خيرالله خيرالله


تأتي الجولة الخليجية - العربية للملك محمد السادس في السياق الطبيعي للمسيرة المغربية التي تصبّ في خدمة الاستقرار الداخلي والاقليمي بعيدا عن أي نوع من المظاهر الاستعراضية التي لا تقدّم او تؤخر. انها جولة مدروسة بعناية فائقة تعكس الطريقة العصرية التي يعمل بها محمد السادس منذ خلافته الحسن الثاني، رحمه الله، في يوليو 1999.
قبل كلّ شيء، لم يتوجه العاهل المغربي الى السعودية وانتقل منها الى الاردن، الاّ بعد ترتيب البيت الداخلي، فهو انصرف منذ صعوده الى العرش قبل 13 عاما الى تحسين الوضع المعيشي للمغاربة واضعا نصب عينيه رفاه المواطن العادي وحريته وكرامته وحقوق المرأة.
وكانت الحرب على الفقر هي الحرب التي يؤمن محمد السادس بوجوب خوضها اليوم قبل غد. فمن الفقر يولد التطرّف بكل انواعه ومن الفقر يخرج الارهابيون الذين لا يأبهون بسلامة المجتمع.
انتظر محمد السادس طويلا قبل القيام بجولته التي ستشمل، اضافة الى السعودية والاردن كلا من دولة الامارات العربية المتحدة والكويت وقطر. واذا كانت العلاقة مع الاردن ذات خصوصية نظرا الى ان المملكتين تعانيان من المشاكل نفسها تقريبا، كما تعالجان هذه المشاكل بالطريقة نفسها تقريبا، فانّ العلاقة مع كلّ من السعودية والامارات والكويت وقطر ترتدي طابعا مختلفا.
ويرتدي هذا الطابع المختلف صفة اسمها المصالح المشتركة. يعرف المغرب قبل غيره ان زمن المساعدات من دون مقابل ولّى الى غير رجعة وان المطلوب اكثر من اي وقت ان يكون المغرب جاذبا للاسثمارات. لديه مصلحة في ذلك، نظرا الى ان الاستثمارات الاجنبية تؤمن فرص عمل للمغاربة، اضافة الى انّها تسرّع في نمو الاقتصاد وتجعل المغاربة اكثر تعلّقا ببلدهم.
استطاع المغرب، بعدما رتّب البيت الداخلي، اقامة علاقة تقوم على المصالح المشتركة مع غير دولة عربية واوروبية، بما في ذلك اسبانيا التي تسود علاقتها بالمغرب حالا من المد والجزر بسبب عجز مدريد عن التخلي عن اوهام القوة المستعمرة، سابقا، للصحراء المغربية.
وكان الانجاز الابرز في هذا المجال، مجال ترتيب البيت الداخلي اوّلا، الاستمرار في الاصلاحات السياسية والوصول بها الى النهاية. ولذلك، نجد ان الوفد المرافق للعاهل المغربي في جولته يضمّ وزراء من ذوي الاختصاص يمثّلون في الواقع كل المغرب تقريبا، نظرا الى انتمائهم الى احزاب مختلفة. تنافست هذه الاحزاب في الانتخابات النيابية، ثم تشكّلت حكومة على رأسها السيّد عبدالاه بنكيران رئيس الحزب الذي يمتلك اكبر عدد من المقاعد في مجلس النوّاب. لم يحل فوز حزب اسلامي في الانتخابات دون تكليف زعيمه تشكيل الحكومة الجديدة. كان ترك اللعبة السياسية تأخذ مجراها دليلا على ان الاستقرار ترسّخ في المغرب.
ولذلك، ينطلق محمّد السادس في جولته الخليجية - العربية من موقع قوّة، خصوصا ان المغرب يحظى في رأي الخبراء العرب والدوليين بأهمية بالغة في أوساط المستثمرين، خصوصا الخليجيين. لقد أمّن المغرب للمستثمر الاستقرار وحافظ على صورته كبلد آمن وجاذب للاستثمارات في منطقة تسودها الاضطرابات. تكفي نظرة الى الوضع الداخلي في الجزائر وليبيا وتونس وموريتانيا والشريط الصحراوي الذي يمرّ بمالي للتأكد من اهمية، ما تحقق في المغرب في ظروف اقلّ ما يمكن ان توصف به انها بالغة التعقيد.
ورغم انّ المغرب تأثر سلبا بالازمة الاقتصادية التي تعاني منها اوروبا، وقد ادى ذلك الى خفض كبير في تحويلات المغاربة في الخارج وفي عدد السيّاح، ورغم ان الموسم الزراعي الاخير لم يحقق الآمال المعلقة عليه بسبب قلة الامطار، الاّ ان ما لا يمكن تجاهله ان المغرب ظلّ يجذب الاستثمارات، لا لشيء سوى لانّ محمد السادس عرف كيف يتخّذ القرارات الصعبة، بما في ذلك متابعة المشاريع الكبيرة التي تصبّ في خدمة الاقتصاد في المديين المتوسط والبعيد. على رأس هذه المشاريع ميناء طنجة الجديد الذي اسمه طنجة - ميد والذي يشكّل حلقة وصل بين اوروبا وافريقيا.
في عالم متغيّر تتحكم به المصالح، جاء العاهل المغربي الى منطقة الخليج ليؤكد ان الشراكة بين بلاده والدول الغنية في المنطقة تخدم الطرفين وان الاستثمار في المملكة هو استثمار في مكان آمن يشكّل الاستقرار فيه جزءا لا يتجزّأ من الامن العربي ككلّ...
الاكيد ان المحادثات خلال جولة العاهل المغربي لن تقتصر على الاقتصاد. هناك ايضا السياسة. هناك الازمة السورية التي تهمّ كل مغربي وعربي في ضوء الظلم الذي يتعرّض له السوريون. سيكون اللاجئون السوريون في مقدم الاهتمامات المغربية خلال الجولة، خصوصا في الاردن حيث كان العاهل المغربي اول زعيم عربي يزور مخيمات اللاجئين السوريين ويلتقي laquo;الضحايا الاحياءraquo;.
وهناك الملف الايراني والخطر الذي تمثله ايران على الامن العربي والخليجي وعلى البحرين تحديدا. لم يتردد المغرب قبل سنوات عدة في قطع العلاقات مع ايران بعدما تمادت في تحديها لدول الخليج، وقد اظهر تطوّر الاحداث كم كان على حق في ذلك.
وهناك فلسطين والقدس التي تبقى هما بارزا من هموم المغرب، بل هاجسا يوميا للعاهل المغربي. وهناك قضايا كثيرة اخرى من بينها الارهاب الذي يخوض المغرب حربا عليه.
لم يخذل المغرب العرب يوما. انه يتعاطى معهم بلغة العصر، لغة المصالح المشتركة التي فهمتها دول عربية عدة بينها الامارات والكويت وقطر التي سارعت الصيف الماضي الى الاستثمار في حقل السياحة المغربية وهي مستعدة لزيادة هذا الاستثمار الاوّل الذي بلغت قيمته ملياري دولار.
ماذا يعني الاستثمار في المغرب؟ انه يعني استثمارا في الاستقرار قبل ايّ شيء آخر. لو لم يكن الامر كذلك، لما شاهدنا رجال أعمال اسبان وفرنسيين يقبلون هذه الايّام على المغرب رغم الازمة الاقتصادية العميقة التي تعاني منها البلدان. لقد وجد رجال الاعمال هؤلاء ان المغرب مضمون اكثر من اي بلد اوروبي، بل هو ضمانة لهم ولاستثماراتهم في عالم لا يبدو ان الازمة الاقتصادية التي يعاني منها، سواء في أوروبا أو أميركا، ستنتهي غدا.