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنغر في كتابه ldquo;دبلوماسيةrdquo;، قوله إنه في حين تميزت السياسة الخارجية الأوروبية بتقديم مصالح استراتيجية محسوبة، وبسياسة واقعية، وبمحاولة إقرار ميزان قوى، تميزت سياسة الولايات المتحدة بتوجه مثالي على نحو عام .
ويرى كيسنغر أن الصراعات، بحسب التوجه الأمريكي، تنبع من عدم فهم يمكن توضيحه أو مظالم تجب إزالتها لا من تصادم مصالح أساسية .
ويرى الباحث أن السياسة الخارجية تؤلف بين البراغماتية والعقيدة، وتمنح ldquo;القيمrdquo; منظاراً لفحص أسئلة حول الشروط المسبقة في استعمال القوة، ومدى أهمية الشرعية الدولية، والحاجة لمباركة المؤسسات الدولية، أو كيفية حسم الأمر بين تكريس ldquo;التميّزrdquo; الأمريكي والتوجه نحو التعاون الدولي . ويعتقد أن إدارتي الرئيسين جورج بوش الابن وباراك أوباما، صاغتا سياسة شرق أوسطية تعتمد بقدر كبير على المثالية- برغم أن مثالية الإدارتين مختلفة - من غير دعم السياسة بالقدر الواجب من استراتيجية باردة محسوبة، وأن إدارة بوش في ولايتها الأولى تحملت مهام كثيرة وثقيلة، في حين لم تملك الدعم السياسي الأمريكي الداخلي وقوة المداومة المطلوبة لتنفيذها، ولم يتم تخصيص موارد تلائم عبء المهام . لهذا بلغت في ولايتها الثانية توتراً مفرطاً، وصعب عليها امتحان قدرة الصمود ومحاولة تغيير طبيعة الشرق الأوسط، بسبب ذلك . وحاولت إدارة أوباما أن تُحدث جو ldquo;إرادة خيّرة واحترام متبادلrdquo;، لكنها أحدثت واقعاً ldquo;أقل ردعاً وأقل فاعليةrdquo; من سابقتها في مواجهات مع أعداء الولايات المتحدة، وهي أيضاً لا تؤيد بشكل كاف حليفاتها . لهذا فإن إدارة أوباما في السنتين الماضيتين قللت من الحافز المعروض على قادة الدول العربية للتمسك بأمريكا .
وإذ تنبع صورة الشرق الأوسط من عوامل كثيرة أكثرها محلي، يدعو الباحث لعدم المبالغة في مقدار التأثير الأمريكي في صورة المنطقة . فلا تستطيع القوة العظمى الوحيدة أن تصوغ الشرق الأوسط كما يحلو لها . ومع ذلك هناك مكان لزعم أن الإدارتين الأمريكيتين صعّبتا على نفسيهما المواجهة في اللعبة الاستراتيجية، وهكذا أسهمتا، بخلاف نيّتيهما، في إضعاف الجبهة السياسية والعسكرية التي صدّت إيران ودافعت عن مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وصاغت جبهة أكثر ملاءمة مما كانت في الماضي لتحقيق مزايا إيران النسبية .
حلبة مثالية لإيران
كان ldquo;الصد المزدوجrdquo; حتى أواخر التسعينات لبنة أساسية في استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط . فقد رأت العراق وإيران تهديداً لمصالحها الحيوية ولهذا طمحت إلى صدهما معاً، مع أن الدولتين صد كل منهما الآخر أيضاً . وبعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 تبنت إدارة بوش استراتيجية التثبيط المسبق لتهديدات مستقبلية، ولتغيير وجه الشرق الأوسط، وبحسب هذه الاستراتيجية هاجمت أفغانستان والعراق، حيث بدا في البدء أن نشر القوات الأمريكية في هاتين الدولتين يهدّد إيران مباشرة ويقيّد حرية عملها . حلت الولايات المتحدة بنفسها محل العراق باعتبارها عامل التوازن في مواجهة إيران، وجرى الحفاظ على الإيحاء بالقوة الأمريكية الذي أفضى إلى تراجع ليبيا عن برنامجها النووي سنة ،2003 وأسهم في انسحاب سوريا من لبنان سنة ،2005 وقد يكون أسهم في تعويق مؤقت لبرنامج إيران النووي .
العراق وأفغانستان
لكن في العراق تبيّن سريعاً أن إدارة بوش التي فكّكت النظام هناك، لم تخصص موارد كافية، ولم تجند الإرادة والمثابرة المطلوبتين لإنشاء عراق جديد موالٍ للغرب، بنظر الباحث ldquo;الإسرائيليrdquo; الذي رأى أنه بعد القضاء على نظام البعث نشبت حرب - غير مباشرة وخفية وبلا اسم - بين إيران والولايات المتحدة على صورة العراق وعلى الهيمنة فيه وعلى مستقبله . وبرغم كون الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة، وبرغم مواردها وطموحها، تبيّن أن فاعلية إيران ومثابرتها على الحرب غير المباشرة على الهيمنة في العراق، أكبر . ويخلص، في هذه الجزئية، إلى أن الولايات المتحدة التي تقترب من إتمام الانسحاب من العراق، تقترب بقدر كبير من الانسحاب من مواجهة إيران على الهيمنة في العراق، حيث تعمل إيران داخل الجهاز العراقي لمنع نشوء تهديد عراقي لإيران في المستقبل، ولمنع أن تصبح القوات الأجنبية داخل العراق خشبة قفز لمواجهة إيران .
ويتوقع الباحث للعراق الذي سينشأ بعد الانسحاب الأمريكي أن يتحوّل إلى شريط حماية استراتيجي لإيران، فعندما يُزال التهديد المباشر من دولة محاذية، فإن كل ما يبقى لإيران هو أن تستعمل وسائلها غير المباشرة في دول ليست لها حدود معها (لبنان واليمن والبحرين والقرن الإفريقي وغزة وغيرها)، وبخاصة أن الصواريخ والنووي الإيراني معفاة من قيود الحدود المشتركة .
وفي نظرته لحالة أفغانستان يرى الباحث شبهاً بقدر ما بالعراق، ففي أفغانستان مكّن إسقاط الأجهزة من مشاركة إيران وتأثيرها بواسطة مندوبين، وقد أصبحت أفغانستان أيضاً حلبة تجذب موارد بعض أعداء إيران، حيث تُستنزف وتفقد الشرعية الداخلية في صراعات أخرى .
ومن وجهة نظر رون تيره فإن التحول الاستراتيجي الذي جرى على تركيا ليس نتاج سياسة خاطئة لأمريكا أو لrdquo;إسرائيلrdquo;، وقد يكون للسياسة الأوروبية نصيب في ذلك . لكن يبدو أن تحول تركيا إلى الشرق هو في الأساس نتاج خسارات داخلية .، حيث إن التحول إلى الشرق يصحبه تفسير جديد لمصلحة تركيا القومية، وقد لوحظت تباشيره سنة ،2003 حينما رفضت تمكين الولايات المتحدة من استعمال أرضها لفتح جبهة ثانية ضد العراق . ومع ذلك عارضت تركيا الغزو الأمريكي للعراق خشية أن يبعث ذلك توجهات انفصالية للأكراد في العراق تتسرب إلى الأكراد في تركيا . ويعتقد أن تركيا من غير توجه إسلامي كانت ستعارض الغزو أيضاً . ولم تحسب الولايات المتحدة حساباً لهذه المصلحة الحيوية في توقعاتها من تركيا في خطط الحرب . يصعب على الولايات المتحدة إذاً أن تؤثر في سياسة تركيا، وهكذا برغم أن إيران تحاذي دولة عضواً في حلف شمال الأطلسي، وبرغم احتمال المنافسة الإقليمية بين إيران وتركيا (التي لا ينبغي أن نقلل من أهميتها في الأمد البعيد)، تستطيع إيران أن ترى نفسها اليوم متحررة من تهديد مباشر على حدودها الشمالية الغربية .
لبنان والفلسطينيون
أفضى ضغط أمريكي فرنسي سنة ،2005 إثر اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، إلى إنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان، الأمر الذي يرى فيه الكيان ومحللوه نجاحاً استراتيجياً مدهشاً لإدارة بوش، لكن رون تيره يستدرك بأن انسحاب الجيش اضطر سوريا إلى العمل بوسائل سرية وغير مباشرة كي تستمر في التأثير في لبنان، وفي حين انخفض تأثير سوريا في هذا البلد إلا أن قوة حزب الله أخذت تكبر، بل بدأ الحزب يحل تدريجياً (وإيران بشكل غير مباشر) محل سوريا .
كان للولايات المتحدة وrdquo;إسرائيلrdquo; أدوات ضغط ناجعة على سوريا، وأفضى ذلك أكثر من مرة إلى كبح جماحها وإلى ضبط ما يجري في لبنان بواسطتها، لكن الفاعلية الأمريكية وrdquo;الإسرائيليةrdquo; في ضبط حزب الله وإيران أقل من ذلك، كما صعب على واشنطن وحليفاتها أيضاً أن تنافس في الساحة اللبنانية الداخلية وأن تُقوي، بقدر الحاجة، التيارات اللبنانية الموالية للغرب، ومثال ذلك عدم فاعلية أمريكا وحليفاتها في أزمة 7 مايو/أيار 2008 وتداعياتها .
وفي الساحة الفلسطينية جرت في 2006 انتخابات بضغط من الولايات المتحدة . وبرغم أن الاتفاقات بين ldquo;إسرائيلrdquo; ومنظمة التحرير الفلسطينية تمنع مشاركة حركة ldquo;حماسrdquo;، ضغطت إدارة بوش لإشراك جميع الفصائل الفلسطينية في الانتخابات التي أفضت إلى فوز ldquo;حماسrdquo; وسيطرتها بعد ذلك على قطاع غزة عسكرياَ . وبرأي رون تيره لم تصبح ldquo;حماسrdquo; حركة ديمقراطية، بل ldquo;استغلتrdquo; الانتخابات (لمرة واحدة في هذه المرحلة) لتدفع إلى الأمام بأهدافها ldquo;غير الديمقراطيةrdquo;، فضلاً عن أنها زادت تأثير إيران في الصراع ldquo;الإسرائيليrdquo; الفلسطيني، ومنحتها موطيء قدم عسكرياً غير مباشر في غزة، ومكّنت إيران من ldquo;تهديدrdquo; مصر (استشهد الباحث بتقدير الرئيس المصري السابق حسني مبارك)، والسلطة الفلسطينية وrdquo;إسرائيلrdquo; .
أوباما في مصر: استراتيجية حجر الزهر
مصر هي قلب العالم العربي والدولة العربية الأقوى، وهي منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، (في ظل النظام المنحل) الجهة الموالية لأمريكا الأكثر استقراراً وإخلاصاً في العالم العربي . كان الحلف السياسي والعسكري مع مصر مصدر قوة وتأثير للولايات المتحدة، وركناً أساسياً في البيئة الاستراتيجية لrdquo;إسرائيلrdquo;، ولاعبة رئيسة في جبهة صد واحتواء إيران وحلفائها، وفي تقديم دعم سياسي لتنازلات الفلسطينيين، حيث كان مبارك لاعباً رئيساً لتسكين الأزمات بين ldquo;إسرائيلrdquo; والفلسطينيين، وتحصين مكانة ldquo;فتحrdquo; وإضعاف ldquo;حماسrdquo; .
وما زال من السابق لأوانه تقدير كيف ستبدو مصر (بعد الثورة) عندما تنضج المسارات التي بدأت فيها . يقول الباحث الصهيوني: ربما كان تأثير الولايات المتحدة في مظاهرات ميدان التحرير والمسارات التي ولدت منها محدوداً أصلاً، لكن لم يبق لها سوى أن تنضم إلى المسار الذي نشأ . ويمكن أن نرى أيضاً إشارات إلى براغماتية واعتدال في موقف الإدارة قياساً لموقفها الأول، كما تم التعبير عنه في أواخر يناير/كانون الثاني ،2011 والدليل على ذلك أن شريك الولايات المتحدة الرئيس في الحوار حول مستقبل مصر هو الجيش (لا المعارضة المدنية) .
في نبرة عتاب، يقول الباحث إن إدارة أوباما وقفت جانباً عندما تم تحدي عدوها أحمدي نجاد بمظاهرات سنة ،2009 ووقفت جانباً عندما شهدت تونس مظاهرات قبل زمن قصير من الثورة في مصر . وعندما جرى تحدي مبارك، الحليف المخلص لها، أدارت واشنطن له ظهرها علناً، وبإجراءات ldquo;من وراء ستارrdquo; . ويتساءل: أي استنتاج يجب أن تستنتجه دول أخرى حليفة من سياسة أوباما إزاء مبارك؟
في معرض إجابته يعتقد الباحث أن الإدارة الإمريكية ضيّقت كثيراً هامش مناورتها، وترك لها خيارين سيئين: الأول أن تستمر في إدارة الظهر لحلفائها عندما يواجهون احتجاجات، وفي هذه الحال ستفرح إيران وتستغل الإسفين الذي يُدق بين الولايات المتحدة وبين حلفائها . والثاني هو الاعتراف بأن مبارك كان حالة شاذة، وأن البيت الأبيض سيؤيد حلفاءه من الآن فصاعداً . في هذا السيناريو ستفقد الولايات المتحدة من صدقيتها، وسيتم تصوير الرئيس الأمريكي بأنه متقلب، ويعترف في واقع الأمر بأن انضمام الولايات المتحدة للتضحية بمبارك لم يكن له داعٍ ونبع من جملة ما نبع منه، من عدم فهم قواعد اللعب .
يننتقد الباحث سياسة إدارة بوش في الشرق الأوسط ويتهمها بتحديد أهداف غير واقعية، في حين يعتبر أن إدارة أوباما لا تسلك طريقاً تقوي الإيحاء بالقوة الأمريكية، مدللاً على ذلك بسلوكها في العراق، وكيفية تعاطيها مع برنامج إيران النووي، وسلوكها إزاء الرئيس المصري السابق حسني مبارك، ما أثار علامات استفهام تتعلق بإخلاصها لحلفائها . وهو يرى أنه مع عدم وجود ldquo;العصا والجزرةrdquo; تصعب ملاحظة الحافز الذي تقدمه إدارة أوباما للحليف العربي كي يصبح في عداد المعسكر الموالي لأمريكا .
وبنظر تيره، تدفع إدارة أوباما إلى التغيير من دون أن تحاول أن تضمن إلى أين سيفضي قبل ذلك، حيث يحث البيت الأبيض على عرض ميكانزم ديمقراطي من دون أن يأخذ بالاعتبار دروس روسيا، وروسيا البيضاء، وقرغيزيا، والعراق وأفغانستان وغزة وغيرها: فحراك الديمقراطية من دون ثقافة ديمقراطية ومؤسسات مدنية قوية لا يضمن رسوخ الديمقراطية، بل قد ينتهي إلى استغلال للحراك من جانب جهات غير ديمقراطية .
ويضرب مثلاً، إذا تحققت السيناريوهات الأخطر وخسرت الولايات المتحدة مصر بصفتها شريكة قوية فعالة، فإن ذلك سيزيح بقدر كبير البساط من تحت قدمي استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط . وإذا حدث ذلك فإنه ليس للولايات المتحدة في هذه المرحلة استراتيجية ومراكز قوة بديلة، بل إنها لم تُجب عن سؤال، كيف تعزز ميزان القوى الإقليمي وكيف تحمي مصالحها القومية في ldquo;اليوم التاليrdquo;؟ وإذ يفترض أن نوايا بوش وأوباما خيّرة وسامية، ويرفض المبالغة في تقدير تأثير الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومع كل ذلك يبدو أن النتيجة غير المقصودة لنشاط الرئيسين كانت ldquo;عملية صوغ صورةrdquo; أسهمت بقدر لا يستهان به في ملاءمة الساحة لامتيازات إيران، وإضعاف الجبهة العربية وضعضعة توازن القوى الإقليمي . ويضيف أن عراق صدام حسين كان اللاعب العسكري الرئيس لاحتواء إيران، وكانت مصر والسعودية اللاعبتين السياسيتين الرئيستين . ومنذ احتلت الولايات المتحدة العراق بدا كأن الولايات المتحدة ستتحمل المسؤولية عن احتواء إيران عسكرياً، لكن كان كل ما فعلته أن أضعفت جارات إيران، ولاسيما حل الجيش والإدارة البعثيين في العراق، وآنئذ بدأت تنسحب بعدما أزالت تهديد نظام صدام، حيث إن حل نظام البعث جعل العراق قاعدة مريحة لنشاط إيران غير المباشر . ويضيف تيرة إلى هذه التداعيات، أنه بعد أن يتم إجلاء القوات الأمريكية عن العراق سيصبح بالتدريج منطقة دفاع استراتيجي عن إيران، وrdquo;إذا ضاعت مصر باعتبارها حليفة فعالة فسيضيع عامل مهم في احتواء إيران سياسياًrdquo; .
ويخلص الباحث الصهيوني إلى أن الإدارة الأمريكية وضعت نفسها بهذه السياسة أمام خيارين: نقل عصا الهيمنة الإقليمية إلى إيران أو مواجهة مباشرة معها .
الشرق الأوسط الجديد: عصر عدم اليقين
بعد الثورة المصرية وسقوط نظام حسني مبارك، سارع قادة الكيان إلى وصف ما يجري في المنطقة العربية، وبخاصة مصر، بأنه زلزال في الشرق الأوسط، متعدد المجالات يلحظ أثره اليوم وسيكون أكثر وضوحاً في المستقبل . وستكون للتغييرات تأثيرات اقتصادية، وقد تُغير ميزان القوى في المنطقة، وربما تُغير العلاقات بينها وتؤثر في مكانة الولايات المتحدة، وستكون لها آثار على ldquo;إسرائيلrdquo; .
في بحث بعنوان ldquo;الشرق الأوسط الجديد: عصر عدم اليقينrdquo; كتب الخبير الصهيوني أفرايم كام إن عدم اليقين لا يزال يهيمن على صورة المنطقة بعد الزعزعات التي أصابتها بالثورات، وهو لذلك يُدلي بثلاثة سيناريوهات قد تلخص صورة المنطقة في القريب، منها ما يرفضه ويراه بعيداً ومنها ما يرجح أن يقع . ويفترض أنه إذا أفضى التغيير إلى نشوء ديمقراطيات فسيكون ذلك في مصلحة الولايات المتحدة وrdquo;إسرائيلrdquo;، وإذا كان خلاف ذلك وقويت الحركات الإسلامية وتولت السلطة أو بعضها في دول مركزية فسيكون ذلك في مصلحة إيران والقوى ldquo;المتطرفةrdquo; في المنطقة وفي غير مصلحة الولايات المتحدة وrdquo;إسرائيلrdquo; .
يرى أفرايم كام أن الطاقة الكامنة لانفجار الغليان في دول عربية كثيرة كانت موجودة منذ زمن بعيد، وأن كثيرين في العالم العربي طالبوا بالتغيير وتحقيق المشاركة في الحكم على نحو يطوّر المجتمع ويحسّن الوضع الاقتصادي، ويوسّع حقوق الفرد ويضائل الفساد . وقد ساعدت الثورة المعلوماتية في تنمية الإرادة باتجاه هذه الأهداف . فالقنوات الفضائية واتساع استعمال الشبكة العنكبوتية علمت الجماهير ما أرادت نظم الحكم أن تخفيه وهو أنه توجد حياة أخرى أفضل من حياتهم في دول أخرى وأن لهم ما يطمحون إليه . حتى شتاء 2011 بقيت هذه الطاقة الكامنة حبيسة لأنه لم توجد لإرادة التغيير قيادة ولم تكن منظمة قطرية عامة . وإلى ذلك لم تؤمن الجماهير التي أرادت التغيير بالقوة . تمت تغييرات نظم الحكم في العالم العربي إلى الآن بانقلابات عسكرية ولم توجد سابقة تغيير بتمرد الجماهير . ويستشهد أفرايم كام بالثورة في إيران التي قال إنها دللت على أن الجماهير تستطيع إسقاط النظام، لكن حالة إيران عُدت شاذة لأنه كانت لها ظروف خاصة لا تلائم بالضرورة ظروف الدول العربية . وكان الثقاب الذي أشعل اللهب كان في دولة عربية غير مركزية وهي تونس، لكنها هنا تحوّلت إلى مركزية أو نموذج، حيث إن نجاح الجماهير في تونس في إسقاط نظام زين العابدين بن علي سريعاً، أثبت للجماهير في دول أخرى أنها تملك القدرة على التغيير . ومن هنا انتشر الحريق سريعاً فأسقط نظام مبارك في مصر، وجعل مستقبل نظام معمر القذافي في ليبيا مشكوكاً فيه وولد موجة مظاهرات واضطرابات في نحو 12 دولة عربية أخرى وفي إيران .
التغيير في مصر
يعتبر الباحث أن سقوط نظام مبارك هو أهم نتيجة لموجة الغليان إلى الآن، لأن مصر هي الدولة العربية الأهم، والتطورات فيها ستؤثر في دول أخرى، ولأن ما يحدث فيها سيؤثر أيضاً في توازن القوى الإقليمي، وفي علاقتها بالولايات المتحدة وrdquo;إسرائيلrdquo; .
وإذ يعطي الجيش فاعلية كبرى في تحديد المسار، فإنه يستند إلى كون الجيش عنصر قوة مركزي في النظام المصري منذ وقعت ثورة ldquo;الضباط الأحرارrdquo; سنة 1952 ومنذ وقعت حرب ،1973 صار يحظى بشعبية كبيرة في مصر، ولا يكاد يوجد شك في أنه بعد إنشاء النظام الجديد سيظل الجيش عاملاً مركزياً في مصر، وفي أن النظام القادم سيضطر إلى التوصل إلى تفاهم معه يحافظ على منزلته وعلى مصالحه المهمة .
ويتساءل أفرايم كام: هل الجيش مستعد لقيادة مصر إلى الديمقراطية؟ ويجيب بأنه يعتقد أن الجيش مستعد لقيادة تغييرات وإدخال إصلاحات سياسية ما، لكن لا يزال عمقها غير واضح . فالجيش كان متصلاً كثيراً بنظام مبارك وليس هو الجسم المثالي للقيادة نحو ديمقراطية حقيقية . اهتمام الجيش اليوم بالحفاظ على الاستقرار ومنع العنف والاهتمام بمكانته في النظام وصد جهات متطرفة عن قيادة النظام . وقد يشاء الجيش أيضاً صد جهود نشطاء ديمقراطية لنقض رموز القوة التي امتلكها في يديه تحت حكم مبارك وأن تساعده قوته وشعبيته في ذلك . كل ذلك لا يساوق التحول الديمقراطي الكامل . وعلى ذلك قد يُمكّن الجيش من تطور سياسي تدريجي حذر معتدل تجري في نطاقه تغييرات مهمة: انتخابات حرة نسبياً، وتوسيع الحرية السياسية، وشفافية الجهاز السياسي ومضاءلة الفساد .
لكن الباحث لا يرى بوضوح رلى الآن إلى أي حد سيتعمق المسار الديمقراطي في مصر . بل لا يستبعد أن يستعمل الجيش أو عناصر أخرى تحظى بقوة سياسية بعد انتخابات حرة نسبياً، بالقوة لتقييد حقوق الفرد والأقلية ولبناء قوتها هي . لكن السؤال المهم، بنظر الباحث وكثيرين، يتعلق بمدى قوة ldquo;الإخوان المسلمينrdquo; في نظام الحكم المقبل، حيث إن قوتهم الحقيقية ليست واضحة . ويقدّر أن ldquo;الإخوانrdquo; لن يحرزوا في انتخابات حرة أكثرية لكنهم سيصبحون حزباً كبيراً لأنهم الجسم السياسي الأكثر تنظيماً في مصر، ويملكون موارد مالية كبيرة، ويحظون بعدد واسع من الأنصار، ومن جملة أسباب ذلك اضطهاد النظام السابق إياهم . من هنا يأتي إمكان أن يشارك ldquo;الإخوانrdquo; في حكومة تنشأ بعد الانتخابات وإن لم يقودوها، ولا ينوي الجيش منعهم من المشاركة في الانتخابات، لكنه لن يؤيد دولة دينية، ولهذا يبدو أنه سيعارض إنشاء نظام حكم بقيادة ldquo;الإخوانrdquo; إذا أصبحوا الحزب الأكبر .
ويستبعد أفرايم كام أن ينشأ في مصر نظام كنظام إيران، ففي مصر يتحدثون أكثر عن نظام يؤلف بين الهوية الإسلامية المعتدلة والحداثة . وإذا توصل ldquo;الإخوانrdquo; إلى موقع ذي قرار في النظام القادم فإن الاحتمال ضعيف أن يقودوا مصر إلى الحرب مع ldquo;إسرائيلrdquo; أو أن يلغوا ldquo;معاهدة السلامrdquo;، لكنهم قد يعرضوها على استفتاء شعبي كما اقترحوا، أن يُفرّغوها من المضمون قدر المستطاع وأن يأخذوا بموقف يؤيد حركة ldquo;حماسrdquo; في قطاع غزة .
قد تتأثر علاقات النظام المقبل في مصر بالولايات المتحدة باعتبارين: عدم الاستغناء عن المساعدة الاقتصادية، منها علماً أن للجيش المصر علاقات وثيقة بالجيش الأمريكي، ومن المعقول، بنظر الباحث، الافتراض أن الجيش المصري لن يضر بها، في حين أنه سيكون واضحاً لمصر أن استمرار المساعدات مرتبط بالمحافظة على علاقات ldquo;السلامrdquo; مع ldquo;إسرائيلrdquo; . والاعتبار الثاني أن قسماً كبيراً من الشعب المصري لا يوالي الولايات المتحدة بسبب تأييدها ل ldquo;إسرائيلrdquo; وغزوها للعراق . وعلى العموم قد يكون النظام القادم أقل صداقة للولايات المتحدة مما كان نظام مبارك، وستحتاج الإدارة الأمريكية الى أن تبني من جديد بعض الصلات بينهما، وقد بدأت تعمل في هذا الاتجاه .
أي الدول مرشّحة للتغيير؟
يجد الباحث أفرايم كام صعوبة في التنبؤ بأي نظم الحكم ستسقط، وإذا سقطت فأي نظم ستنشأ بدلاً منها . لكنه يضع عدداً من الملاحظات إزاء ما يجري . ففي إيران طاقة كامنة عالية على إحداث تغيير في المستقبل بدأت قبل الموجة الحالية بكثير، وكان التعبير الأبرز عنها الاحتجاجات الواسعة في يونيو/حزيران 2009 (بعد الانتخابات الرئاسية) . ويرى أن إمكان تغيير نظام الحكم في إيران قائم منذ زمن، استناداً إلى أن جزءاً كبيراً من الشعب الإيراني يريد نظاماً مختلفاً يُمكّن من انفتاح سياسي وحريات . وقد أثار الغليان الحالي أيضاً مظاهرات في إيران رغم كونها محدودة جداً . إذاً لم ينضج الغليان إلى الآن ليصبح تحركاً للتغيير، ومن غير المعروف متى سينضج في بلد يعتمد نظامه على الحرس الثوري وعلى قوته السياسية والاقتصادية كلها، وهو الذي له مصلحة جوهرية في بقاء النظام . ولذلك يحتاج تغيير إلى ضم ثلاثة عوامل (لا تزال غير موجودة): قيادة ذات حضور قوي، وتنظيم واسع وتصميم المتظاهرين على المثابرة على النضال رغم استعمال القوة في مواجهتهم .
في سوريا بدأت المظاهرات في مرحلة متأخرة، لكنها تدهورت وانتشرت سريعاً وأخذت شكل احتجاج على السلطة . ويستعمل نظام الحكم التأليف بين تنازلات سياسية وقوة عسكرية لقمعها ولا يزال يسيطر على الوضع . لكن الغليان لا يزال مستمراً، وإذا زاد حدة فقد يُعرض مستقبل نظام الحكم للخطر .
وللأردن، يذكّر الباحث، أهمية خاصة لrdquo;إسرائيلrdquo; بسبب اتفاق السلام بينهما، وبسبب صلته بالشأن الفلسطيني . وهناك جرت أيضاً مظاهرات احتجاجاً على الوضع الاقتصادي وعلى الفساد، مطالبة بانفتاح سياسي . لم تكن سعة المظاهرات إلى الآن كبيرة ولم توجه ضد الملك بل عبّرت عن احتجاج على سياسة النظام لا على وجوده .
ليست واضحة قدرة نظام القذافي في ليبيا على البقاء بعد سيطرة أعدائه على أجزاء من الدولة وإزاء الضغوط الدولية التي تزداد عليه . وضع القذافي صعب غير أنه لا يزال مصمماً على المواجهة، وإن حقيقة أنه بنى عناصر السلطة حول نفسه وحول أبناء عائلته لا تُمكّن من إنشاء مؤسسات تستطيع أن تتولى السلطة وتضمن استمرار بقاء الحكم المركزي .
وليست اليمن دولة عربية مركزية، لكن لها أهمية كبيرة في نظر الولايات المتحدة في سياق مكافحة ldquo;الإرهابrdquo; . ينحصر قلق الإدارة الأمريكية في اليمن في ldquo;القاعدةrdquo; وهي ترى التابعة اليمنية للمنظمة أحد الأخطار الكبرى على الولايات المتحدة، وإذا حدث انهيار النظام، والدولة، سيعزز تنظيم ldquo;القاعدةrdquo; سيطرته فيها .
وبرأي الباحث، فإن عدم اليقين هذا سيوجب على الدول ذات الشأن - ومنها الدول الرائدة في الشرق الأوسط والولايات المتحدة - أن تخطط سياستها الإقليمية في ظروف عدم يقين مفرط .
فالتغيير الذي حدث إلى الآن محدود وجزئي في ظاهر الأمر، حيث أُسقط مبارك لكن سلطة الجيش الذي حل محله لا تزال لا تختلف في جوهرها عما سبقها، وليس الأمر بمنزلة ثورة ldquo;حقيقيةrdquo; . وأُسقطت السلطة في تونس لكن ما حل محلها لا يبشر بثورة، وعلى كل حال ليست تونس دولة عربية مركزية . وتجري على بعض نظم الحكم الأخرى في المنطقة زعزعة لكنها تصمد إلى الآن .
ويعتقد أفرايم كام أن التغيير المحدود الذي يظهر الآن فوق السطح ldquo;يجب ألا يضللنا لأن التغيير حقيقيrdquo; .
على ذلك يجب أن يكون فرض الانطلاق أن تستمر الزعزعة بضعة أشهر على الأقل، وربما أكثر لأن طاقة استمرارها الكامنة موجودة . حتى لو خمد الغليان فإنه قد يعاود الانفجار بعد وقت . وقد ثبت وجود علاقة وتأثير متبادل بين أمواج الغليان في الدول المختلفة . إن نجاح المتظاهرين في إسقاط النظام في مصر الذي بدا مستقر جداً، قد يكون باعثاً وقدوة لجماهير ثائرة في دول أخرى .
وفي حين أن الزعزعة في الشرق الأوسط لا تزال في ذروتها يتوقّع أفرايم كام ثلاثة سيناريوهات لحجم التغييرات التي قد تحدث وعمقها:
1- أحد السيناريوهات هو أن تقف التغييرات في الوضع الحالي أو شبيه به، أي تستمر مظاهرات محدودة في الفترة القريبة، وتصمد الأنظمة العربية مع تنازلات سياسية ضئيلة لمطالب الجماهير والمعارضة . معنى هذا السيناريو أن الشرق الأوسط المعروف سيستمر في البقاء في الأساس بعد سقوط نظام مبارك، وتظل مسيرة التحول الديمقراطي محدودة . احتمال هذا السيناريو في هذه المرحلة متوسط .
2- حسب سيناريو مناقض ستسقط نظم رئيسة في الشرق الأوسط وينتج عن ذلك تغيير استراتيجي . وسيضائل سقوط نظام الحكم في طهران بقدر كبير شدة التهديد الإيراني ويفتح باباً للتحادث بين النظام الجديد والولايات المتحدة وربما مع ldquo;إسرائيلrdquo; بعد ذلك .
3- السيناريو الأوسط هو أن يستمر الغليان ويفضي إلى تغيير في ليبيا واليمن وربما غيرهما . في هذه الحال سيكون التأثير في المنطقة كلها محدوداً . لكن توجد نظم تأثيرها الاقليمي مهم ومنها سوريا والأردن . ولتغيير النظام في الأردن تأثير سلبي في علاقاته مع ldquo;إسرائيلrdquo;، وقد يفتح تغيير النظام في سوريا إمكانات جديدة لمحادثة الولايات المتحدة وربما ldquo;إسرائيلrdquo; أيضاً . ومن الجهة الأخرى يصعب توقع أن يُليّن نظام جديد مواقفه في شأن التسوية مع ldquo;إسرائيلrdquo;، ويجب أن يؤخذ في الحساب أن هذا النظام قد يكون أكثر عنفاً في مجابهة ldquo;إسرائيلrdquo; .
ولا يرى أفرايم كام خشية لدى الغرب وrdquo;إسرائيلrdquo; من التحول الديمقراطي للوطن العربي بل من السيناريو الآخر المخالف، وهو ldquo;الأسلمةrdquo; كما في إيران، ومن إمكان أن تتولى حركات إسلامية الحكم بالانتخابات، وأن يتبين أن القوى التي كانت سبباً لتعزيز الحركات الإسلامية في المنطقة في العقدين الأخيرين أقوى من أنصار الديمقراطية .
ويفترض الباحث بأنه إذا لم تمس الزعزعة الإقليمية آخر الأمر النظام الإسلامي في طهران أو حلفائه في دمشق وغيرها، فقد تصبح إيران بين الرابحين منها .











التعليقات