مازن حايك

quot;كلامي في فرنسا اجتُزئ وأُخرج من إطاره، ولذلك فُهِمَ على غير محله أو تم تحويرهquot;، قالها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي فور عودته إلى بيروت، ساعياً لتوضيح مواقفه المثيرة للجدل، والتخفيف من الإنتقادات. وبعيداً من الخوض في مبادئ بكركي وثوابتها الوطنية، أو في موقفها من النظام السوري والعلاقات اللبنانية - السورية، أو في مسألة حضور رجال الدين وتدخُّلهم في السياسة والمال والأعمال وغيرها، أو في الأسباب التي أفضت تدريجاً إلى غياب القيادات السياسية والقامات في البلد... لا بد من التطرّق، بحرص ومحبة واحترام، إلى ظاهرة quot;البطريرك ndash; الإعلاميquot; الكاريزماتي اللامع، والتحديات المحيطة بصورته، ونشاطه الإعلامي، وتواصله الدائم والمباشر مع الناس، وشغفه بالزخم الشعبي.
طبعاً، تغيّرت الظروف، وتطوّرت أساليب التواصل والتفاعل والتأثير والإقناع، بالمقارنة مع زمن quot;بطريرك الموارنة يُزار، ولا يزور!quot;. فالبطريرك الراعي، وفور انتخابه، ذهب بعيداً في الظهور الإعلامي المُفرِط، وتغطية نشاطاته اليومية المتعددة والمتنقلة، واحتلال الساحات والشاشات ونشرات الأخبار، واتخاذ المواقف من كافة الأمور والملفات، مما يُعرّض صورته لخطر quot;الإحتراقquot; لشدّة الضوء وكثرة quot;الترويجquot;... كما يُظهره بمظهر المُنافِس للسياسيين، والإعلاميين، وquot;الماركات المسجلةquot;، والبرامج التلفزيونية لناحية الجماهيرية ونسب المشاهدة، علماً أن تلك، وبعكس البطريرك، تخضع لعوامل العرض والطلب، واللمعان والتآكل، والصعود والهبوط، بالمعنى التسويقي للكلمة. أما الخطر الآخر، فيكمُن في الخوف المتزايد من أن يأتي الظهور الإعلامي المُفرِط للبطريرك على حساب المساحة الحقيقية التي يوليها لشؤون الكنيسة، والرعية، والصلاة، والتنشئة اللاهوتيّة، والقراءة، والتأمل، والراحة...
إذاً، لا بد للحريصين على صورة البطريرك، والقيّمين على إطلالاته الإعلامية، والمؤتمَنين على وقته الثمين، من تنقية صورته، وتحصينها بالمزيد من quot;المناعةquot; والرويّة والبُعد التخصُّصي، عبر اعتماد وتيرة ظهور إعلامي مُخفَّفة وهادفة، كماً ونوعاً، واختيار المكان والزمان والمحتوى الأنسب لإطلاق التصريحات، لتُعبّر بدقّة عن مبادئ بكركي وثوابتها، وتكون أكثر تجانساً مع المواقف التي يُراد فعلاً التعبير عنها، بدل الوقوع في فخ الإرتجال والتكرار وأحياناً التناقض. أو لوم الإعلام على التحوير، والإجتزاء، وسوء الفهم، وقلّة التقدير... علماً أن مواقف البطريرك الأخيرة في فرنسا، لم تكن تحتمل أصلاً أياً منها، بل جاءت واضحة ومُتلفزة بالصوت والصورة.
أفلا يُمكن اعتماد quot;حل وسطquot; ما بين الإنكفاء، والتعتيم، وندرة التواصل، من جهة، والجنوح نحو الظهور الإعلامي المُفرِط، والدخول في الشاردة والواردة، والتعليق على كل الأمور والملفات، من جهة أخرى؟!