بعضهم دفع الثمن باهظاً

محمد رضا


لم يكن غريباً في الستينات والسبعينات على وجه التحديد من القرن العشرين، ذهاب نجوم ldquo;هوليوودrdquo; إلى الحد الأقصى في تأييدهم للكيان ldquo;الإسرائيليrdquo; . فالإعلام العربي آنذاك كان قاصراً والموقف السياسي المعلن في مؤتمرات القمم العربية كان يضع تحرير فلسطين في الأولوية . ومصر نفسها خاضت حروباً أربعاً مع ldquo;إسرائيلrdquo; ما بين 1948 و1973 وبدت وشقيقاتها من وجهة نظر الغرب دولاً معتدية بصرف النظر عن الحق الفلسطيني ومسألة الشعب الذي تم قتله وتهجيره والاستيلاء على أرضه .

آنذاك تداعت مواقف حاشدة شارك فيها ممثلون كثيرون من بينهم جون واين وسامي ديفيز وبيرت لانكاستر وبول نيومان وفرانك سيناترا ووكيرك دوغلاس وآخرون . إلى ذلك، كانت المواقف الليبرالية للبعض، مثل هاري بيلافونتي، وجين فوندا، وبول نيومان، تلتقي مع المواقف اليمينية المحافظة، كتلك التي عبّر عنها جون واين وشارلتون هستون من بين آخرين . كان الاختلاف شديداً، على سبيل المثال، حول الحرب الفيتنامية وجدواها وعدم أخلاقيّتها، لكن الاتفاق كان أشد على ضرورة حماية أمن ldquo;إسرائيلrdquo; .

الأمر يختلف اليوم إلى حد كبير، فجورج كلوني وشون بن ومات دامون وبن أفلك ومل غيبسون وتوني شلهوب وروبرت دينيرو وتيلدا سوينتون وكولين فارل وأنجيلينا جولي ورتشارد غير من بين أكثر الأصوات معارضة للسياسة ldquo;الإسرائيليةrdquo; . من بين آخرين في هذا المجال المخرج ريدلي سكوت، والممثلة جوليان مور، والممثل ماندي باتنكن والممثل المخضرم إد أسنر، كما داني غلوفر والممثلة فانيسا باراديس والممثل تشارلي شين والمنتج جيمس شاموس والمخرج وودي ألن والممثل دستين هوفمن .

وهناك أصوات لا تجهر بالمعارضة لكنها محسوبة اليوم على خط يساري يقف معارضاً، على عكس ما كانت حاله في السابق، ويقود هذا الخط الممثل والمخرج روبرت ردفورد الذي يداوم طرح الأسئلة في أفلامه حول السياسة الأمريكية الخارجية حيال دول منطقة الشرق الأوسط اليوم ومقارنتها بالسياسة الأمريكية في فيتنام ودول منطقة جنوب شرق آسيا آنذاك . وهو واحد من رعيل السبعينات المنتقد للسياسة الأمريكية كحال وودي ألن ودستين هوفمن و-ربما على الأخص- وورن بايتي الذي أنجز سنة 1998 فيلماً بعنوان ldquo;بولوورثrdquo; حمل نقداً لاذعاً لتلك السياسة كما لهوليوود وللإعلام السياسي بوسائطه المختلفة . ldquo;بولوورثrdquo; لم يكن فقط كوميديا نيّرة، لكن كان فيلماً سياسياً بالغ الجرأة .

وليس غريباً أن يكون شون بن من بين المعارضين أوضح موقفاً، فالممثل- المخرج سبق الجميع لطرح سؤال مختلف حول عملية 2001 في ذلك الفيلم الجامع الذي أسند إخراجه لأحد عشر سينمائياً من حول العالم، بينهم الراحل يوسف شاهين، ففي فيلمه ضمن الفيلم، صوّر كيف أن انهيار برجي مركز التجارة الدولي يفتح عيني رجل أمريكي عادي على الوهم الذي كان يسيطر عليه، إذ يتسلل حينها فقط شعاع الشمس الذي كان المبنيان يحجبانه عنه تاركاً تفسير ماهية هذا الوهم لكل مشاهد حسب وجهة نظره . وفي فيلم ldquo;لعبة عادلةrdquo; مثّل شخصية الصحافي الذي يصر على فضح أسباب الغزو الأمريكي للعراق وكيف أن الرئيس بوش خدع الشعب وزج به في حرب غير ضرورية .

ولا يمكن ذكر كل هذه المواقف من دون تذكّر أن الممثلة البريطانية فانيسيا ردغراف كانت أول من هز ذلك السائد حين وقفت على منصّة الأوسكار، عندما فازت به عن دورها في ldquo;جولياrdquo; (1977) فأعلنت وقوفها مع الشعب الفلسطيني، وهو الموقف الذي جلب عليها تبعات مهنية كادت أن تمنعها من مزاولة عملها لسنوات عديدة فيما بعد، وأصر على بطولتها لفيلم ldquo;أغاثاrdquo; الذي لعبت فيه شخصية الروائية البريطانية المعروفة أغاثا كريستي، كل من دستين هوفمن ومخرج الفيلم مايكل أبتد . البعض، في ldquo;هوليوودrdquo;، يؤمن بأن خروج ردغراف من عباءة المحظور السياسي هو ما دفع جين فوندا لتغيير مواقف مماثلة ولو بالتدريج .

الأكثر من ذلك أنه دفع الممثل مارلون براندو إلى تغيير لاحق بعدما كان منتمياً إلى معسكر الصقور ldquo;الإسرائيليrdquo; مدافعاً عن ldquo;حق الوجود لليهودrdquo; . قبل وفاته انتقد السياسة ldquo;الإسرائيليةrdquo;، ثم تراجع عن موقفه حين لم يستطع تحمّل الهبّة الساخنة التي ووجه بها . قبل وفاته سنة 2004 بأقل من عام واحد، قابله المخرج التونسي رضا الباهي الذي كان يسعى لأخذ موافقة الممثل الأسطوري على فيلم بعنوان ldquo;براندوicirc; براندوrdquo;، وأول ما عاد الباهي من لوس أنجلوس بث لهذا الكاتب ما شمله ذلك اللقاء من شجون خاصّة:

ldquo;خلال حديثنا الذي امتد لثلاث ساعات (في منزل براندو الذي قلّما غادره في ذلك الحين) أخذ يتحدّث لي عما وقع له إثر المقابلة التي أبدى فيها رأيه الذي أُعتبر معادياً للسامية وكيف أنه اضطر للرجوع عنه لأنه لم يستطع تحمّل الحملة التي تعرّض إليهاrdquo; .

وأضاف الباهي: ldquo;قال لي: حين كنت مؤيداً ل ldquo;إسرائيلrdquo; لم أكن أعرف شيئاً عن وضع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات . زيارتي للبنان غيّرت رأيي تماماً . وعيت إلى أني كنت شريكاً في آلة خداع إعلاميةrdquo; .

وختم الباهي حديثه لهذا الناقد: ldquo;ما أذهلني هو أنه خرج من زيارته للمغرب في الثمانينات بتغيير إضافيrdquo; . قال لي: ldquo;فجر ذات يوم صعدت سطح البيت الذي سكنت فيه وداهمني أصوات الأذان الآتي في عمق الظلام من مساجد المدينة (الدار البيضاء)، لم أفهم حينها ما سمعته لكني وجدت نفسي متأثراً وبكيت . ربما أدركت حينها أن حياتي السابقة كان ينقصها الروحrdquo; .