&&جورج علم


هل تعرفون درج السفارات في بيروت؟


إنه على مقربة من السراي الحكومي، يقتحم السور السميك، يخترقه، ويتسلل منه تحت الأضواء الكاشفة، وكاميرات المراقبة، باتجاه الأبواب الإلكترونية، والدهاليز المزوّدة بأحدث التقنيات الذكيّة، قبل أن ينتهي إلى مجمّع السفارات .
تجتازه الوجوه متهيّبة، وتخرج إما منشرحة متفائلة، أو حزينة محبطة، وهذا يتوقف على مدى التجاوب في الحصول على تأشيرة، أو في حجبها عن طالبيها .
قال الرئيس الراحل رفيق الحريري يوما وهو يدشّن مبنى السراي بعد إعادة ترميمه: "آمل أن يصبح محيط القصر الحكومي، ووسط بيروت، مجمّعاً للوزارات والسفارات، بحيث تنتظم دورة العمل، ويختصر الكثير من الوقت والجهد على المواطن في إنجاز معاملاته" . استجاب بعض الدول لهذه الدعوة، واتخذت سفارات بريطانيا، أستراليا، كندا، بلجيكا، ألمانيا مقار لها في شارع متفرّع قريب من المكان، وأطلق عليه "مجمّع السفارات"، واستحدث له مدخل وحيد يجتازه أصحاب المعاملات، وطلاب التأشيرات .
- لماذا الكلام عن درج السفارات؟
كنت خارجاً يوماً من قاعة المكتب الإعلامي في السراي، عندما استوقفني فتى، لم يتجاوز ال 15 من عمره، وقال: أرجوك! . . أين درج السفارات؟
- وما شأنك به؟
- أختي "دلماز" في الداخل، وأرسلت في طلبي؟
- ومن أين أنت؟
- عراقي .
- ولكنك أشقر . . بملامح أوروبيّة؟
- أنا إيزيدي .
- وكيف وصلت إلى هنا؟
- قصّتي طويلة، هربنا من العراق إلى الأراضي التركية، ومنها إلى سوريا، والآن، أحاول الحصول على تأشيرة .
- وأين تقيم الآن؟
- في منطقة برج حمود . نحن سبعة، تمكّنا من الوصول، منذ عشرة أيام، وكلّ يسعى للسفر إلى الخارج .
- هل هم أفراد عائلتك؟
- . . لا . . لا أعرف شيئاً عن أهلي . . تشرّدنا، ولم يبق سوى شقيقتي دلماز، لقد جاءت من لندن خصيصاً كي تصطحبني، إنها هناك منذ سنوات، وتعمل في إحدى شركات النسيج . . . أرجوك . . من أين أدخل؟ أين درج السفارات؟

سوريّون . . عراقيّون . . وجنسيات مختلفة

تشهد مناطق برج حمود، النبعة، الدكوانة، الفنار، أو ما يسمى "بحزام البؤس الشرقي" للعاصمة بيروت، حوادث أمنية متفرقة، ما بين الأهالي والوافدين، واتخذ اتحاد البلديات سلسلة من التدابير الاحترازيّة لفرض الأمن، إلاّ أن مختاراً لمحلّة برج حمود هو هاروت كاتشاراجيان يقول بلكنته الأرمنية المستعربة، "فالج لا تعالج حبيبي . . هون كلّو أغراب . . بيجي وبيروح وما بيعرف شي . . وينا دولة؟ . . ما في دولة؟! . . رزقوا سايب! . ." .
أكواخ من الصفيح، مجمعات ومخيمات، أزقة ضيقة مكتظّة، بنى تحتية معدومة، ومناطق متداخلة، يقصدها النازح أو المشرّد كونها تشكّل من حيث طبيعتها، وتركيبتها المجتمعيّة السكانيّة بيئة حاضنة . الدفعة الأولى كانت أرمنيّة، تنادت فعاليات المنطقة على استقبال الهاربين من الجحيم السوري، انطلاقاً من دوافع عائليّة، فئوية، وبدأت السبحة تكرّ، والدفعات تتدفق من مناطق سوريّة، وعراقيّة، وتركيّة عدّة، أرمن، عرب، أكراد، تركمان، آشوريون، كلدان، سريان، أرثوذكس، كاثوليك، آراميّون، مندائيون، إيزيديّون، صابئيون . . . خليط غريب عجيب من الثقافات، واللهجات، والعادات والتقاليد . . إنه الحابل يختلط بالنابل مع أسباب تبريريّة بأن "هذه الأقليات، إنما هي في الطريق نحو المغتربات بحثاً عن استقرار، وحدّ أدنى من الحياة الحرة الكريمة"، كما تفيد "رابطة الأقليات" التي تضمّ نخبويين على علاقة بالمرجعيات الروحيّة من جهة، وبالسفارات العربيّة والغربيّة من جهة أخرى .

موجات النزوح . . الأسباب والدوافع



&

تفيد وثائق الرابطة، بأن الجالية السوريّة لم يكن عددها يتجاوز المئات داخل النطاق البلدي التابع لبرج حمود - النبعة - الدكوانة - الفنار، وكانت حاجة اقتصاديّة للمنطقة حيث تعمل الأغلبية في قطاع البناء، فيما تعمل البقيّة الباقية في قطاع الزراعة . وعندما اتسعت دائرة اللهيب في سوريا ومعها الخراب والدمار، وصلت إلى المنطقة أعداد إضافيّة، والمفارقة أن الأغلبية كانت لعائلات سبق أن عمل معيلوها في القوات السورية عندما كانت منتشرة في كل لبنان، ويعرفون المنطقة بخصوصياتها، وتفاصيلها الدقيقة، وهذا ما وفّر عناصر مساعدة على اختيار مأوى، إما مجاناً وإما ببدل رمزي .
ومع تدفّق الأرمن السوريين في المرحلة الثانية من الأحداث التي شهدتها المدن الكبرى، بدأت الأقليات الإتنية بالتوافد أيضاً، بحكم الضرورة عندما أصبح المصير على المحك، وشهدت المنطقة، ولا تزال نوعاً من التجربة الفيدرالية العشوائيّة، أو اللامركزيات التي تضم مجموعات تنتمي إلى ثقافات متناغمة، وإن كانت قليلة العدد، بحيث يسكن في المجمّع الواحد عائلات من نوع مذهبي واحد، أو لهجة واحدة، أو كانت تجمعهم أواصر الجيرة قبل النزوح، وطقوس، وعادات، وتقاليد مشتركة .
الطامة الكبرى كانت مع تمدد تنظيم "داعش" في العراق والشام، وإعلان ما يسمى "الدولة الإسلامية" بقيادة أبو بكر البغدادي . هذا الحدث كانت له تداعيات، وعمدت الجامعات الكبرى في بيروت، بينها الجامعة الأمريكيّة، واليسوعيّة، والكسليك إلى تنظيم ندوات، وعقد طاولات أبحاث ودراسات للتمعن بالخلفيات التاريخيّة والثقافية، وتلمس الأخطار والانعكاسات، سواء الداهمة، أو تلك التي يمكن أن تترتب على المديين المتوسط، والبعيد . أحد الدارسين المؤرخين يسجل "إن "داعش" بقر بطن التاريخ في العراق، فطفت على السطح كلّ الأقليات والأكثريات، كلّ الهويات، والثقافات، والخصوصيات . وأظهرت ثورات العراق المتتالية مدى غنى تركيبته المجتمعيّة، وتراثه الإنساني، ورصيده الثقافي الحضاري، كلّ الديانات والإتنيات بما فيها اليهودي، كلّ التنوعات التي ولدت في حضن التاريخ، ترعرعت في الربوع العراقيّة، إتنيات وجدت الأمن والأمان والاطمئنان، وتمكّنت من الاستقرار، والتعايش والتفاعل والتكاثر، قد أصبحت الآن أمام مستقبل غامض، ومصير مجهول . من كان يسمع بالإيزيديين قبل المجازر التي ارتكبها تنظيم "داعش" بحقّهم . من كان يعرف لهجاتهم وخصوصياتهم قبل أن يصبحوا هائمين على وجوههم، مشرّدين . ولم يهدأ الإعصار بعد، لا في العراق، ولا في سوريا، لقد أخذ في طريقه الشفافية فانكشفت العيوب والمآخذ، مجتمع مدنيّ يتفكك، ورعب يخيّم، وخلايا مجتمعيّة ثقافية حضارية تنفصم وتذوب، وموجات من النزوح أبطالها من أتباع صابئة، وإيزيديون، وأكراد، وتركمان، وسريان، ومندائيون، ويهود . . انهيار حضاري مجتمعي بالكامل" .

لغة الأرقام

وفي غمرة "هذه الفوضى الخلاّقة"، طاف نهر النزوح، وفاض عن منسوبه، واجتاح كلّ لبنان من أقصاه حتى أقصاه، واكتفت الوزارات المختصة، ومجالس البلديات، وهيئات المجتمع المدني بتسجيل الأرقام، مليون، مليون ونصف، مليونان . . ليس من وضوح، يتحدث وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس عن أكثر من ألف مخيم فوضوي فوق الأراضي اللبنانية لا تعرف الحكومة كثيراً عن مجريات حياة ساكنيها . . أكثر من مليونين ونصف المليون ربطة خبز يحتاجها لبنان يوميّاً، تضاف فوق حاجات مواطنيه، والمدققة في سجلات وزارة الاقتصاد الوطني، وإهراءات مرفأ بيروت . وزير الصحة وائل أبو فاعور يتحدث عن ملايين من الدولارات، أنفقت وتنفق لتغطية الحالات الطارئة، كالولادة، وسواها عند النساء النازحات، على نفقة وزارة الصحة . لم تعد الأرقام ترفاً، إنها معالم مأساة تدققها الوقائع اليوميّة، ولوائح الإنفاق، وفواتير الغذاء والدواء والاستشفاء، وقوائم الطلاب النازحين المسجلين في مدارس رسميّة أو خاصّة مجانيّة .
أصبح الرقم في لبنان مجرّد تعبير عن عجز ومعاناة نظراً لثقل التركة . بلد مأزوم، يعاني التداعيات الأمنية والاقتصادية والاجتماعيّة والمعيشيّة، تضاعفت معاناته بفعل النزوح، ودفعت بمصيره ومستقبله نحو حافة المجهول، في ظلّ مواكبة دوليّة غنية بالمؤتمرات وتوصيات الحبر على الورق، فيما المردود حتى الآن "اسمع تفرح، جرّب تحزن" .

مشروع تطهير الشرق من الأقليات

تكشف الأرقام خطورة المأساة، أقليات تباد، وثقافات تتبدد . . خاف الرعيان على مصير رعاياهم، وخفّ بطاركة الشرق إلى بغداد، ومن ثم إلى أربيل لاستطلاع الأوضاع، وعادوا على قلق عظيم، حروب إبادة، ومن يبقى عليه أن يرحل، هناك مشروع "ترانسفير" خطر، ولبنان إحدى ساحاته، إن لم يتجاوب مع المجتمع الدولي كوطن لجوء، عليه أن يتجاوب كوطن "ترانزيت"، تمر به الأقليات الخائفة المذعورة الهائمة على وجهها، وتعبر منه إلى دول الاستيعاب . طلب البطاركة موعداً من الرئيس باراك أوباما، فاستقبلهم بعد طول عناء . طالبوه بالعمل على إبقاء المسيحيين، وسائر الأقليات الأخرى في الشرق، لكنه لم يقطع لهم وعداً . مستشارة الأمن القومي سوزان رايس كانت أكثر وضوحاً "من لم يستطع البقاء، فليرحل، هناك دول قادرة ومستعدة للاستيعاب" .
تأكد وفد البطاركة من خطورة المخطط، واكتشف أنه على حلقات مترابطة: الإرهاب يضرب ويرعب بفظائع ممارساته وارتكاباته، فتهرب الأقليات في كلّ اتجاه بحثاً عن الأمان أولاً، ثم عن الوطن البديل . الأمم المتحدة تجتمع، وتندد، لكنها لا تنفق ما يكفي من الأموال والمساعدات، وتترك الدول المضيفة أمام خيارين، إما تحمل أعباء الإيواء، وإما ممارسة المزيد من الضغوط على النازحين للهجرة نحو أوروبا وأستراليا، وكندا والسويد . الأمين العام للمنظمة الدوليّة بان كي مون عاد فأحيا نشاط لجنة اللاجئين المتفرّعة عن المفاوضات المتعددة الأطراف التي كانت سارية المفعول ما بين دول الطوق و"إسرائيل" . هذه اللجنة كانت برئاسة كندا، وتضم مجموعة من الدول المتمكنة اقتصاديّاً، وتملك مساحات شاسعة من الأراضي، وترغب في استثمارها . كان هدف هذه اللجنة استيعاب اللاجئين الفلسطينيين، تمهيداً لإسقاط حق العودة كما ترغب "إسرائيل"، وأصبح هدفها اليوم استيعاب الأقليات التي تغادر الشرق الأوسط خوفاً من مقصلة "داعش"، وتنفيذاً للمخطط المرسوم، "في مهد الديانات السماوية لا مكان للحضارات، لأن ثقافة التوحش تلتهم الآخر، لا مكان للآخر في زمن التوحّش" .
عاد وفد البطاركة إلى بيروت بانطباعات أربعة، الأول: أن مؤتمرات دولية سبعة قد عقدت حتى الآن ما بين الكويت، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وبريطانيا، والأمم المتحدة للدول المانحة، وكانت الأرقام واضحة، والدراسات متطابقة، إلاّ أن المساعدات المرجوة لم تصل، إلى أن اكتشف لبنان في اجتماع برلين الأخير أن الهدف هو الدفع به للتوقيع على اتفاقية فيينا الخاصة باللاجئين لكي يستوعب النزوح السوري، ويتحول إلى وطن لجوء .
الانطباع الثاني: أن هدف التحالف الدولي ليس القضاء على "داعش"، بل تنظيم أدائه وفق سياق المخطط المرسوم، وإذا كانت "إسرائيل" تريد أن تكون دولة عنصريّة يهوديّة، فلا مانع من قيام دول عنصرية مذهبيّة جديدة في المنطقة، أما الأقليات، فلا مكان لها، وعليها الرحيل .
الثالث: أن بان كي مون عزّز من بعثات الأمم المتحدة في المنطقة، له سفير ناشط في لبنان هو ديريك بلامبلي، وله آخر في سوريا، وثالث في العراق، ورابع في اليمن، وهكذا دواليك . مهمّة هؤلاء السفراء تسويق سياسة الأمم المتحدة تجاه النازحين، وفق المواصفات والشروط التي تقترحها دول الاستيعاب الشريكة والعضو في لجنة اللاجئين الدوليّة .
الرابع: أن دول الاستيعاب زودت طواقم سفاراتها في بيروت بموظفين أمنيين متخصصين، وأيضاً بخبراء لاستقبال طلبات النازحين، وفرزها ما بين طالب، ومتخصص، وصاحب كفاءة، ومعيل، ليصار إلى درسها، على أن تعطى الأولوية لجمع شمل العائلات، ثم لعنصر الشباب الجامعي أو المتخصص، ثم لأصحاب المهن الحرّة . . وهكذا دواليك، على أن تعطى تسهيلات مناسبة خصوصاً لأولئك الذين اضطرتهم الظروف على النزوح من دون اصطحاب أوراقهم الثبوتيّة .

تنظيم الاستيعاب قدر الممكن

أمام هذا الواقع المصيري المدلهم، قرّر وفد البطاركة المشرقيين وضع استراتيجيّة عاجلة من أولوياتها أن يعمد كل بطريرك إلى حماية خاصته، خصوصاً الأقليات الآشورية، والكلدانية، والسريانية الأرثوذكسيّة، والسريانيّة الكاثوليكيّة، والأرمنية، والآراميّة، والعمل أولاً على تثبيت هذه الأقليات في المناطق التي لجأت إليها آنيّاً سواء في العراق إلى جانب الإقليم الكردي، أو في سوريا في مناطق هادئة، على أمل أن يعودوا يوماً إلى قراهم وأرزاقهم، إذا ما انتهت الحروب، وحلّت التسويات، والسعي ثانياً إلى استضافة من وصل إلى لبنان في الأملاك والأراضي والعقارات والمؤسسات التابعة لهذه الطوائف قدر الممكن والمستطاع، حتى لا يفقد لبنان أولاً، والشرق ثانياً تنوعه، وخصوصياته، وثقافاته، وحضاراته التي صنعها تكاتف الأقليات مع الأكثريات في أوطان تبدو منساقة بعيداً عن ثقافة القومية لصالح المذهبيّة والفئوية .
يسأل الفتى الإيزيدي عن درج السفارات . . . شقيقته دلماز تنتظره في الداخل، ترتّب له ملفّه، وتريد أن تصطحبه إلى بريطانيا "وطنه الجديد" . هناك المئات التي تعبر درج السفارات يوميّاً طلباً للتأشيرة، وبحثاً عن "الوطن الجديد" . ومن برج حمود، والنبعة، والدكوانة، والفنار، ومن ألف مخيم فوضوي منتشر فوق جغرافية لبنان، تنطلق صباح كل يوم قوافل قوافل باتجاه درج السفارات بحثاً عن تأشيرة، ووطن بديل، فيما لبنان المأزوم عالق بين خيارين إما أن يكون وطن "الاستيعاب"، وإما وطن "التصدير" .

&