عبدالله بشارة

شهدت الكويت الأسبوع الماضي، المنتدى العالمي للنفط، الذي استمرت مداولاته ثلاثة ايام، شارك فيها وزراء الطاقة من أبرز الدول المنتجة ومن الدول المستهلكة، وكان الشاغل الأكبر في الاتصالات بين الوفود وراء الكواليس هو تقوية الأسس التي تشكل قاعدة العلاقات بين المنتجين والمستهلكين وتأمين استمرار نوعية مستقرة من العلاقات تتسيدها الثقة المتبادلة ويدعمها الاحساس بالمسؤولية تجاه استقرار حياة الأسرة العالمية واستمرار ثباتها بعيدا عن الخضات والمفاجآت والاضطرابات سواء في الانتاج أم في الأسعار.
وقد كان أبرز اهتمامات الكويت في هذا المؤتمر، مشاركة سمو الأمير المفدى، الذي ألقى كلمة موجهة الى كل الأطراف، فيها اصرار على التعاون وعلى فتح الأبواب للاستثمارات في مختلف الصناعات المتعلقة بالنفط، على ان يتعاظم الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه توظيف التكنولوجيا وتسخير العلم والابتكار لتطوير فنون الاستخراج والتنقيب.
جاء المؤتمر في ظروف معقدة تتسيد صناعة النفط وانتاجه، لمسببات سياسية واقتصادية، أبرزها أزمة ايران مع كبار المستهلكين، حيث سيدخل الحظر الأوروبي على استيراد الخام الايراني حيز التنفيذ في أول يوم من شهر يوليو القادم، لارتباط هذا الحظر في طموحات ايران النووية، كما ان واقع الاقتصاد الأوروبي وأزمة اليورو، كلها عناصر تضيف على هذه الدول المستوردة أعباء مالية خانقة في ظل اجراءات التقشف والاكتفاء بالضروريات وفق السياسة الحالية.
ويضاف الى هذا الوضع المزعج، الارباك الذي يسيطر على التعامل المالي العالمي بسبب العقوبات المالية الأمريكية والأوروبية التي تجعل آلية تحويل أموال المدفوعات مقابل شراء الخام الايراني أمرا صعبا.
وليس من باب الاستغراب ان ينعقد المؤتمر في الكويت وعلى ساحلها المقابل للساحل الايراني، مركز الاضطراب، والموقع الذي يفرز الفوضوية السياسية والنفطية وسط توقعات وتطمينات من كبار المستهلكين الذين تابعوا تصريحات الوزير السعودي السيد على النعيمي في كلمته أمام المنتدى بأن السعودية وآخرين من دول مجلس التعاون مستعدون لتعويض أي نقص في معرض النفط الخام، وأن المملكة مستعدة لرفع الانتاج لسد نقص محتمل نتيجة للعقوبات الدولية على ايران.
اختيار الكويت كموقع لمنتدى الطاقة العالمي ربما جاء صدفة، ولكنها جاءت في مكانها وزمانها الصحيحين، فجغرافية الكويت تطل على ساحة ايران ومن ذلك الساحل، يأتي صوت التهديد والوعيد للتدمير والانتقام، ومن ذلك المكان تأتي الحملة الايرانية لترويض النفط لأغراض استراتيجية ايرانية تبحث عن معاضدة سياسية وزمالة نفطية من المنتجين الآخرين، وفوق ذلك فان الوضع السياسي الداخلي في الكويت بحاجة ماسة الى الاستماع لصوت عقلاء الطاقة الذين يمارسون السياسة النفطية وفق مبدأ التداخل بين المنتج والمستهلك وحسب نهج الاعتدال في تعظيم المصالح مع الادراك الكامل بأن عقول الابتكار في تكنولوجيا النفط تقع في ساحة المنتجين في أوروبا وأمريكا وغيرهما من الدول المتقدمة، وأن أهل النفط من المنتجين بحاجة ماسة الى العقل المبتكر لتحقيق المزيد من حجم الضخ وكمية التصدير.
ومن المناسب كذلك ان يتعرف أعضاء مجلس الأمة المندفعين نحو اغلاق المنافذ على حقائق اختلاط المصالح العالمية والساعين الى تضييق مجالات التعارف والتفاهم بين المنتجين والمستهلكين، على واقع عالمي لم يتلمسوه ولم يتأقلموا معه ولم يمر على الذهنية البرلمانية الكويتية المشغولة بكوادر العطاءات وتحفيز شهية الموظفين وتسييس قضاياهم.
في العلاقات الدولية وفي السنوات الأخيرة برز مبدآن لابد ان نأخذهما في الاعتبار، في التعامل السياسي والاقتصادي مع الأعضاء الآخرين من الأسرة العالمية.
مبدأ التدخل للحماية الانسانية، وقد شهد العالم تطبيق هذا المبدأ الذي ترسخ داخل مجلس الأمن عبر أحداث كوسوفو، وفي أوغندا ضد عيدي أمين، وفي كمبوديا في شهر فبراير 1979، وكنت وقتها رئيسا لمجلس الأمن الدولي، وساهمت شخصيا في رفض شكوى كمبوديا وطلبها عقد اجتماع لمجلس الأمن لأن حكومتها كانت تمارس الابادة الجماعية genocide، بزعامة بول بوت Pol Pot.
وتشكل تفاهماً بين الدول الكبرى وأعضاء مجلس الأمن على تجاهل الشكوى الكمبودية واعطاء الوقت لقوات فيتنام للقضاء على تلك العصابة.
والمبدأ الآخر الذي برز في العلاقات الدولية معارضة التخريب الجماعي للاقتصاد العالمي، ففي عام 1973 فرضت دول الخليج بقيادة الملك فيصل حظر النفط على الولايات المتحدة وهولندا في أعقاب حرب أكتوبر، كنت في الأمم المتحدة معايشا واقعا غير مسبوق في انكشاف الاقتصاد العالمي واهتزازه بسبب قرارات سياسية جاءت من عواصم تعتمد في حياتها على النفط الذي اكتشفه الغرب، بتكنولوجيا غربية، وابداع غربي.
من ذلك الفصل المزعج الذي عاشته دول الخليج داخل الأمم المتحدة والاصرار على رسم خريطة جديدة في العلاقات بين الشمال والجنوب، كما طالب الرئيس الجزائري هواري بومدين، كل هذه العناصر ولدت لدى واشنطن وكبار المستهلكين اقتناعاً بأن السلعة النفطية النادرة هي منبع الازدهار الاقتصادي والاستقرار المالي وأن الطاقة جزء لا يتجزأ من مقومات الأمن العالمي في اقتصاده وفي معيشته.
وأن الذين يملكون الطاقة في أراضيهم محقون في عوائده ولكنهم غير محقين في التحكم في مصيره.
شاركت كممثل للكويت في حوارات بين مجموعتي الشمال والجنوب، وقد اختارت مجموعة الجنوب شخصية دولية من فنزويلا كمتحدث رسمي اسمها جريرو Gerero، كان شخصا ضئيلا جسمانيا عاقلا فكريا، أدرك رغبة المتطرفين من المنتجين لصوغ موقف متصلب ضد المستهلكين، وكان يحدثني كثيرا عن الضغوط عليه، كما لمست من تلك المداولات الحقائق التي نعرفها الآن، وهي ان النفط سلعة استراتيجية مصيرها مشترك بين المنتج والمستهلك، فوائدها جماعية، ومدخولاتها للمنتجين وفق مبدأ الاقتناع المشترك، وأن الخروج عن هذه الدائرة، من قبل المنتجين سيعرضهم لتعقيدات سياسية مالية وربما تدخلات تقلب هيكل العلاقات الدولية كلها.
ولهذا فنرى المملكة العربية السعودية تتحدث بمعانٍ راقية ومسؤولة وتلتزم نهج الدبلوماسية الذكية Smart Diplomacy، التي ترتكز على القبول الجماعي وتبادلية الحقوق، فالمنتج يلبي الحاجة والمستهلك يعطي باعتدال.
وقد نجح المنتدى العالمي للطاقة في الكويت لأن صوت العقل كان مساندا، وأن مساعي التطرف لتقويض التفاهمات بين الكبار في الجانبين أصيبت بالخيبة، وقد خرج المؤتمر باطمئنان على الحقائق التالية: أولا: ان النفط، لاسيما في الخليج، ليس أسيرا للعصبيات وليس مادة في المشروع الاسلامي السياسي المرتفع الصوت والقامة، وأن عتاد النفط ليس سلاحا سياسيا وانما منبعا ازدهاريا، وأن الشراكة المسؤولة التي أساسها تبادلية الاطمئنان والمصالح، صلبة لا تتأثر بأزمات الراديكاليين.
ثانيا: ان عرب الصحراء، كما يسمونهم، في صحافة الغرب، مسؤولون عارفون بمتاعب الشح النفطي، مدركون لحق المستهلك، وأن المستهلك المبتكر مستعد للتعاون في اضعاف تأثير الشح النفطي، عبر استكشافات جديدة، من أجل تلبية التوسع الاستهلاكي.
ثالثا: ان الطاقة الشحيحة والنادرة ليست بضاعة يتلاعب بها المنتجون ويسخرونها لاهداف سياسية ويأخذونها الى منحى يتعارض مع الاستقرار العالمي ويدمر ازدهاره، وأن المشاغب من هؤلاء المنتجين ليس بمنأى عن مواجهات قد تصل الى تدخلات بمباركة القادرين وصمت الغاضبين.
رابعا: وفي رأيي أهم المكاسب التي خرج منها المؤتمر هي اطمئنان المستهلكين على حجم الثقافة الكونية لدى المنتجين في دول مجلس التعاون والتزامهم شروط هذه الثقافة وتقبلهم لمسؤولياتها المستقبلية.
المهم ان يبقى النفط في حصانة من عنف الراديكاليين وبعيدا عن حظوظ المتعصبين في أحزاب الاسلام السياسي.
ومبروك للمنظمين الذين نجحوا في كسب حصيلة استراتيجية في ترسيخ التفاهم بين المنتجين والمستهلكين.