حامد الحمود


أخمدت قضية الإيداعات المليونية في حسابات بعض النواب وهج الفزعة الاقتصادية التي تصدرت عناوين الصحف منذ أسابيع، والتي كان من نتائجها تشكيل لجنة استشارية كبرى، وأخرى صغرى تهدف لتصحيح المسار الاقتصادي، ومحاربة الإسراف في ميزانية الدولة. حتى أن الحديث حول هذه الفزعة الاقتصادية ولجانها الكبرى والصغرى أصبح غير مقبول بعد توهج لهب قضية الإيداعات المليونية. ولربما سيصبح الحديث عن استقالة الحكومة، أو أن يحل المجلس نفسه، أو تشكل لجان كبرى وصغرى لتخفيف مستنقعات الفساد أكثر قبولا من الحديث عن تحقيق هذه الفزعة الاقتصادية، مما يدعو إلى مناقشة الأسباب الموضوعية من اقتصادية وسياسية ونفسية المؤدية إلى امتداد مساحة هذا المستنقع.
ولفهم ظاهرة الفساد المستشري عندنا لا بد من الإشارة إلى العلاقة العضوية بين الفساد ودول الاقتصاد الريعي. وهي تلك الدول التي تعتمد فيها السلطة التنفيذية على إيراداتها من تصدير مواد أولية بدلا من اعتمادها جزئيا أو كليا على الإيرادات الضريبية. وهناك دراسات تثبت وجود علاقة طردية بين شيوع الفساد الإداري بالاعتماد على تصدير المواد الأولية. فهناك تفاوت في انتشار الفساد بين دولة وأخرى وفقا لمدى اعتماد هذه الدولة على الإيرادات من تصدير المواد الأولية مثل النفط. لذا، فإن احتمال انتشار الفساد في دول يعتمد اقتصادها على تصدير النفط بما يزيد على %90 يكون أكثر. والكويت ودول الخليج الأخرى والعراق وليبيا تأتي ضمن هذه الدول. ويرى الان نويل الأستاذ في جامعة مونتريال في بحثه المعنون النفط والديموقراطية: عندما يكون النفط اعاقة laquo;فان الدولة الريعية معرضة أكثر من سواها للتسلط والفساد، لأنها غير ملزمة بكسب رضا كبير من سكانها لتحافظ على نفسها. كما أن النخب الحاكمة التي تستفيد من هبة تخرج من باطن الأرض ليست مجبرة على دفع الشعب إلى القبول بضرائب كبيرة، ويمكنها أن تبذر إذا شاءت أن تشتري السلم الأهليraquo;. وفي الدول الريعية البرلمانية، تتوفر إيرادات غير محدودة للسلطة التنفيذية، لتتمكن من شراء من انتخب ليراقب أداءها.
كما أن هناك أسبابا نفسية ناشئة من عدم الاستقرار السياسي، تشجع الفرد على الانغماس في الفساد. ففي المجتمعات التي تعاني الحروب والثورات يتكون شعور بعدم الاطمئنان، يعوضه الفرد باللجوء إلى الكسب المادي غير المشروع، أو إلى نمو ظاهرة الجشع المادي على حساب الوازع الأخلاقي. وأرى أنه لو قمنا بدراسة مقارنة حول سلوك الكويتيين قبل الغزو العراقي وبعده، لوجدنا أن الجشع والإقبال على الكسب المادي بطرق غير مشروعة قد ارتفعا بشكل ملحوظ بعد الغزو. فنتيجة لعدم الاطمئنان وانعدام الثقة بالمستقبل، تعلم كثير من الكويتيين وسائل كسب غير مشروعة، تفاوتت من اختلاس ملايين من قبل البعض إلى الحصول على مئات عند البعض الآخر. هذا باعتبار أن تقديم معلومات كاذبة من أجل الحصول على دعم أكبر كسب غير مشروع.
ويمكن اعتبار أن الحياة ضمن دولة ريعية تعتمد في مجمل إيراداتها على مواد أولية مثل النفط، هي بنفسها حالة عدم استقرار تشجع على الكسب غير المشروع. ويلاحظ أن هذا الميل إلى الكسب غير المشروع يعزز سلوكيات الإسراف الشائعة في المجتمع الكويتي. فهناك خوف من ألا يستطيع هذا المبذر المتنفذ من إدامة سلوكه المسرف، laquo;مضطراraquo; إلى الكسب غير المشروع لخفض درجات هذا الخوف. لذا، لا بد أن يكون احتمال الفساد والإفساد أكثر لدى المسرفين.
أعتقد أن أسباب الفساد متعددة ومتداخلة، والخوض في تفاصيلها بصراحة وبجرأة ضرورة للحد منه في المدى القصير وتجفيف مستنقعاته على المدى الطويل. فالحديث عن فزعة اقتصادية وإصلاح الإدارة ووقف الإسراف يبدو هزليا في انتشار هذا الحجم من الفساد.