مالك التريكي
عندما كنت طالبا في تونس أوائل الثمانينيات كنت ممن يتسكعون بين دار الثقافة ابن رشيق ودار الثقافة ابن خلدون، حيث المحاضرات والندوات والعروض المسرحية والسينمائية المتاحة مجانا أو بمقابل رمزي. وكنت مواظبا، آخر خميس من كل شهر، على حفل الأوركسترا السمفوني التونسي في المسرح البلدي بقيادة المايسترو أحمد عاشور، إذ كانت هناك تذاكر رخيصة مخصصة للطلاب. كما كنت كثير الاختلاف إلى أرصفة بيع الكتب القديمة، ذات الثمن الزهيد طبعا، تحليا بفضيلة أصلها ثابت في الضرورة.
فكان أن عثرت يوما على كتاب بالفرنسية عن 'تاريخ الرقص في الغرب'. اشتريت الكتاب وقصدت مقهى نادي تونس، قبالة مقهى باريس، حيث أخذت في قراءته فورا رغبة في الاطلاع على تجربة مارثا غريهام التي كنت قد سمعت قبلا أن تأثيرها في تطور فن الرقص يماثل تأثير سترافنسكي في الموسيقى أو بيكاسو في الرسم. وبينما كنت مستغرقا في القراءة، إذ برجل جالس غير بعيد يقول لجليسه بلهجة استنكار وبصوت غير خفيض: 'انظر هناك. أرأيت؟ كتاب عن 'الشطيح' (الرقص)؟ ألمثل هذا العبث يذهب الشباب للجامعات وتتكبد عائلاتهم جسيم التضحيات؟' كان الرجل صادق الامتعاض من سوء ما رأى!
ذلك ما استحضرته الذاكرة فور سماعي بظاهرة 'هارلم شيك' العالمية التي أرادها الشباب رقصة ليس إلا، فإذا ببعض الساسة في تونس يحاصرونها بالجد العابس والنكد الكالح ويوشكون أن يحولوها قضية أمن دولة. ومع ذلك، فقد كان من إيجابيات الظاهرة أن الإعلام أتاح لنا سماع صوت هؤلاء الشباب: ماذا يريدون وكيف يفكرون. وكان أشد ما لفت انتباهي تصريح قال فيه شاب وبنتان إنه ليس للساسة حق التدخل في المدارس. ليس لأن هذه الرقصة هي مجرد تعبير عفوي لا-سياسي فحسب، بل ولأن هؤلاء الساسة، بالذات، لا يحق لهم توجيه الخطاب لنا أصلا!
لماذا؟ يجيب الفتى والبنتان: 'إن هؤلاء الساسة ليس لديهم كفاءة في أي مجال - ولو كان مجرد الكلام! أرأيتم عضو المجلس التأسيسي سنية تومية؟ أرأيتم مهزلة خطابها الموجه لوزير الداخلية الفرنسي؟ إن مثل هذه السيدة، التي لا تستطيع مجرد نطق اسم بلادها بالفرنسية، لا تمثلنا. إن هؤلاء الساسة لا يشرفوننا. إذا أردتم أن تفهموا لماذا 'ارتطمت البلاد بالحائط' فحسبكم النظر إلى ضحالة مستواهم اللغوي وقلة زادهم الثقافي!'
هكذا يتبين أن رقصة طويل العمر، شيخ قبيلة هارلم الأممية، قد سلمتنا بضعة مفاتيح سوسيولوجية. حيث برهنت أن جيل الشباب يحتقر الطبقة السياسية الحالية، وأن 'المسألة اللغوية' هي أول موجبات هذا الاحتقار. فقد وضع هؤلاء الشباب الإصبع على إحدى أشكل المسائل السياسية في تونس اليوم. ذلك أن المسألة اللغوية مسألة سياسية بامتياز، سواء من حيث الدور الذي تضطلع به اللغة في نحت كيان السياسي المحترم (والاحتراف هنا هو أول شروط الاحترام) أم من حيث الدور الذي تستأثر به السياسة في تكريس الخيارات اللغوية للمجتمع، أي في توجيه مصيره الثقافي. أما السيدة تومية، التي تفوقت على جورج بوش في اختصاصه (الإجرام اللغوي)، فقد صارت رمزا لتلاشي مصداقية الطبقة السياسية منذ أن أصبح اسمها مقترنا لدى التونسيين بما اجترحته من نجلاء الطعنات في قلب موليير وفاضحات الشطحات على قبر سيمون دبوفوار.











التعليقات