قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الياس سحاب

لو نظر المرء إلى تطورات المرحلة الراهنة من مراحل تطور القضية الفلسطينية من زاوية أي جهاز من الأجهزة الإعلامية التابعة للسلطة الفلسطينية، مكتوبة كانت أم مرئية أم مسموعة، فإن بإمكانه أن يذهب في التفاؤل إلى أبعد مدى ممكن .

بإمكانه فعلاً أن يتباهى بأن المرحلة الراهنة قد شهدت إبرام المصالحة بين حركتي ldquo;فتحrdquo; وrdquo;حماسrdquo;، مع انبلاج فجر ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني في أرض الكنانة، بعد أن طال انتظار وثيقة المصالحة لتوقيع التنظيمين في عهد الرئيس المصري المخلوع .

بإمكانه أيضاً، أن يفاخر بالهجمة السلطوية على جميعة الأمم المتحدة لانتزاع اعتراف منها بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، باعتباره مشروعاً سياسياً ناجحاً في حالة النجاح أو حتى الفشل . فإذا نجح المشروع، انتزع الفلسطينيون حقهم في إقامة دولتهم من أرفع مؤسسة للمجتمع الدولي . وإذا أخفق كانت العملية هجوماً دعائياً ناجحاً من الناحية الإعلامية، في لفت نظر المجتمع الدولي مرة جديدة، إلى ثبات الفلسطينيين في التمسك بحقهم في إقامة دولتهم .

بإمكانه أيضاً، أن يذهب في التفاؤل درجات أكثر تقدماً، فيؤكد أن حصار غزة قد تم كسره أخيراً، ولو جزئياً، بقرار مصر فتح معبر رفح أخيراً .

بإمكانه أيضاً، لو أراد، أن يتباهى بأن حكومة الدكتور سلام فياض التي اتخذت على عاتقها مسؤولية بناء الأجهزة الإدارية الممهدة لقيام الدولة الفلسطينية، عندما يتخذ القرار الدولي الحاسم، قد نجحت في هذه المهمة في السنوات الثلاث الأخيرة بدرجة ملحوظة، رغم الضغط ldquo;الإسرائيليrdquo; في كل المجالات .

لكن كل هذا التباهي والتفاؤل يبقى أسير الناحية الإعلامية الدعائية، أو الناحية النظرية إذا شئنا . إذ إننا ما إن نبادر إلى النظر لتطور القضية الفلسطينية من الناحية العملية أو الناحية التطبيقية، التي لا تصح ولا تستقيم الا بتحليل المجريات الراهنة للقضية، على ضوء حقائقها التاريخية الثابتة، وآفاقها التاريخية المنشودة، وهي الحقائق والآفاق التي استشهد مئات الآلاف من الفلسطينيين، وبعض العرب، على مذبحها منذ عشرات السنين، وما زالوا يرغبون في الاستشهاد، حتى تتبدى لنا الأمور في صورة أخرى، تذهب في بعض نواحيها الأساسية، إلى حد التناقض مع تفاؤل الصورة الإعلامية والدعائية للقضية .

فلو بدأنا مثلاً بمسألة المصالحة، فسنجد أن ما تم حتى الآن تحت هذا العنوان لم يحقق شيئاً من الأهداف الوطنية الحقيقية لمصالحة وطنية أكيدة . كان يفترض أن ترفع نهائياً الحواجز السياسية القائمة (وما زالت) بين السلطتين السياسيتين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وصولاً إلى استعادة وحدة سياسية فلسطينية حقيقية، في العواطف والإعلام كما في المؤسسات . وهذا ما لم يحدث منه شيء حتى الآن .

فاذا انتقلنا إلى احتمال صدور اعتراف دولي بحق الفلسطينيين بإقامة دولتهم، سواء حقوقياً أو إعلامياً، فإننا نذكر أن قراراً صدر في العام 1947 (قرار التقسيم رقم 181)، كان قد ضمن هذا الحق من قبل الجمعية العمومية ومجلس الأمن، لكن أكثر من ستين عاماً مرت على هذا القرار، أدت في النهاية إلى إفراغه من محتواه وكأنه غير موجود، وذلك بسبب تفاقم اختلال ميزان القوى بين العرب عموماً وrdquo;إسرائيلrdquo; .

أما مسألة نجاح السلطة في ضمان استمرار تدفق المساعدات المالية من الاتحاد الأوروبي، فالنتيجة التاريخية لهذا الاستمرار هي عملياً تعميق ارتهان المصير التاريخي لقضية فلسطين، بيد اتحاد أوروبي يزداد يوماً بعد يوم، على الصعيد الرسمي لا الشعبي، التصاقاً بالحركة الصهيونية، وليس فقط ب ldquo;إسرائيلrdquo; .

بعد جردة الحساب هذه، على الصعيدين النظري والتطبيقي، ماذا نجد أمامنا في المحصلة النهائية؟

نجد استكمالاً صهيونياً لتهويد ما تبقى من أرض فلسطين، حتى بلغت نسبة ما ترك لإقامة الدويلة الفلسطينية (إذا صدر بشأنها قرار دولي)، لا يتخطى العشرة في المئة من مساحة فلسطين التاريخية، وليس ذلك هو وحده الثمن المطلوب دفعه، بل التخلي نهائياً عن حق عودة الفلسطينيين إلى أرض أجدادهم . أما الدويلة الممكنة فهي أيضاً منزوعة السلاح، ومسيطر على كل حدودها من قبل الكيان الصهيوني .

هل من مجال بعد ذلك لأي تفاؤل يبنى على اللحظة التاريخية الراهنة للقضية الفلسطينية، حتى إعلامياً ودعائياً؟