سليم نصار
لم تعرف الشعوب العربية، خلال تاريخها الطويل، حالات من الاضطراب والتشويش تماثل الحال التي تعانيها منذ ثلاث سنوات. وكان من الطبيعي أن تزدهر وسط هذا الجو المقلق تجارة التنجيم وقراءة الغيب بحيث تجددت أنماط المؤثرات التي استخدمها عالم التنجيم الطبيب الفرنسي نوستراداموس في كتابه laquo;المئوياتraquo; وهي نبوءات غامضة لا يزال الناس يرددونها.
ففي مصر ينصب اهتمام المواطنين على رصد التقلبات السياسية التي تتغير من يوم الى يوم، ومن رئاسة حسني مبارك الى رئاسة محمد مرسي. ومن رئاسة مرسي... الى رئاسة عبدالفتاح السيسي. ومن إطلاق سراح الرئيس مبارك الى إحلال مرسي في السجن مكانه.
ومثل هذه التقلبات، أو الانقلابات السريعة، تدل على عدم ثبات المتظاهرين على مواقفهم بالنسبة الى اختيار قادتهم. كما تدل على أن الرهانات التي عكست طموحاتهم الاقتصادية والسياسية لم تثمر سوى الفراغ والحسرة.
كذلك الحال في ليبيا التي أنهى ثوارها عهداً استمر 42 سنة بزعامة معمر القذافي، ثم اختلفوا من بعده على طريقة بناء الدولة. وبسبب انتشار السلاح، وتفوّق المحتكمين اليه، تم تهميش المجلس الوطني الموقت، وابتعدت طرابلس عن بنغازي أكثر فأكثر، الأمر الذي بات يهدد وحدة البلاد ويمنع انصهار القبائل.
وهذا ما لمسه الوزير اللبناني السابق طارق متري، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، الذي زار طرابلس الأسبوع الماضي للاطلاع على مبادرة الحوار التي أطلقها رئيس وزراء ليبيا علي زيدان... أي المبادرة التي تشمل قضايا المصالحة الوطنية ونزع السلاح من أيدي أفراد القبائل المتنازعة.
ويرى زيدان أن التحدي الكبير الذي تواجهه حكومته يتمثل في احتواء laquo;الاخوان المسلمينraquo; الذين يعملون على تعطيل قوانين الحكومة بهدف إنشاء فيدرالية قبلية. ومثل هذا الموقف السلبي يؤسس لحرب أهلية يمكن أن تعرّض ليبيا للتفكيك والتقسيم.
في إطار التراجع الذي تشهده دول laquo;الربيع العربيraquo;، يمكن الجزم بأن تونس شكلت خيبة أمل كبرى عبَّر عنها رئيس الوزراء علي العريض بالإصرار على الاستقالة. والسبب، كما كشفت عنه وزارة الداخلية، يتلخص في خطط تنظيم laquo;أنصار الشريعةraquo; لإقامة إمارة إسلامية في تونس، ومواصلة عملية الاغتيالات التي أودت بحياة إثنين من كبار السياسيين العلمانيين، إضافة الى مقتل ثمانية جنود قرب الحدود الجزائرية.
وقد برز تنظيم laquo;أنصار الشريعةraquo; السلفي الجهادي في تونس عقب الاطاحة بالرئيس الهارب زين العابدين بن علي. واللافت أن رئيس حركة النهضة الاسلامية، راشد الغنوشي، أثنى على هذا التنظيم لأنه كما وصفه laquo;يتميّز بثقافة جديدة تذكره بأيام شبابهraquo;.
والغريب في الأمر أن الغنوشي كال له هذا المديح وهو يعرف جيداً تاريخ رئيسه سيف الله بن حسين، المعروف باسم أبو عياض (45 سنة) والذي قاتل في صفوف laquo;القاعدةraquo; وتدرب في أفغانستان، ثم أدخِلَ السجن في عهد الرئيس بن علي، وذلك قبل الإفراج عنه ضمن إطار العفو.
ومن الواضح أن المعارضة التونسية تنتظر تشكيل حكومة إنقاذ تتولى مهمة إنهاء مسودة الدستور الجديد وقانون الانتخابات.
العناصر الليبرالية والعلمانية اعتزلت العمل السياسي بعدما رأت أن الارهابيين والاصوليين المتطرفين يريدون أن يفرضوا قناعاتهم على الرأي العام بقوة السلاح. وكان من المنطقي أن يتذكر المواطنون المحايدون الرئيس الحبيب بورقيبة، وما تركه لهم laquo;المجاهد الأكبرraquo; مؤسس laquo;حزب الدستورraquo; من إرث سياسي هيمن على الشارع التونسي طوال الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وقد شهدت البلاد، طوال تلك المرحلة، مبادرات وطنية ديموقراطية اشتركت فيها كل القوى الفاعلة. كما شاركت المرأة بقسط كبير من الانتاج كونها أُعطيَت حقوقاً مميزة كانت تحسدها عليها المرأة الانكليزية.
والمؤسف، أن laquo;الربيع العربيraquo; الذي بدأ في تونس بإطاحة طغمة زين العابدين، لم يعرف كيف يحافظ على تراث البورقيبيّة، ولم ينجح في إبقاء تونس منارة تضيء ليل المغرب العربي.
في اليمن، تبدو صورة laquo;الربيع العربيraquo; مختلفة جداً عن الصور الأخرى. والسبب أن أسامة بن لادن كان قرر أن يجعل من اليمن قاعدة مركزية ينطلق منها الى تهديد كل دول الخليج، وخصوصاً المملكة العربية السعودية. وبما أن والده يفخر بأصوله الحضرموتية، فإن أسامة ورث عنه هذا الطموح الذي أحياه بين أنصاره. وعبر هذه الثغرة، دخلت ايران الى اليمن لتمزيق وحدته الوطنية وإنعاش حركة انفصال الجنوب عن الشمال.
كذلك قامت طهران بتأييد الحركة الحوثية الشيعية في شمال اليمن للحؤول دون نجاح المبادرة الخليجية التي تدعو الى تطوير الوحدة بين عدن وصنعاء.
وصدر عن ممثلي محافظات حضرموت والمهرة وشبوة وسقطرى، بيان يقول إنهم اتفقوا على تبني صيغة دولة اتحادية مكونة من خمسة أقاليم.
ولكن جلسات الحوار الوطني، التي بدأت منذ آذار (مارس) الماضي، تعطلت فجأة بسبب محاولة الاغتيال التي تعرض لها رئيس الحكومة محمد سالم باسندوة.
ومع أن رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي حاول التخفيف من وقع هذه الحادثة على مؤتمر الحوار، إلا أن الحراك الجنوبي وجد الفرصة مواتية لتكرار طلبه بضرورة نقل الحوار الى خارج البلاد، على أمل جعل الحوار نديّاً بين ممثلي الشمال والجنوب.
كل هذا بهدف عقد الجلسة الختامية في 18 أيلول (سبتمبر) الجاري، تمهيداً لوضع الدستور الجديد وطرحه للاستفتاء الشعبي بحلول نهاية السنة، وصولاً الى انتخابات عامة في شباط (فبراير) 2014.
الفصيل الموالي للرئيس اليمني الأسبق علي سالم البيض نفذ عصياناً مدنياً الأسبوع الماضي، تنفيذاً لأوامر الرئيس المقيم في الخارج والمُطالِب بالانفصال عن الشمال. وهو في هذا المطلب يمثل شريحة كبيرة من الناس يصعب إعادة الوحدة من دون موافقتها. وعليه يرى المبعوث الأممي جمال بنعمر أن الانفصال بين عدن وصنعاء قائم، وأن هدف المبادرة الخليجية ينحصر في منع هذه الحال من أن تصبح واقعاً ملموساً مثلما كانت قبل الوحدة 1990.
بانتظار ما تتمخض عنه التقلبات السياسية في مصر وتونس وليبيا واليمن، تتركز الاهتمامات الدولية حالياً على سورية باعتبارها تمثل قنبلة التفجير في منطقة الشرق الأوسط. وقد أطلق عليها هنري كيسنجر عام 1974 لقب laquo;الجوزة الصلبةraquo; لكثرة ما زارها في عهد حافظ الأسد قبل أن يُصار الى توقيع اتفاق الهدنة على جبهة الجولان.
منذ اندلاع الحرب الأهلية ضد نظام بشار الأسد، لم تواجه سورية أزمة مصير كالأزمة التي تعانيها حالياً مع الأسرة الدولية. وقد زاد من تفاقمها دخول الولايات المتحدة على خط التحذير بعدما تجاوز النظام الخط الأحمر الذي رسمه باراك اوباما.
يقول المراقبون إن الأسباب الحقيقية التي دعت الى استعمال السلاح الكيماوي لا تزال مجهولة، خصوصاً أن التنفيذ تم أثناء وجود المفتشين الأممين في دمشق.
الائتلاف السوري يزعم أن الهجوم الذي شنّته على موكب الرئيس، أثناء رجوعه مع عائلته من احتفالات عيد الفطر، كان السبب المباشر في الإعداد لضربة انتقامية في حجم الضربة التي جرى تحقيقها.
كذلك يدّعي الائتلاف أنه قتل مرافق العائلة في سيارة أخرى كانت تقلّ الزوجة أسماء والأطفال الثلاثة: حافظ وكريم وزين.
وفي تحليل آخر نشرته صحيفة laquo;ذي تايمزraquo; ndash; 28 آب (اغسطس) ndash; يقول إن الشقيق ماهر هو الذي أمر بتنفيذ الهجوم قرب دمشق مستخدماً السلاح المحرَّم دولياً.
وزير الخارجية الاميركي، جون كيري، أعلن أن بلاده تسلمت عينات شعر ودم أظهرت مؤشرات على استخدام غاز الأعصاب laquo;السارينraquo;.
وادعى في حديثه الى وكالات الأنباء، أن واشنطن تعلم أن النظام أمر بشن الهجوم... وتعلم من أين جاءت الصواريخ وأين سقطت، وكيف حاول النظام إخفاء ذلك.
وفي حديثه الى محطة laquo;سي أن أنraquo;، قال الوزير كيري إن الولايات المتحدة تعرف بيقين مطلق مَنْ أصدر الأمر باستخدام السلاح الكيماوي، ومن أين انطلقت الصواريخ. كما تعرف بدقة أن هناك 1429 شخصاً قتلوا بينهم 426 طفلاً.
إضافة الى موت مئة ألف نسمة خلال السنوات الثلاث الماضية، وتشرد خمسة ملايين شخص في الداخل، ولجوء مليوني إمرأة وطفل ومسن الى لبنان والأردن وتركيا.
مصادر الأمم المتحدة تقول إن الادارة الاميركية تبحث مع قادة الائتلاف عن الجهة التي فتحت المخازن المحروسة من جانب وحدة خاصة تابعة لأجهزة الأمن السورية. وفي هذا الشأن يُشار الى أربع جهات: الأولى، الرئيس الأسد الذي يملك وحده مفاتيح ترسانة السلاح المحظور.
الجهة الثانية قد تكون من الثوار في حال نجحوا في السيطرة على أحد المخازن، واستخدموا الكيماوي من أجل جر الدول الى حملة تؤدي الى إسقاط الأسد.
الجهة الثالثة، ربما تكون إحدى المنظمات الارهابية الجهادية المحلية التي تستغل الحرب الداخلية لتعميق الشرخ بين النظام والمعارضة بهدف إرهاق الفريقين.
الجهة الرابعة، أو السيناريو المحتمَل الذي يتحرك فقط عندما تشعر الطائفة العلوية بأن بشار الأسد قد يكون توصل الى حل يحفظه في الحكم، وإنما على حساب مكانة الطائفة ومصير قادتها. وفي مثل هذه الحال، يُفترض أن يكون السلاح الكيماوي قد استعمل لتوريط القصر الرئاسي بالذات عندما يكون وفد مراقبي الأمم المتحدة موجوداً في دمشق!
كل هذه الافتراضات أصبحت من الماضي، على اعتبار أن الرئيس اوباما اتخذ قرار الحرب مع وقف التنفيذ. ومثل هذا الإخراج المبهم فتح شهية المحللين الذين تنافسوا على رسم عشرات السيناريوات. فمن قائل إن اوباما سيأمر بضرب سلسلة أهداف عسكرية مثل مواقع قيادة الجيش ومنظومات الدفاع الجوي وقواعد إطلاق الصواريخ. ومن قائل إن اوباما وبوتين اتفقا في قمة العشرين الكبار، في سانت بطرسبرغ، على تسديد ضربات غير مؤذية للنظام، مقابل الانتقال الى جنيف-2 حيث يُصار الى الاتفاق على رسم خريطة سورية ما بعد عهدي حافظ وبشار الأسد!













التعليقات