رياض نعسان أغا

مع انطلاق الربيع العربي واستعادة المكانة العريقة للمسجد ولخطبة الجمعة التي بدأت تعقد في الساحات العامة في بعض المدن العربية التي تشهد ثورات غير مسبوقة وقد غيرت وجه المنطقة، صار الخطاب الإسلامي موضوعاً راهناً ومستقبليّاً، وقد بدت المظاهر والشعارات الدينية حاضرة بقوة حتى ظن بعض المراقبين أن ما يحدث هو ثورات ذات طابع ديني، مع أنها ثورات مدنية صرفة، ولكنها كشفت عمق حضور الإسلام في وعي المسلمين. وسرعان ما عادت خطبة الجمعة تناقش قضايا السياسة التي كانت محرمة على خطباء المساجد في الغالب، وقد برزت ظاهرة مشاركة كل أطياف المجتمع في هذه الصلوات التي تحولت إلى حالة دفع وقوة للثورات. وفي مصر كان بعض الشباب المسيحيين المشاركين في الثورة يحمون المصلين المسلمين في مشاهد ستحفظها الذاكرة الوطنية التي برز في جوهرها رسوخ الإرادة الشعبية في جعل المواطنة انتماء تعيش في فضائه الرحب كل الأديان والأعراق، وهي تتابع مسيرتها التاريخية التي تعود في بعض الأقطار العربية إلى ما قبل الإسلام حين كانت الثقافات المتنوعة سر كون المنطقة مهد حضارات عريقة.

وقد اشتد الحوار حول دور الإسلام في صياغة المستقبل ولاسيما في البلدان التي تم فيها التغيير، وظهرت أفكار أثارت مخاوف من ظهور دول دينية تستعيد الماضي والتاريخ وتقذفه إلى المستقبل، وبدا أن بعض المتحمسين يختلط عليهم فهم معنى الدولة المدنية، وعادت في خفوت دعوات إلى بناء دولة الخلافة عند من يعتقدون أن الخلافة جزء من شكل الدولة في الإسلام، وعلى الضفة المقابلة ظهر من يستنكرون أن يذكر الإسلام في الدستور أو أن يكون مرجعية، وعادت إلى الساحات مناقشات حادة حول أصول الحكم في الإسلام، وحول قضايا الديمقراطية والعلمانية والحداثة ودور المرأة ومكانتها، بشكل يذكر بحوارات عصر النهضة العربية. ويبدو أن الاضطراب العام الذي تعيشه الأمة اليوم يجعل الحوار الدائر أكثر سخونة لكونه يخرج من الإطار النظري إلى قدرة على الفعل، كما أن انطلاق الحوار في نشوة الانتصار عند بعض المتحاورين يزيد الوضع اضطراباً، فقد صار بعضهم يشعرون بأنهم أسهموا في صناعة الحدث الضخم ولن يسمحوا لسواهم بأن يقطفوا الثمرة اليانعة.

وثمة اختلاف في فهم المقصود بكلمة الخطاب، وما أعنيه بالدلالة، هو فهم الناس للنص المقدس وليس النص نفسه، وربما يبدو هذا التحديد عند بعض المفكرين إشكالية، فهناك من يرى أن النص ذاته هو الموضوع وليس مجرد فهمه أو تأويله، ولكن إشكالية النص ليست عند المسلمين المؤمنين بقدسيته، وإنما هي عند من يرفضون الدين عامة أو الإسلام بخاصة رفضاً عقائديّاً، ويأخذ الحوار حول النص ذاته بعداً فلسفيّاً أكثر من كونه سياسيّاً، وتعود من جديد قضية الصلة بين الدين والسياسة إلى الأولوية، حيث تطالب العلمانية بالفصل، ويطالب الإسلاميون بالوصل، ويستعيد الحوار مضامين تناولها المفكرون في معارك فكرية شهيرة كتلك التي واكبت كتاب علي عبدالرازق quot;الإسلام وأصول الحكمquot; حيث أعلن الشيخ الأزهري أن قضية الحكم متروكة للمسلمين ولا يوجد شكل محدد له في الإسلام، بينما رأى مناظروه أن الشريعة لابد لها من سلطة تطبقها. وقد حسم الأمر في الثمانينيات حين أعلن مفكرون إسلاميون كبار قبولهم بالديمقراطية البرلمانية شكلاً للحكم، وحين تم توافق على كون الدولة في الإسلام دولة مدنية أساسها الاجتهاد. وحرص هؤلاء على ألا يحرم الشعب من حقه في التفكير والتدبير بحجة الفهم الضيق لمعنى الحاكمية. ويستعيد الحوار كذلك كون quot;اللائكية العلمانيةquot; نتاجاً أوروبيّاً، وأنها دخلت إلى الحالة العربية عبر مفكرين من غير المسلمين، وفي ظروف الوجود العثماني الضاغط على العرب ولاسيما في فترات ضعفه حين تمت ممارسة الاستبداد باسم الدين.

ولئن كان الخطاب الذي تبلور في مطالع القرن العشرين قد تأثر بانتهاء العهد العثماني وظهور الدولة العربية بعد قرون من الغياب، حيث قابل العرب نزعة التتريك والدعوات الطورانية بدعوات إلى التعريب وإحياء القومية العربية عبر جامعة عربية تضم الأمة، فإن دعاة الجامعة الإسلامية أنكروا دعوات القومية وأصروا على أن الإسلام هو الجامع وحده، وقد استمر الشقاق بين المشروعين القومي والإسلامي على مدى عقود من القرن العشرين حتى بدأ الطرفان استعادة التفاهم وتبلور الاتجاه إلى الاعتراف المتبادل بأن العروبة هي الجسد والإسلام هو الروح وأنهما قطبان متكاملان لا ينفصلان ولم يكتمل اتحاد المشروعين لأسباب سياسية بحتة. وفي أواخر القرن العشرين برزت قضايا الحداثة وما بعد الحداثة وظهرت أفكار تدعو إلى أسلمة الحداثة قابلتها أفكار أخرى تدعو إلى تحديث الإسلام، وكان التفسير الغربي للحداثة وبكونها قطيعة مع الماضي قد جعلها موضع ريبة عند نخب المسلمين.

ومع اشتداد الهجمة الغربية على الإسلام وتشويه أفكاره وتقديمه كما لو كان مسؤولاً عن كل جريمة إرهابية أخذ الحوار اتجاهات متعددة بعضها يواجه الصراع بالحوار ولكن بعضها الآخر صار مستعداً للمواجهة، وربما تكون الجريمة التي وقعت في أوسلو مؤخراً التي اتجهت فيها أنظار الغرب إلى المسلمين ثم كانت المفاجأة أن مرتكبها أصولي مسيحي يميني متطرف، قد غيرت نوعاً من التعميمات التي برع الإعلام الغربي في نشرها وجعلها ثقافة معادية للإسلام دون أية حاجة إلى أدلة. وقد أكدت هذه الجريمة ما يرتاب فيه كثير من أصدقاء العرب والمسلمين في الغرب من كون العالم الذي نعيش فيه غارقاً في سلسلة من الأكاذيب التي صدقها من اخترعوها، وأعتقد أن ما تم نشره مؤخراً من اعتراف ضابط ليبي بأن القذافي أرسله لتفجير سفارة عربية في تونس بهدف الترويع من خطر quot;القاعدةquot; في المغرب قد زادت من الشكوك المشروعة حول حقيقة ما ينشره الإعلام عامة حول العمليات الإرهابية وبوسعنا أن نتذكر الجريمة التي وقعت في كنيسة القديسين في الإسكندرية والتداعيات الإعلامية التي واكبتها، ثم المفاجأة التي أطلقها البريطانيون في كشف السر أثناء الثورة.

وقد ظهرت في الغرب دعوات عاقلة لإنهاء الحملة المعادية للإسلام التي أطلقها بوش، وجاء خطابا أوباما في القاهرة وأسطنبول يمهدان لمصالحة تاريخية ممكنة، ولكن موقف الولايات المتحدة من الصراع العربي الإسرائيلي جعل الخطابين يفقدان كل ما قدماه من تحيات ومضامين. ولن ينفع الدعم الأميركي والأوروبي لربيع الثورات العربية في تحسين الصورة، وتوطيد الصلة، ولن تحقق الحوارات الإسلامية السياسية مع الغرب والولايات المتحدة أي تقدم جوهري في ظل الإصرار الأميركي والأوروبي على الدعم المطلق لإسرائيل على حساب العرب، وقد وضح أن الصراع مع إسرائيل في عصر الثورات العربية سيشهد تحولات تاريخية، وحسبنا تأمل موقف الشعب المصري بعد نجاح ثورته من قيام إسرائيل بقتل ثلاثة ضباط مصريين، فقد هددت هذه الحادثة علاقة مصر وإسرائيل لهزة عنيفة، وكان يمكن أن تمر في عهد مبارك بدون تعليق أو تداعيات، لقد عبر الشعب المصري عن ولادة خطاب جديد يطلقه ربيع الثورات العربية.