قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حسن حنفي

كانت نتائج الانتخابات المصرية الأخيرة متوقعة في جزء منها وغير متوقعة في الجزء الآخر. فقد كان متوقعاً فوز حزب quot;الحرية والعدالةquot; بالأغلبية النسبية حوالي 40% من الأصوات. وجاءت النتيجة في المرحلتين الأولى والثانية حسب التوقع. أما غير المتوقع فهو نتيجة حزب quot;النورquot; السلفي الذي نال 20% من الأصوات محققاً المرتبة الثانية ليؤكد أن الدين مغروز في القلوب في صيغته المحافظة وأحياناً الشكلية، الحجاب والنقاب والاختلاط ، وكثير منها يدور حول المرأة والجنس والتحريم والمنع. وبعض الناس يهوى هذا الإسلام التحريمي لأنه يدل على قوة الإرادة. وهو في الإعلام حاضر وبارز، يملأ قنوات الفضاء، ويغزو بعض الأسر. فما أسهل تربية النشء على التحريم والمنع، وتحول كل شيء إلى quot;تابوquot;. فيعيش المواطن في عالم من المحرمات.


وكان من غير المتوقع أيضاً نزول الأحزاب الليبرالية، القومية والناصرية والتقدمية واليسارية، إلى المرتبة الثالثة ممثلة في الكتلة المصرية والوفد والعدل والوسط والثورة مستمرة والتجمع والعربي الناصري وغيرها من الأحزاب الصغيرة، ومعرفة حجمها الفعلي لدى الناس. عيبها أنها لم تنزل موحدة.
فإذا كانت الحكومة القادمة تعبيراً عن إرادة الشعب التي تمثلها نتائج الانتخابات في البرلمان فإنه لا أحد من القوى السياسية لديه الأغلبية المطلقة أكثر من 50%، ولا بديل عن التحالف أو الائتلاف بين أكبر قوتين سياسيتين في مجلس الشعب القادم ليس لأسباب حزبية بل لأسباب وطنية. فإذا شكل حزب quot;الحرية والعدالةquot; الحكومة فأمامه طريقان: إما أن يتحالف مع حزب quot;النورquot; الذي يتفق معه في المبادئ العامة وفي الأيديولوجية الإسلامية على رغم الاختلاف في تفسيرها. وبالتالي يحصل الحزب على الأغلبية المطلقة حوالي 60% من الأصوات. وفي هذه الحالة تكون التيارات الليبرالية واليسارية في المعارضة. والائتلاف على هذا النحو لا يحقق الوحدة الوطنية التي كانت وراء انتصار ثورة يناير. ولا تتحقق التعددية السياسية التي كانت هدفاً من أهداف الثورة، وتنتهي ديكتاتورية الفرد إلى ديكتاتورية الأغلبية والفرد الواحد. وينتهي الحزب الحاكم القديم الذي كان ينال ما يزيد عن 90% إلى حزب حاكم جديد ينال ما يقارب 65% ويخشى الناس من تكرار تجربة الجزائر عندما حصلت جبهة الإنقاذ الإسلامية على الأغلبية فانقلب عليها الجيش، وألغى الانتخابات. ويخشى الناس أيضاً من تأويل الإسلام الذي يقوم على المنع والتحريم والزجر والفصل والعقاب وفقدان تأويل الإسلام الإصلاحي الذي بدأته مصر منذ قرنين من الزمن عند الأفغاني ومحمد عبده، وتحدث ردة في تاريخ مصر. وقد يؤثر ذلك على باقي الثورات في ليبيا، وبعد نجاح ثورتي اليمن وسوريا، عندما تنال الحركات الإسلامية الأغلبية وتتجه نحو اليمين المحافظ كما حدث في مصر. وقد يخشى الجيش وينقلب على مجلس الشعب أو يظل المجلس العسكري في السلطة بدعوى الحفاظ على الأمن إذا ما قامت مظاهرات ضد الأغلبية البرلمانية، ووقعت حوادث عنف سواء تم ذلك طبيعيّاً أو افتعالاً. وما أسهل المناورات السياسية من قبل كل الأطراف. وقد يزداد تخوف الغرب من صعود بعض الحركات الإسلامية كوريث للنظم السابقة وكمعبر عن روح الثورات العربية على رغم محاولاته التعاون معها وحوارها، والتمييز بينها وبين الإسلام السياسي الذي يمارس العنف.

والطريق الثاني هو التحالف مع التيارات الليبرالية والقومية والناصرية واليسارية الممثلة في الكتلة المصرية والوفد والوسط والعدل والثورة مستمرة. وبالتالي ينال حزب الحرية والعدالة نفس الأغلبية المطلقة 40% له بالإضافة إلى حوالي 30% من الأحزاب الليبرالية، وتتحول الحركة السلفية الممثلة في حزب quot;النورquot; إلى المعارضة، وهو الطريق الأسلم، إذ تكون الحكومة الائتلافية على هذا النحو ممثلة لرئتي الشعب كما كانت ثورة يناير. تلقى رضا الناس، ولا يعاديها الجيش. فيسلم المجلس العسكري السلطة وهو مطمئن على الحياة النيابية السليمة في مصر. ويبدأ الحوار بين التيارين الرئيسيين في الأمة، ويقل الخلاف بين أنصار الدولة الدينية والدولة المدنية، بين الإسلام هو الحل والحرية والديوقراطية بداية الطريق، بين تطبيق الشريعة الإسلامية ورعاية المصالح العامة. ويقل تخوف الأقباط من صعود الإسلاميين إلى الحكم خوفاً من بعض التصورات التقليدية حول أهل الذمة أو أهل الكتاب التي قد تناقض مفهوم المواطنة. وتظهر كتل برلمانية جديدة، إذ تستقطب الليبرالية بعض الأجنحة الليبرالية في حزب الحرية والعدالة. وقد يستقطب حزب quot;النورquot; أيضاً بعض الأجنحة المحافظة في حزب الحرية والعدالة، فتتسع قاعدة الليبرالية ويكون لها جناحها الإسلامي. ومع الزمن قد تضيق المسافة بين رئتي الأمة الإسلامية والليبرالية ويقوى الوسط وتتسع مساحة الإسلام الليبرالي أو الليبرالية الإسلامية وتستأنف حركة الإصلاح الديني عند محمد عبده. وتستأنف الليبرالية التقليدية في مصر قبل 1952 عند طه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل، وينتهي هذا الصراع المفتعل المزيف بين الإسلاميين والليبراليين، وهو في حقيقته صراع على السلطة. ويتم إنقاذ ثورة يناير في وحدتها الوطنية بعد تجربة تاريخية جديدة. والعمل السياسي العلني لـquot;الإخوانquot; قد يخفف من روح التطرف والعزلة، والفعل ورد الفعل والعمل الجماهيري، لليبراليين يخفف أيضاً من روح النخبوية التي تقع فيها أحياناً الأيديولوجيات الليبرالية والقومية واليسارية. وعلى هذا النحو يحقق العمل السياسي مصالح الأمة دون دخول أحد الفرقاء في مناورات سياسية ضد الفرق الأخرى كي يتكسب مصلحة حزبية على حساب المصلحة الوطنية. وتتحقق التعددية السياسية التي تقوم على الحوار والاتفاق على الحد الأدنى من المصلحة الوطنية مع الاعتراف بالتعددية الفكرية والأطر النظرية المتباينة.

وعلى هذا النحو تضيف التجربة الثورية في مصر والتحول الديمقراطي فيها إلى التجارب الثورية في تونس والمغرب وتركيا بعداً جديداً. ففي تونس حصل حزب النهضة أيضاً على الأغلبية النسبية، ثم تحالف مع التيارات اليسارية من أجل الانتقال من نظام الاستبداد السابق إلى نظام وطني يقوم على التعددية السياسية والوحدة الوطنية. رئيس الحكومة نهضوي، ورئيس الدولة يساري، والبرلمان ممثل للجميع. وقد قام حزب العدالة والتنمية في المغرب بنفس التجربة، وشق الطريق بين جماعة العدل والإحسان الإسلامية والتيارات الاشتراكية واليسارية. وسبقت تركيا الجميع في حزب العدالة والتنمية الذي شق طريقه بين العلمانية الفجة عند مصطفى كمال منذ العشرينيات التي يعتبر الجيش وريثها وحاميها وحزب quot;الرفاهquot; الإسلامي الذي أحدث رد فعل طبيعيّاً معبراً عن الإسلام المكبوت في قلوب الناس لأكثر من نصف قرن. فجاء حزب العدالة والتنمية ليحقق المبادئ والأهداف الإسلامية بأدوات علمانية حتى أصبحت الثورات العربية تقاس على النموذج التركي.

فأي تحالف سيختار حزب quot;الحرية والعدالةquot;؟ التحالف مع حزب quot;النورquot; وتبقى التيارات الليبرالية في المعارضة أم التحالف مع التيارات الليبرالية ويبقى السلفيون في المعارضة؟