Brian Downing

قد يؤدي صمود الأنظمة الدكتاتورية العلمانية إلى تجديد شعبية ldquo;القاعدةrdquo; على اعتبار أن الأنظمة الاستبدادية تؤكد على جزء محوري من أفكار التنظيم.
أدت الانتفاضات اللافتة التي اجتاحت العالم العربي خلال الأشهر الستة عشر الماضية إلى إسقاط أو تهديد مصير القادة في بلدان عدة، منها مصر واليمن وسورية، لكن لم تنجح أيٌّ من تلك التحركات في تحقيق هدفها بإنشاء نظام سياسي جديد، وبالتالي إرساء الديمقراطية. رحل القادة القدامى في حالات كثيرة لكن بقيت أنظمتهم سواء عبر المناورات الملتوية أو عبر القمع الوحشي.
يظن قادة الأنظمة القديمة أنهم يستطيعون الانتظار لفترة أطول أو قمع الانتفاضات الشعبية كما فعلت الأنظمة الملكية الأوروبية عندما اجتاحت ثورات الشباب القارة في عام 1848. يبدو أن الشباب في تلك الحقبة وفي الزمن الراهن لا يتحلون بالصبر، ومن المعروف أن الإحباط يؤدي إلى تأجيج مشاعر اليأس والتفكير بالهجرة وانتشار العنف.
اليوم، أمام الشباب في العالم العربي خيارات عدة لمواجهة السلطة الاستبدادية (منها حرب العصابات والإرهاب)، ويجب أن تتذكر الأنظمة القديمة والقوى الخارجية التي تريد إرساء الاستقرار في المنطقة تلك الخيارات جيداً.
الانتفاضات ورد الأنظمة عليها
لطالما لاحظ مراقبو وضع الشرق الأوسط وجود شريحة هائلة من فئة الشباب في معظم الدول العربية، وتشكّل هذه الفئة 50% أو أكثر من الشعب تحت سن 22 عاماً. لا شك أن هذا التضخم الديموغرافي يطرح إشكالية كبرى في أي بلد، لكن في البلدان التي تواجه ركوداً اقتصادياً وتخضع لأنظمة سياسية فاسدة، تشكل تلك الظاهرة كارثة موقوتة ويكفي أن تنشأ شرارة بسيطة لتفجير الوضع.
تمثلت تلك الشرارة بالتظاهرات ضد ارتفاع أسعار الغذاء وبانتشار أعمال عنف جريئة. خلال أسابيع قليلة، تركز الغضب الشعبي على الفساد والقمع وغياب الفرص والمطالبة بسماع أصواتهم مستقبلاً.
خلال وقت قصير لم يتوقعه الكثيرون، أُجبر الرئيس المصري حسني مبارك على التنحي قبل سنة، لكن من المعروف أن طبقة رجال الأعمال ومؤسسة الجيش والشبكات السياسية التي كان نظامه يتألف منها لا تزال في موقع يخولها الاحتفاظ بالامتيازات وقمع الطموحات الشعبية، ما يترك القوى الديمقراطية أمام مهمة طويلة قد تدوم عشر سنوات من أجل إحداث تغيير تدريجي.
تتكل تلك القوى على العصيان المدني لاستمالة الطبقة الوسطى وعلى تأخير المناورات لإقناع بقية شرائح المجتمع بحقيقة الوضع، من الواضح أن غياب الوحدة في صفوف المعارضة يصب في مصلحة النظام. تنقسم القوى الديمقراطية في ما بينها بسبب الاستراتيجيات اللازمة ومطالب الفصائل المختلفة والمخاوف من الإسلاميين والسلفيين.
وقعت انتفاضات مشابهة في اليمن، ولكنها ترافقت مع تعقيدات أخرى نتيجة الخصومات المناطقية والطائفية، وبعد أشهر من التظاهرات والمناوشات، رضخ الرئيس علي عبدالله صالح لضغوط مواطنيه والقوى الإقليمية وغادر البلد الذي حكمه طوال 31 عاماً. كما حصل في مصر، تابع أعوانه السيطرة على الجيش والدولة وأهم شركات الأعمال، ولا تزال الاحتجاجات الشعبية معلقة، إذ ينتظر الشعب بدء الإصلاحات الموعودة، كذلك، لا يزال الصراع المناطقي والقبلي والطائفي قائماً حتى الآن. على صعيد آخر، بدأ إنتاج النفط يشحّ ولا يمكن أن تصمد إمدادات البلاد من المياه أمام وتيرة النمو السكاني.
بدأ اليمن يتحول إلى جناح تابع للمملكة العربية السعودية ومجلس التعاون الخليجي، ما قد ينعكس إيجاباً على حجم المساعدات الاقتصادية، لكن لن تكون النتائج إيجابية في مجال الإصلاح السياسي. تعتبر بعض القوى السنّية أن الربيع العربي يطرح تهديداً خطيراً على مبدأ الاستبداد الذي تطبقه تلك القوى لحكم بلدانها منذ الاستقلال، كما أنها مقتنعة بأنها ضحية مؤامرة دولية يقودها الشيعة الإيرانيون. تستعمل تلك القوى رصيدها الدبلوماسي والمالي للتصدي للتيار الديمقراطي في أنحاء المنطقة.
دخلت الانتفاضة في سورية عامها الثاني، ولم يتأثر الجيش بما حدث حتى الآن، فهو لا يزال وحشياً وموالياً للنظام، ويحرص ضباط الأمن في الوحدات الصغيرة ضمن تشكيلات الجيش النظامي على الحد من الانشقاقات أو حتى الانتقادات الداخلية، وعلى صعيد آخر، لا تزال روسيا وإيران والصين تقدم دعمها للنظام. في المقابل، حاولت المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى في السنة الماضية الفصل بين بشار الأسد وإيران ولكنها لم تنجح في مساعيها، وفي خضم تلك الجهود، كشفت عن غير قصد أنها تنوي تغليب النزعة الاستبدادية على الديمقراطية في المنطقة.
بعد أشهر من القمع، مهدت التظاهرات السلمية لنشوء معارضة مسلحة، لكنها فشلت في إنشاء دفاعات فاعلة في الأحياء الداعمة للمعارضة أو في إسقاط الضحايا ضمن صفوف الجيش وقوى الأمن. في الأشهر الأخيرة، أصبح القمع أكثر وحشية، وبدأت المدفعية تقصف المدن، وعمدت الميليشيات إلى ذبح سكان القرى.
الخيارات المتاحة
تاريخياً، لطالما أدى حكم الأنظمة الاستبدادية إلى تأجيج مشاعر اليأس ودفع بعض الأطراف إلى الانسحاب من الساحة السياسية والابتعاد عن الحياة العامة والهجرة إلى الخارج. لا شك أن الأنظمة القديمة ترحب بهذا الواقع اليوم كونه يساهم في تخفيف نسبة كبيرة من الضغوط التي تتعرض لها كي تطبق الإصلاحات، وقد تكون نسبة المشاركة الضعيفة في الانتخابات المصرية المتلاحقة عاملاً مشجعاً بالنسبة إلى الحكام.
إنها خيارات مستبعدة اليوم لأن الشباب العربي لا يملك فرصاً كافية للعمل وتكوين العائلات، وقد يبدو خيار الهجرة مناسباً بنظر الكثيرين، ولا سيما إلى أوروبا والولايات المتحدة، لكن هذه الدول لم تعد ترحب بالوافدين بقدر ما كانت تفعل في السابق، وقد يكون شباب الشرق الأوسط الأقل ترحيباً.
أظهر الناشطون في العالم العربي حتى الآن تصميماً لافتاً في وجه قمع الحكام واستبدادهم. تسود اليوم قناعة مفادها أن تحركاتهم ستنتهي قريباً وسيؤدي فشلهم إلى استمرار الحكم الفاسد طوال عقود. على عكس بعض حكام الماضي، يتمتع الحكام اليوم بالقدرة على سحق الناشطين وعائلاتهم بطريقة وحشية ومن دون أي رادع.
سيحصل تغيير تكتيكي حتماً وقد يتخذ في بعض الأماكن أشكالاً متعددة مثل العنف والإرهاب، وقد تكون تلك النشاطات في البداية متقطعة وغير منظمة لكن يمكن أن تتحول إلى نشاطات منظمة من إعداد منظمات جديدة أو جماعات تابعة لمنظمات قائمة.
من المتوقع أن تستهدف تلك العمليات عناصر من قوى الأمن والجيش والدولة، كذلك، قد تستعمل المجموعات الطلابية وشبكات الناشطين التي تضامنت في السنة الماضية مهاراتها التنظيمية لتنفيذ تلك العمليات، تماماً كما أنشأ بعض الناشطين في الحركة المعادية للحرب في الولايات المتحدة منظمة ldquo;ويذر أندرغراوندrdquo; (Weather Underground) بعد حملة القمع التي شنتها الشرطة في عام 1968 في شيكاغو، فأطلقوا حملة قصف مضادة.
من الأمثلة التاريخية الموازية الأخرى، نذكر أيضاً منظمة ldquo;إرادة الشعبrdquo;، وهي مجموعة روسية نشأت غداة فشل النزعة الشعبية واغتالت القيصر ألكسندر الثالث في عام 1894، فمهدت تلك المنظمة لنشوء حركات سياسية سرية في المرحلة اللاحقة وكانت تهدف إلى إسقاط سلالة رومانوف بقيادة شخصيات مخيفة تتمتع بعزيمة قوية.
قد تفيد البنى القائمة اليوم في تحقيق الهدف نفسه. كانت جماعة ldquo;الإخوان المسلمينrdquo; أو الجماعات المنشقة عنها، في مصر وسورية معاً، معروفة بارتكابها أعمال العنف. في مصر، أقدمت جماعة منشقة على اغتيال الرئيس أنور السادات في عام 1981. في سورية، أطلق ldquo;الإخوان المسلمونrdquo; حملة قصف دفعت النظام إلى شن اعتداء وحشي مضاد على مدينة حماة في عام 1982.
لطالما حرصت الشبكات السلفية على نشر تعاليم الإسلام المتشدد، فضلاً عن الترويج لنزعة القتال والتعصب بهدف تغيير العالم وإقامة دولة إسلامية. يملك السلفيون منظمة شبه سرية تتكل على سخاء بعض الجهات المانحة المجهولة، في منطقة الخليج على الأرجح. لطالما تصرف السلفيون كشبكات تُعنى بتجنيد العناصر خدمةً لقضايا في البوسنة والشيشان وأفغانستان خلال الحرب السوفياتية (بين عامي 1979 و1989). اليوم، هم يرتبطون بالمتمردين السنّة في العراق ويرتبط هؤلاء بدورهم باللاجئين العراقيين في سورية.
لكن يُقال إن الشبكات السلفية مرتبطة برجال دين متشددين وأجهزة استخبارات محلية، علماً أن هذه الجماعات لا تحبذ الديمقراطية بل تدعم حكم الاستبداد في المنطقة.
تركّز جزء من نجاح ldquo;القاعدةrdquo; في استمالة الناس على مر السنوات على الفكرة القائلة إن الأنظمة الدكتاتورية العلمانية لا يمكن إصلاحها ولا يمكن إسقاطها إلا عبر الصراع المسلح الذي يساهم بدوره في إرساء العدالة الاجتماعية. لذا قيل إن الربيع العربي يعني نهاية شعبية ldquo;القاعدةrdquo; لأنه أثبت أن الأنظمة الدكتاتورية العلمانية يمكن إسقاطها من دون تنفيذ العمليات التي دعا إليها أسامة بن لادن وأمثاله.
قد يؤدي صمود الأنظمة الدكتاتورية العلمانية إلى تجديد شعبية ldquo;القاعدةrdquo; على اعتبار أن الأنظمة الاستبدادية تؤكد جزءا محوريا من أفكار التنظيم. لا شك أن عملاء ldquo;القاعدةrdquo; بدؤوا يثبتون صحة أفكارهم في المنطقة وسيكون انضمام بضعة آلاف الأشخاص إليها أمراً شائكاً، لا بل كارثياً. قد تتذكر القوى الغربية التي تدعم الديمقراطية والقوى الخليجية التي تدعم الحكم الاستبدادي هذا الواقع، لكن ستغفل الأنظمة القديمة عن هذه الحقيقة حتماً.