سامح راشد

تطورات درامية متلاحقة شهدتها الأزمة السورية هذا الأسبوع، سواء على صعيد الوضع الميداني بعمليات التفجير والقصف المتبادل بين القوات النظامية والجيش السوري الحر . وكذلك في المستوى السياسي بتذبذب مواقف طرفي الأزمة الأساسيين، بين قبول الحوار والتفاوض ثم التراجع عنه، ثم الرجوع عن التراجع . ويشير هذا التباين في التطورات والمواقف إلى حالة من التردد وارتباك الحسابات تسود أطراف الأزمة . بيد أن زخم الأحداث وتلاحقها يشير إلى أن الوضع مرشح لمزيد من التطور وأن الأزمة ربما لن تنتهي سريعاً، بل ربما لا تستقر تفاعلاتها على مسار واحد، إما بالحوار أو بالسلاح .

بعد أن استعدت العاصمة الروسية موسكو لاستضافة مفاوضات هي الأولى من نوعها بين النظام الحاكم في سوريا وممثلين للمعارضة، فاجأ الائتلاف الوطني السوري المعارض العالم برفضه الجلوس والتحاور مع النظام السوري . وقبل أن يحدث ذلك الانقلاب في موقف المعارضة أثره، أضاف الائتلاف إليه صدمة أخرى برفض التحاور حتى مع الأطراف الغربية المؤيدة للثورة السورية، فأعلن الائتلاف مقاطعته اجتماع ldquo;أصدقاء سورياrdquo; المقبل في روما . وبعد يوم واحد من ذلك الموقف الجديد، تسرب من داخل أروقة الائتلاف أن اتصالات أمريكية وغربية نجحت في إقناع الائتلاف بالتراجع عن قرار المقاطعة والتفكير في المشاركة بلقاء روما . هذا التأرجح من جانب المعارضة السورية خلط الأوراق وفتح الأزمة على جميع الاحتمالات في مرحلة كان يتوقع فيها الجميع أن تتخذ الأزمة مساراً واحداً هو التفاوض السياسي سواء المباشر باستضافة موسكو كما كان مقرراً، أو غير المباشر عبر أطراف ثالثة . لكن تبدل مواقف المعارضة لم يكن المستجد الوحيد الذي خلط الأوراق، بالتطورات على الأرض زادت المشهد تعقيداً، فبعد أن كانت العمليات العسكرية تجرى بشكل واضح فيما يمكن اعتباره ميادين قتال ونقاط مواجهة بين القوات السورية النظامية والمجموعات المقاتلة المحسوبة إجمالاً على المعارضة، إذا بالعمليات العسكرية تنتقل جغرافياً وبشكل واسع النطاق إلى مناطق سكنية بشكل كامل، ونوعياً بعودة أعمال التفجير التي كانت اختفت من المشهد منذ عدة أشهر . خلاصة ذلك المشهد الدراماتيكي تكمن في دلالتين تكمل إحداهما الأخرى: الأولى أن التحرك المتسارع نحو الحوار والتفاوض لم يكن يستند إلى ركائز قوية تضمن استمراره . الثانية أن الوضع العسكري والميداني لم يصل بعد إلى حد دفع الأطراف المتقاتلة إلى التخلي عن حمل السلاح .

تلويح بمقاطعة شاملة

رغم أن الائتلاف الوطني السوري (المظلة الأوسع للمعارضة السورية) اتجه إلى التراجع عن مقاطعة اجتماعات مجموعة ldquo;أصدقاء سورياrdquo; في روما، إلا أن الخطوة غير المسبوقة للائتلاف بتبني المقاطعة لا يزال محل دراسة وتحليل سواء من جانب الأطراف الداعمة المعارضة أو من مؤيدي النظام السوري . فهي المرة الأولى التي يتخذ فيها تنظيم سوري معارض موقفاً عملياً مناوئا للأطراف الغربية الداعمة للثورة السورية من اللحظة الأولى . وكانت الأشهر القليلة الماضية قد شهدت تباينات وفجوات ثقة بين المعارضة السورية وبعض الدول الغربية، خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، على خلفية عدم تقديم واشنطن الدعم الكافي للمعارضة سياسياً وعسكرياً، بينما كانت واشنطن ومعها بعض الدول الغربية ترى في المجلس الوطني السوري (الفصيل الأبرز في المعارضة) مظلة غير شاملة لكل أطياف المعارضة . وهو ما دفع واشنطن قبل خمسة أشهر إلى إجراء حوار مع فصائل معارضة من خارج المجلس الوطني . لكن هذه التباينات بين الجانبين لم تمتد من قبل إلى درجة القطيعة أو اتخاذ موقف عملي من أي من الجانبين بالعمل بشكل منفرد . خاصة أن الخطوة الأمريكية المشار إليها حملت رسالة واضحة وقوية فهمتها المعارضة السورية وقتئذ، وبدأت بالفعل في تجميع صفوفها وهو ما تجسد لاحقاً في تشكيل الائتلاف الوطني السوري . ما يعني أن العلاقة بين المعارضة والأطراف الداعمة لها شهدت توترات واختلافات لكنها لم تصل في السابق إلى حد الافتراق . وهو ما يعطي موقف الائتلاف الأخير أهميته وخصوصيته، حتى وإن عاد الائتلاف وتراجع عنه سريعاً . وكان استشعار الأطراف الغربية بأهمية ابتعاد الائتلاف المعارضة عنها، وراء رد الفعل السريع بمحاولة فهم القرار والتعرف إلى أبعاده ومحاولة إقناع الائتلاف بالعدول عنه، فبعد ساعات فقط من إعلان الائتلاف مطلع هذا الأسبوع مقاطعة اجتماع روما، سارع سفراء النرويج والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا لدى مصر (مقر الائتلاف) بلقاء رئيسه معاذ الخطيب . لإقناعه بالعدول عن قرار المقاطعة، والوعد بمواقف واضحة ودعم نوعي سيقدم للشعب السوري في روما .

المعضلة التي تواجه المعارضة السورية في هذا السياق، أن علاقاتها بالقوى الغربية توفر لها الغطاء السياسي في مواجهة المعسكر الداعم للنظام السوري (روسيا وإيران والصين) وأياً ما كانت مبررات الائتلاف المعارض في رفض حضور لقاء روما، المحصلة النهائية لهكذا موقف هي افتقاد ذلك الدعم السياسي، ووقع الائتلاف في شرك العزلة في مواجهة النظام وحلفائه . رؤية المعارضة السورية تتلخص في أن الدعم الغربي لم يشهد تقدماً فعلياً لا سياسياً ولا على الأرض كما كان متوقعاً، خصوصاً بعد أن وضح في الأشهر القليلة الماضية عدم استعداد الدول الغربية لتقديم دعم عسكري مباشر للمعارضة المسلحة في الداخل . ثم استشعر الائتلاف السوري المعارض أنه لا يحصل حتى على الغطاء السياسي اللازم لخطوات يراها مهمة في المرحلة الحالية، مثل تشكيل حكومة انتقالية في المنفى، أو داخل الأراضي السورية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوري الحر . فقد جاء رد الفعل الغربي على ذلك الطرح فاتراً ومحبطاً للمعارضة . وربما كان هذا بذاته أحد خلفيات مبادرة رئيس الائتلاف معاذ الخطيب بدعوة النظام السوري إلى الحوار والتفاوض المباشر . والمعنى أن الشد والجذب بين الائتلاف السوري المعارض والدول الغربية الداعمة له، هو ترمومتر مواقف الائتلاف تجاه تلك الدول بشكل مباشر، وأيضاً تجاه الأطراف الداعمة للنظام السوري، وهو ما ينعكس بدوره في مواقف وتحركات من الائتلاف باتجاه قبول تسوية تفاوضية سواء مباشرة أو غير مباشرة مع النظام، ثم التخلي عنها بعد بطء رد الفعل السوري، وأخيراً الانقلاب على الحلفاء الغربيين كنوع من إعلان الغضب لما يجري على الأرض من عمليات عسكرية يذهب ضحيتها عشرات المدنيين يومياً .

لغة السلاح

بالتوازي مع التعثر الذي شهدته العلاقة بين المعارضة السورية والحلفاء الغربيين، كانت الفجوة بين المعارضة والمعسكر الداعم للنظام السوري تقل تدريجياً، بضغط انحسار الدعم الغربي للمعارضة في الخارج، إضافة إلى عدم قدرة المقاتلين في الداخل على تحقيق انتصار حاسم ضد قوات النظام السوري . بيد أن محاولة معاذ الخطيب كسر تلك الحلقة المغلقة من الجمود السياسي والكر والفر العسكري، قوبلت برد فعلي سوري رسمي فاتر أقرب إلى الرفض منه إلى القبول، على الرغم من الحماس الروسي والتأييد الغربي الضمني لفكرة التفاوض المباشر بين الجانبين . وتأخر طويلاً الرد الإيجابي المنتظر من جانب دمشق، حتى منتصف هذا الأسبوع عندما أعلن وزير الخارجية السوري وليد المعلم من موسكو استعداد بلاده للحوار مع المعارضين، بمن فيهم من يحمل السلاح . وهو تطور نوعي في موقف دمشق، إن كان يعبر عن موقف دائم وليس مجرد مناورة تكتيكية لاستهلاك مزيد من الوقت . ومرد هذا التحليل المتوجس أن هذا التطور جاء بعد أن أنهى الائتلاف المعارض مبادرته بالحوار مع دمشق إذ لم يتلق رداً إيجابياً . وفي وقت أعلن معاذ الخطيب تعليق زيارات الائتلاف إلى موسكو، تماماً كما كان قرر تعليق المشاركة في اجتماع روما . حيث حمل الخطيب القيادة الروسية ldquo;المسؤولية الأخلاقية والسياسية بسبب دعمها النظام بالسلاحrdquo; . ويلاحظ أن التطور في الموقف السوري الرسمي اختص المعارضة المسلحة متجاهلاً مطالب المعارضة السياسية، وهو أمر لافت ويدعو إلى التساؤل، فقد كانت مبادرة الخطيب للحوار مع النظام مشروطة بمحددات واضحة أهمها إطلاق سراح المعتقلين، وهو ما لم يبادر النظام السوري إلى الشروع فيه حتى الآن . بينما جاءت اللفتة الأخيرة باتجاه من يحمل السلاح مباشرة، أي في سياق الوضع الميداني الذي تقوم فيه قوات النظام بتصعيد كبير وهجمات شرسة . ذلك الموقف السوري الرسمي ليس مستغرباً، إذ يرى النظام أنه ليس مضطراً إلى الهرولة نحو التفاوض مع المعارضة السياسية في الخارج . بل ربما تكون مبادرة الخطيب ذاتها مؤشراً إلى ضعف المعارضة، الأمر الذي ينبغي معه التريث لتحقيق أعلى مكاسب ممكنة من قبول الفكرة مبدئياً ثم في تحديد أجندة وأسس الحوار أو التفاوض المقترح . من هنا تأخر قبول دمشق المباشر والصريح للجلوس والتحاور مع المعارضة لعدة أيام، أملاً في مزيد من التنازلات من جانب الخطيب ورفاقه في الائتلاف . ودعمت دمشق حساباتها هذه بتصعيد العمليات العسكرية بشدة في الأيام القليلة الماضية، زاد من حجتها فيه التفجير الانتحاري الذي وقع في دمشق وراح ضحيته العشرات، ولم يعرف الطرف أو الجهة المسؤولة عنه، لكن وقوعه كان كافياً ليندفع النظام في استخدام أسلحة أكثر تدميراً كماً ونوعاً . حتى أصبح القصف الجوي بصواريخ ldquo;سكادrdquo; هو الأداة الرئيسة في يد القوات النظامية ضد المقاتلين المعارضين، بما يعنيه ذلك من خسائر فادحة بين المدنيين .

وكان ذلك بهدف التأكيد للمعارضة أنها مخيرة بين التفاوض بشروط النظام أو على الأقل ليس بشروطها هي، والاستمرار في عمليات عسكرية لا يبدو أن النظام سيخسرها قريباً، حتى وإن كان الثمن أعداداً كبيرة من المدنيين الأبرياء . وليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان الجديد السوري بقبول الحوار مع المعارضة المسلحة، سيقابل باستجابة من المعارضة أم ستنتظر المعارضة ما ستؤول إليه مشاورات روما، وهو الأرجح في ظل تشكك قطاعات واسعة داخل أطياف المعارضة السورية في نوايا دمشق وجديتها في قبول أي حوار . إضافة إلى أن الوضع الميداني على الأرض لا يعكس سلوك نظام يريد تسوية سلمية تنقذ شعبه . في حين أن النظام يرى في استخدام السلاح أداة ناجعة للحفاظ على البقاء في الداخل وكسر إرادة المعارضة في الخارج . من هنا عادت لغة السلاح لتصبح هي السائدة في التفاعلات الخاصة بالأزمة، وظهر الوضع الميداني مجدداً كمعادل موضوعي للغة السياسة والدبلوماسية . وأصبح المشهد أقرب إلى سباق بين السلاح والسياسة، حيث يستخدم الأول كأداة لفرض أمر واقع يتم توظيفه في الثانية . فإذا لم يتحقق الحد الأدنى من المطلوب بالسياسة، عادت مفردات السلاح إلى قاموس الحوار المتبادل .