يوسف عبدا لله مكي
في وطننا العربي، بدأ عصر التنوير في غمار مقارعة السيطرة العثمانية، وجاء فكره في شكل مناداة بالوحدة وإزالة الفروق بين المذاهب الإسلامية، وتحرير العقل من الخرافات والأوهام
لماذا أخفق عصر التنوير العربي؟ سؤال لا يسقط بالتقادم، فهو الحاضر أبدا، عند كل محنة تواجهها الأمة. وفي خضم الفوضى التي نشهدها في عدد من البلدان العربية، حيث يستخدم الإرهاب بدلا عن الكلمة الحرة، والنكوص عن الدولة الوطنية، بديلا عن إقامة تكتلات كبرى عربية تنسجم مع لغة العصر. تراجع مطلب الدولة المدنية للخلف، وحلت محله شعارات تغوص سحيقا، إلى ما قبل قيام الدولة الحديثة.
وحين نتحدث عن التنوير، فإننا نعني به تلاقي التاريخ والجغرافيا. فهو كمفهوم، يعني توجه نحو الحداثة، بمعنى التوق لصناعة مستقبل جديد، من حيث رفض التشرنق في النزعات العرقية والفئوية والمذهبية، والغلو والتعصب. والتنوير في جوهره، تغليب للتسامح وقبول وتفاعل مع الآخر. وهو في النتيجة توجه إلى الأمام.
ورغم أن جذور التنوير تواجدت في معظم الحضارات بمدلولات مختلفة، تمثلت بدعوات التسامح الديني، والإيمان بالعلم وقبول قوانين التطور، إلا أن استخداماتها المعاصرة، ارتبطت بعصر الأنوار الأوروبي، وقيام الدولة الحديثة. وكان انتقال أوروبا إلى عصر الأنوار، واندلاع الثورة الصناعية، قد جعل منها مركزا للعالم.
ارتبطت حركة التنوير الأوروبية، بالرومانسية التي بشرت بأفكار جسدتها لاحقا الثورتان، الفرنسية والإنجليزية. وقد اخترقت هذه الحركة مختلف الأنشطة الفكرية والفنية والإبداعية. وعبرت عن ذاتها في أشكال مختلفة، رمزية وسيريالية وتجريدية وواقعية، تبعا لمساحات الحرية المتاحة، وأيضا بمستوى النمو الاجتماعي والسياسي، والمناخات التي سادت في حقبة الانتقال نحو الثورة الصناعية، وما سبقها من كشوف جغرافية.
وكان الفيلسوف الإنجليزي، روجرز باكون قد أسهم في هذه الحركة، من خلال إنكاره للاعتقاد الشائع، بأن الأشياء وجدت كما هي، موضحا أن للظواهر الطبيعية أسبابا يجب التفتيش عنها. وبرز باسكال وديكارت، وهما فيلسوفان ربطا الوجود بالفكرة، ونشر دانتي الكوميديا الإلهية. كما شهدت القارة الأوروبية حركة واسعة للإصلاح الديني، قادها مارتن لوثر وجون كالفن. وأكد العالم الإيطالي جاليلو، من جديد نظرية كوبرنيكوس في دوران الأرض حول الشمس. وفي عام 1777، اخترع جميس وات المحرك البخاري، فاستبدلت المراكب الشراعية بالبخارية. وتحول العلم من الميدان الروحي إلى الميدان العملي والصناعي.
وأثناء تلك الحقبة، أديرت الأوضاع الاجتماعية في معظم أنحاء أوروبا على قاعدة الحق الإلهي، حيث عانى الشعب من الظلم، مما دفع بمونتسكيو للاهتمام بالبحوث الحقوقية والموضوعية التي تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم، حيث جعل من كتابه quot;روح القانونquot; مرجعا هاما في أصول التشريع. ودفع ذلك بمفكر فرنسي آخر هو جان جاك روسو لإصدار كتاب quot;العقد الاجتماعيquot; الذي طالب بأن تستند العلاقات بين الحاكم والمحكوم على أسس تعاقدية. وفي تلك الحقبة أيضا، تألق نجم الأديب والفيلسوف فولتير، الذي أعلن حربا لا هوادة فيها ضد التصلب الديني.
لقد وجدت هذه الأفكار في فرنسا أرضا خصبة للدعوة للتغيير فوضعت بذورها فيها، فكان أن انتصرت الثورة الفرنسية على الحكم المطلق، وأقرت الحريات السياسية والدستور. تحددت مفاهيم الدولة الحديثة، فالأمة وحدها مصدر السلطات، وأقرت حقوق الأفراد في الاعتقاد، وحرية الكلام والتعبير، وأن الملكية الفردية مقدسة لا يجوز انتزاعها إلا إذا قضت المصلحة العامة ذلك، ولقاء تعويضات مالية.
في وطننا العربي، بدأ عصر التنوير، في غمار مقارعة السيطرة العثمانية. وجاء فكره في شكل مناداة بالوحدة وإزالة الفروق بين المذاهب الإسلامية، وتحرير العقل من الخرافات والأوهام، ودعم العقائد بالأدلة والبراهين، والتخلص من قيود التقليد وفتح أبواب الاجتهاد، ومناهضة الاستبداد. وبرز بين رواده، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومحمد فريد وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد والشيخ طاهر الجزائري والشيخ حسين الجسر ومحمد علي كرد وعبدالحميد الزهاوي ومحمد رشيد رضا والأمير شكيب أرسلان ومحمد بيرم التونسي والطاهر بن عاشور ورفاعة رافع الطهطاوي وعبدالرحمن الكواكبي، وكثير غيرهم..
ومع بداية القرن التاسع عشر، برزت حركة فكرية وسياسية واسعة، وأنشئت الجمعيات العلمية. كما دعوات فكرية إلى التحديث، بدأت مع جمال الدين الأفغاني، وقد أنشأ مع الشيخ محمد عبده في باريس جمعية العروة الوثقى، التي دعت المسلمين للنهوض ببلدانهم، والتحرر من الاستبداد والاضطهاد السياسي الداخلي. تأثر بموقف الشيخين، الأفغاني ومحمد عبده، عدد كبير من المفكرين العرب والمسلمين من الأجيال اللاحقة، بينهم من لعب أدوارا هامة في الحياة السياسية والفكرية، مثل مصطفى كامل ومحمد فريد وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد والشيخ طاهر الجزائري والشيخ حسين الجسر ومحمد كرد علي وعبدالحميد الزهاوي ومحمد رشيد رضا والأمير شكيب أرسلان ومحمد بيرم التونسي والطاهر بن عاشور وكثير غيرهم.
لكن الوطنية في مصر ارتقت مع رفاعة رافع الطهطاوي الذي دعا إلى أن يكون الوطن quot;مكان سعادتنا العامة التي تبنى من خلال الحرية والفكر والمصنعquot;. وتحدث عن رابطة وطنية، مصدرها اللسان. وجاء عبدالرحمن الكواكبي من بعده في كتابه quot;طبائع الاستبدادquot; حاملا على الحكم المطلق والجهل، موضحا أن الاستبداد أساس المساوئ، لكونه ينفي العلم ويفسد الدين والأخلاق والتربية.
وباختصار، يمكن القول إن عصر التنوير أسهم في انبعاث الوطنية الحديثة، التي ارتبطت بمنهجين. الأول، تغلغلت فيه الآراء الغربية في الوطن والحرية والدولة، وعبر عن إعجاب بالتراث، وقرن ذلك بالفكر السياسي الحديث. أما النهج الآخر، فكان النهج العربي المتمثل في اليقظة العربية، والذي أكد على أن العرب أمة واحدة لها خصائصها، وأن العربية هي الرابطة الأساسية، مشددا على الصلة الوثيقة بين الإسلام والعروبة، ذاهبا إلى القول إن الإسلام قام وازدهر بهم، وإن السبيل لنهضتهم لن يتحقق إلا بعودتهم للعب الدور القيادي في مسيرة النهضة. وقد تطورت هذه الرؤية نظرية وممارسة مع البدايات الأولى للقرن العشرين، مسهمة في اندحار الهيمنة العثمانية، وبروز حركات التحرر الوطنية، التي رفعت شعاري الحرية والاستقلال.
ويبقى السؤال، لماذا حقق عصر الأنوار الأوروبي أهدافه، واستمر يتقدم بثبات، جاعلا من القارة الأوروبية مركزا للعالم، في حين فشل التنوير العربي؟ بمعنى آخر، لماذا نجح مشروع النهضة الغربي، وفشلنا نحن؟ أسئلة ستكون الإجابة عليها موضوعا لحديثنا القادم بإذن الله.












التعليقات